مشكلته انه لا يباع ولا يشترى، لا يزرع ولا يصنع، لا يوهب ولا يورث، مشكلته ايضاً انه اذا انتكس لا ينفع في علاجه دواء، ولا يجدي معه نصح ولا ارشاد، ولا يصلح للتعامل مع فاقده الا الصفع او الضرب على القفا..! انه صاحب الحروف الثلاثة «ذ.و.ق»، وهي الحروف التي تجعل من حاملها انساناً يحمل كل مؤهلات البني آدم، والتي تحول فاقدها الى مخلوق لا هو بالانسان الذي تحترمه.. ولا بالحيوان الذي تلتمس له العذر لأنه لم يؤهل اصلا لحمل امانة تلك الحروف الذهبية..! وكما يسهل عليك اكتشاف البني آدم الذوق، فإن اكتشاف عديم الذوق اسهل بكثير، فتصرفاته وتعدياته تصرخ معلنة عن وجوده، وكما يأسرك البني آدم الذوق بذوقه واحترامه للآخرين، فإن الأخ «الجلياط» يستطيع بسهولة ان يفقع مرارتك، ويستطيع بسهولة اكثر ان يخلق من المشاكل ما يراه هو امورا عادية او تافهة لا تستحق منك او من الآخرين كل هذا الضيق والاحتجاج..! من نماذج هذا البني آدم.. ذلك النموذج المعروف الذي لا يحلو له التجرد من ذوقه إلا في الطريق العام، فتراه يتجول بسيارته «التي غالبا ما تكون فارهة» من شارع الى شارع، تزعجه الشوارع الواسعة التي ينساب فيها المرور بلا مشاكل، وتغيظه مواقف السيارات الخالية من السيارات، فيظل يدور ويدور حتى يجد ضالته في شارع مزدحم يختنق بحركة المرور، وتزحف فيه السيارات من شبر الى شبر، وهنا تنشط لديه الغدة «اللاذوقية» وتنتفخ، فينتابه الفرح وتغمره السعادة ويبدأ في دراسة الموقع امامه حتى يكتشف موقعا استراتيجيا يتحكم في حركة المرور، وسرعان ما يوقف سيارته في ذلك المكان الحرج متعهدا ترك محركها دائرا، وببرود الواثق من نفسه يغادر سيارته لأمرٍ ما، تاركا المنتظرين «المفقوعين» والمحاصرين «الملطوعين» معلقين بين اليأس والامل، حائرين بين الانتظار وعدم الانتظار، فبقاؤهم على هذه الحال لأطول وقت ممكن يحقق لصاحبنا لذة سادية لا يدرك حلاوتها الا من كان مثله مصابا بالعمى الذوقي..! من عينة هذا النموذج ايضاً ذلك «المتجرد» الذي لا «يفتح نفسه» من مواقف السيارات إلا ما كان «كومبليت» فلا يتعب نفسه بالبحث عن موقف آخر اهدأ وارحب حتى ولو كان لا يبعد الا بضعة امتار، فمثل هذا الموقف المزدحم يسعده ويتيح له «فش» اكبر قدر ممكن من عقده «اللاذوقية»، ويهييء له ممارسة التصرف المحبب لديه، فيوقف سيارته في الوضع الذي يرى ـ من واقع خبرته وتجاربه ـ انه يشل حركة اكبر عدد ممكن من السيارات التي تعمد الوقوف خلفها، ومن ثم يغادر سيارته بعد وقف محركها واغلاق ابوابها، وينصرف بهدوء الواثق من غبائه وبسعادة المتأكد من نجاح خطته في إيذاء الآخرين، وعلى المحاصرين بسيارته ان يضربوا رؤوسهم في كل الحوائط المحيطة بهم، وان يستمروا في ذلك حتى يأخذ صاحبنا مزاجه وينهي كل مصالحه حتى ولو لم يكن هناك مصالح ـ ومن ثم يعود هادئاً مسترخياً..متجاهلا نظرات وصيحات الغيظ من التعساء الذين شاء حظهم ان «يسعدوا» بوقف حالهم وتعطيل مصالحهم طول فترة نشاط غدة «اللاذوق» حتى تهدأ وتستقر لدى صاحبها..! واذا تركنا الشوارع والسيارات ودخلنا الى مواقع العمل ـ والحكومي بالذات ـ فسنواجه بسلسلة فريدة من عينات «اللاذوقيين» الذين يعطيهم موقعهم الوظيفي فرصا رائعة لإبراز مواهبهم «اللاذوقية» ـ فطرية كانت ام مكتسبة..! تدخل على الواحد منهم مكتبه فيجد لذة في تجاهلك، تصبح عليه فيحس بمتعة شديدة في عدم الرد عليك، اما اذا اسعدك الحظ «ببركة دعاء الوالدين» فلا تصل في تفاؤلك الى تصور انه سيتكرم بالنظر اليك.. فهذا شرف يرى انك لا تستحقه، ولك ان تتوقع ايضاً انه سوف يهملك «لاطعاً» إياك لأطول وقت ممكن.. تاركاً شخصك الكريم قلقاً... متململا.. حائرا.. الى ان تهدأ ـ الى حد ما غرائزه اللاذوقية... وتنتشي عقده السلطوية، فينهي الموقف متفضلا بإنهاء معاملتك على خير.. او صافعا إياك بالمقولة الازلية «تعال بكره»، والعقدة اللاذوقية في حال هذا الموظف وامثاله مكتسبة غالباً، لأنها ترتبط وجودا وعدما.. وارتفاعاً وانخفاضاً بالكرسي وبالمكتب وبالوظيفة، ولأنه يرى ان من مستلزمات الوظيفة والمكتب.. والكرسي.. والفراش الواقف على بابه ان يكون صاحبها عديم الذوق، باعتبار ان استعمال الذوق مع اصناف البشر المتعاملين معه، وكلهم في نظره من السوقة وعامة الناس، تنازل يحط من قدره ومن قدر وظيفته، وان التلطف معهم ترف لا يستحقونه، وقد يطمعهم ـ لا قدر الله ـ في النظر اليه كموظف عمومي، يأخذ راتبه من اجل خدمتهم، لا من اجل ان يكونوا هم في خدمته، وهو الوضع الذي يراه هو طبيعيا.. والذي يسعى جاهدا ودائماً لإقناع الناس بأنه الصواب..!، تطبيقاً للحكمة التي تقول «خادم القوم سيدهم»، حسب نظريته، وليس حسب نظرية الحكمة في صيغتها الحقيقية والتي تقول «سيد القوم خادمهم»..! ولله في خلقه شئون..!