حصان مع فارسه، اسطبل من القرميد الأحمر، سارية قائمة وأجمة اشجار بعيدة.. انها المقومات الرئيسية للوحة «البهارج مع جون برات في نيوماركت» للفنان جورج ستابز الذي غالباً ما تكون عناصر لوحاته معدودة وواضحة المعالم ومميزة عن بعضها. وتلك العناصر الأربعة المقدمة على خلفية الارض والسماء لا تتداخل فيما بينها إلا في نقطة واحدة، يتداخل فيها بصرياً ذيل الحصان مع بناء الاسطبل. وليس هناك تكرار لأي شيء، ان يوجد واحد فقط من كل عنصر. ولذلك فإن جزءاً من تأثير اللوحة على المتلقي يتمحور في حس رفيع من التفرد والخصوصية. وليس هناك من عنصر اكثر خصوصية في العمود الخشبي الابيض الوحيد الذي ينتصب متفرداً في اقصى يسار اللوحة، حتى انه يكاد يلامس اطار اللوحة على نحو يعطي انطباعاً بأنه نوع من المداعبة الفنية البصرية. أحد الاشياء الغامضة التي تكتنف هذا الرسام هو انه كان أفضل بكثير من متطلبات حاجته للرسم والتي كانت تنحصر في تصوير خيول الطبقة الارستقراطية الانجليزية. ولم يكن ستابز البتة بحاجة لمزيجه الغريب المتطور من الكوميديا والكلاسيكية للقيام بالعمل المناط به. تكشفت عبقرية ستابز الفنية في مرحلة متأخرة من حياته. فهو من مواليد عام 1724 لكن أول روائعه الفنية لم تظهر حتى اوائل الستينيات من القرن الثاني عشر. احدى تلك الروائع لوحة «بهارج» وهي تعرض الآن في متحف «فيتزوليام» بكامبردج في اطار معرض صغير مكرس لأعماله يقام تحت عنوان «ستابز المبدع». ويضم المعرضان لوحات اخرى رسمت بتكليف من ماركيز روكينجهام. ومع ان ستابز لم يتوقف عن رسم الخيول طيلة حياته لكنه كان يستاء من تلقيبه بـ «رسام الخيول» لكن ماذا كان بالضبط يرسم غير الخيول؟ ماذا عن البشر؟ لم يكن ستابز مبغضاً للبشر، لكنه لم يكن أيضاً مفتوناً بهم. في عالم ستابز، ليس هناك أي خصوصية تميز الكائنات البشرية عن غيرها من الكائنات، بما في ذلك الخيول. وليس بمقدور المتلقي ان يحكم، من واقع اللوحات فقط، أي الفصائل يعشق الرسام اكثر من غيرها فهو يتعامل بمساواة مع الخيول والبشر والكلاب وغيرها من المخلوقات. اذن، قد يقودنا هذا للقول ان ستابز لم يكن مهتماً بموضوعاته قدر اهتمامه بالاشكال التي يستطيع ابداعها بواسطة تلك الموضوعات سواء أكانت حيوانية ام بشرية. ويبدو مدى اهتمامه بهذه الناحية جلياً في ثلاث لوحات خيول حذف منها مشهد الخلفية كلياً، وكل ما تبقى هو شكل على هيئة خيول تظهر صورها. الظلية على خلفية سطح أخضر خالٍ من التعبير. المعرض الحالي يحتفي باثنتين من هذه اللوحات الثلاث، ويركز بالاخص على لوحة «افراس ومهر بدون خلفية» والتي تعتبر مثالاً حياً على براعة وحذاقة ستابز في توظيف اسلوبه التركيبي المفضل. خمس افراس ومهرتان رضيعتان تقف مصطفة على خط واحد مع تركيز واضح على تناغم منحنيات اجسامها. لكن عناية ستابز الخاصة في صنع الاشكال لا تقل شأناً عن عنايته في ابراز حدود اشكال تلك المخلوقات، اذ لا نلحظ أي تداخل بصري بين الخيول باستثناء المهرتين الرضيعتين. والفواصل الضيقة التي يبقيها ستابز بين تعبر عن تأكيده على فكرة فصل حدودها الخارجية. ويعكس هذا التكنيك مظهراً من مظاهر الالتزام المحض بالمحافظة على الترتيب لكنه ترتيب يصون احترام شكل كل مخلوق على حدة. وفي لوحة «افراس ومهر عند النهر» الموجودة في معرض «تيت جالري» يعيد ستابز استخدام هذا الصف حاذفاً حصانين ومضيفاً منظراً طبيعياً في الخلفية وان كان هذا المنظر الطبيعي يبدو في ظاهره متمدناً إلى درجة كبيرة، فإن ستابز حرص على عدم تضمين اية علامات اخرى للحياة أو الهيمنة البشرية، اذ لا يوجد في خلفية اللوحة اية منازل أو اسيجة، وبذلك تصبح الخيول نفسها مصدر التمدن على هذه الأرض، والصف الذي تقف فيه هذه المخلوقات يعكس، في هذا السياق، حسها بالنظام. وهكذا نرى في هذه اللوحة صورة لمجتمع حيواني مثالي. أهو التشخيص؟ انه سؤال صعب عندما يتعلق الأمر بستابز، لأن الحيوانات التي تعامل معها كانت حيوانات تمت تربيتها وتدريبها على أيد البشر. واذا كان ذلك يكسبها بعض الصفات البشرية، فليس في أعمال ستابز انحراف عن حقيقتها. تقييم الأسلوب تقييم هذا الأسلوب يعتمد على تقييمنا لتدجين وترويض الحيوانات من قبل البشر. البعض قد يرى في ذلك تشويهاً مهيناً للطبيعة الحيوانية الحقيقية. في حين قد يعتبره البعض الآخر معروفاً عظيماً يسديه الانسان للحيوانات بالسماح لها بالمشاركة في النشاطات البشرية، وربما يكون هذا هو بالضبط موقف ستابز في الأمر. ففي لوحة «كلاب صيد في منظر طبيعي» رغم عدم هيمنة الحيوانات على المشهد كما في لوحات الخيول، اذ نرى الكلاب واقفة في نطاق ضيق اسفل اللوحة، لكنها وبحكم انتمائها إلى سيد بشري، وفن الطبقة الارستقراطية في أغلب الاحيان، فإنها تشاطره النفوذ بطبيعة الحال. لكن هناك أيضاً مظهر آخر يتبدى من تفاصيل المخلوقات في لوحات ستابز الذي يركز بشكل واضح للعيان على استقلال وفردية كل حيوان يرسمه. الأمر لا يتعلق بالصفات أو الشخصية. انه تأثير تصويري. فكل حيوان يقف مستقلاً في ذاته منفصلاً ومتميزاً ومتساوياً في محيطه. فهذه الحيوانات بغض النظر عن كبرها أو صغرها لا يتم اخضاعها قسراً لسياق محدد مسبقاً للوحة. وبتلك الطريقة تتخطى المخلوقات في عالم ستابز مسألة كونها مجرد متاع مملوك لشخص ما أو مثال بصري لنوع ما من الحيوانات. فكل منها يعبر عن نفسه وان تكرر أبناء جنسه في اللوحة نفسها. علي محمد