تتناقض صورة اثيوبيا الحقيقية تماما مع تلك التي يمكن ان يتخيلها المرء. انها بادئ ذي بدء بلاد خصبة خضراء تختلف كثيرا عن الاراضي الجافة المكسوة بعظام الحيوانات الميتة، التي غالبا ما نشاهدها عبر وسائل الاعلام وثانيا ان الصغار في تلك البلاد لا يطلبون طعاما او مالا، بل انهم يسعون وراء المدربين، انهم يريدون مدربين. ليس غريبا ان تكون الصورة المرسومة في مخيلاتنا عن اثيوبيا هي صورة الارض القاحلة التي مزقتها الحروب. فخلال السنة الماضية فقط، واجه عشرون مليونا من سكانها خطر المجاعة من جديد بسبب عدم سقوط الامطار المبكرة التي اعتادوا عليها. ان احدا لا يستطيع ان يمحو من ذاكرته صور الاطفال أشباه الهياكل العظمية بمعداتهم المنتفخة التي غطت شاشات محطات التلفزيون العالمية خلال مجاعة عام 1984. ومع هذا يمكن للمرء أن يشاهد الجانب النابض بالحياة والمشرق من اثيوبيا، انه الجانب الذي لن يدخر وسعا ليساعد نفسه على الرغم من كل حالات النشاز الموجودة، ومن المؤكد أيضا ان هذه الوجه الاكثر تبسما والاقل عبوساً لاثيوبيا الآن ليكون عنوانا بارزا لمحطات التلفزة، باستثناء واحد فقط هو شخص اسمه هالي سيلاسي. يحتل جبر سيلاسي اليوم مكانة كأفضل عداء عالمي للمسافات الطويلة، فقد سجل 15 رقما عالميا واستطاع خلال اولمبياد سيدني التي جرت في السنة الماضية ان يستعيد الميدالية الاولمبية الذهبية لسباق 1000 متر والتي كان قد حصل عليها للمرة الاولى عام 1996. جبر سيلاسي اخر الاسماء في قائمة طويلة من عدائين موهوبين انجبتهم اثيوبيا، لقد استيقظ العالم على هذه الظاهرة خلال اولمبياد روما عام 1960 عندما فاز الاثيوبي اديبي بيكيلا بسباق ماراثون الرجال وهو حافي القدمين. وفعلها مرة اخرى بعد اربع سنوات في طوكيو محطما الرقم القياسي ولكن بعد ان انتعل حذاء رياضيا هذه المرة. نالت هذه التركة الموروثة الدهشة في الاونة الاخيرة فرصة جديدة للحياة ولتتحدى تارة اخرى المفهوم السائد بوجود بلاد اقترن اسمها بالجفاف والحرب، فقد ألهمت الاسماء الاثيوبية الرنانة التي تتربع على قائمة التصنيف العالمي للعدائين وتزايد الاهتمام الاعلامي العالمي بها الاف الشباب ليهبوا كل ما لديهم من طاقات لعلهم يصبحون ابطال المستقبل في سباقات المسافات الطويلة والمتوسطة. ان عودة ثانية الى اولمبياد سيدني 2000 ستميط اللثام عن حقيقة افريقية رياضية. فقد فاز جبر سيلاسي بسباق الالف متر، وذهبت الميدالية الفضية الى بول تارجات، وهو افريقي اخر من كينيا، بينما فاز عداء جديد اسمه اسينا مزجيبو بالميدالية البرونزية، وهو افريقي اثيوبي يقول عنه جبر سيلاسي بأنه سيحتل يوما ما مكانته العالمية في هذا السباق، اما سباق الماراثون فقد فاز به اثيوبي ايضا هو جيزاهجن عبيرا الذي يبلغ من العمر 22 عاما. وينطبق القول ذاته على الرياضة النسوية هناك اذ فازت ديرارتو تولو حاملة الميدالية الذهبية لسباق 1000 متر في اولمبياد سيدني، بسباق ماراثون لندن للنساء هذا العام، وهي قد نشأت وترعرت ومعها فاطمة روبا، بطلة ماراثون اولمبياد 1996، داخل نفس المنطقة التي قدم منها جبر سيلاسي. ويعزى السبب الرئيسي وراء نجاح العدائين الاثيوبيين وبقية عدائي بلدان شرق افريقيا الى حقيقة انهم يعيشون ويتدربون عند ارتفاعات عالية. ان ولادة المرء في منطقة جبلية تعني ان جسمه قد عوض عن نقص الاوكسجين مسبقا من خلال امتلاكه لرئتين كبيرتين وخلايا دم حمراء اكثر وهو ما يتيح فرصا لكميات اكبر من الاكسجين لتحمل الخضاب داخل الدم. هذا النوع من الاجسام لا يساعد على نقل الاوكسجين الى الخلايا بكفاءة اكبر فحسب، بل ان الخلايا فيه تستفيد من الاكسجين على نحو افضل اذ يتم حرق السكريات بشكل اسرع لتحرير مزيد من الطاقة، وستكون النتيجة النهائية طبعا دورة دموية افضل وهذا هو السبب الذي يدفع بعدائي مناطق الهضاب الى التدريب في الجبال، غير انهم دوما ما يعانون من نتائج عكسية، بعد عودتهم الى مستوى سطح البحر ومنها التقيؤ والدوار. امضى جبر سيلاسي طفولته في مزرعة تقع في منطقة ارسي الجبلية التي لا تبعد كثيرا عن مدينة اسيلا، كان يركض يوميا حافي القدمين من والى المدرسة قاطعا 10 كم بالضبط (المسافة ما بين المزرعة والمدرسة) وهي المسافة التي هيمن عليها في السباقات العالمية. لقد منحه الركض في هواء الجبال العليل قدرة رياضية استثنائية واضفى عليه اسلوبا غريبا في الجري. انه يركض رافعا احدى ذراعيه اعلى من الثانية واقرب الى جسده من الاخرى، وكأنه مازال يمسك بكتبه المدرسية على ذراعيه يوم كان يركض ما بين المزرعة والمدرسة. أمست مدينة اسيلا القريبة من جبل يبلغ ارتفاعه 4100 متر والواقعة على ارض يبلغ ارتفاعها 2500 متر الارض المعطاء لمتسابقي المسافات الطويلة واصحاب الارقام القياسية في هذا الميدان يقول سيلاسي ان مثل هذا الموقع يمنح صاحبه نمطا خاصا في اسلوب الحياة ويضيف: «يملك اطفال اخرون العابا الكترونية واجهزة حاسوب، بينما يمتلك اباؤهم سيارتين أو ثلاث سيارات توصلهم الى المدرسة وتعود بهم الى البيت او تأخذهم الى دور العرض السينمائية أو بيوت اصدقائهم. اأا نحن فكنا نركض لاننا عشقنا الاحساس بالركض ولاننا ايضا لم نكن نملك خيارات اخرى». واليوم ايضا عاد الركض في الجبال بثماره على جبر سلاسي الذي يحصل سنويا على ما يقارب مليون دولار أمريكي ناهيك عن استثمارات له داخل بلاده. مالك فاضل

