استرعى سر الحوت الاحدب الموجود في البحار العربية اهتمام وسائل الاعلام والمؤسسات العلمية الدولية، حتى اصبح موضوعا متكرر التداول، ويرد اسم هذه الحيتان حاليا كواحدة من حيتان المنطقة النادرة الوجود وتشكل هذه الحيتان تجمعا يعيش في مياه بحر العرب قبالة سلطنة عمان، ويدرس هذا التجمع عدد من علماء الحيتان الحائرين حيالها منذ سنوات عديدة بسبب حقيقة مهمة الا وهي ان هذه الحيتان تشكل على مدار فصول السنة تجمعات مستوطنة غير مهاجرة. لقد اشارت جميع الدراسات الاخرى ان مجموعات الحيتان تهاجر سنويا بين مناطق الغذاء القطبية ومياه التكاثر الاستوائية غيران الحوت الاحدب العربي الموجود على طول مياه السواحل البعيدة قبالة سلطنة عمان لا يفضل الاختلاط مع «أبناء جنسه» في اي مكان آخر من العالم وبالتالي فانه يحتمل وجود نوع معزول وراثيا وفريد من نوعه. جاء الدليل الدامغ الاول المتعلق بهذا التجمع الفريد من تحليل معلومات تاريخية تتعلق بنشاط سوفييتي لصيد الحيتان جرى منتصف الستينيات، والآن يبرز دليل آخر جديد بفضل الابحاث المستمرة التي ستكشف عن القصة الكاملة لهذا السلوك غير الاعتيادي فقط باشرت مجموعة البحث في حيتان ودلافين عمان وهي مجموعة غير ربحية تتألف من الباحثين وعلماء البحر ومقرها مسقط، برنامجها الذي اسفر لحد الآن عن مجموعة من الاكتشافات المذهلة. بدأ العمل عندما تولى فريق من خمسة باحثين تحقيقاتهم الخاصة بتحديد عملية توزيع الحيتان الحدباء قبالة منطقة ظفار الواقعة جنوب عمان .. وقد غطت الدراسة المبرمجة خطا مستقيما تجاوز طوله 1000 كم من سطح البحر. وقبل شهرين من بدء البحث والدراسة وعندما بدأت عمليات طلب وفحص المعدات اللازمة في خليج عمان، تم رصد حوت احدب واحد يسبح بالقرب من شواطيء مسقط الصخرية كان الحوت يبحر امام أحد الباحثين الذي كان يختبر عدسات التصوير المقربة والتي التقطت صورة جميلة لاحد شقي ذيل الحوت. وللقاريء ان يتصور دهشة الباحث عندما ابحر الحوت مبتعدا وكان آخر حوت رآه قبل الآن مرة اخرى «داخل فيلمه التصويري» انه يبقى «الفرد» الوحيد الذي تمت مشاهدته ثانية تماما كما حددته الدراسة التصويرية الحديثة والتي تضم الآن صورا فوتوغرافية لخمسة عشر حوتا فقط. لكن الفيلم يبرهن ان هذا الحوت قد قطع مسافة 1000 كم من خليج عمان الى بحر العرب خلال اشهر الشتاء. برغم هذه البداية المثيرة، هيمنت البحار المضطربة تارة اخرى على المشهد التصويري خلال الايام القليلة التالية. من هنا بدأ الباحثون في استخدام تقنيات بديلة بعد ان تراجعت كفاءة التصوير من خلال نشر مسماع مائي صمم خصيصا لهذه المهمة مربوط بجهاز تسجيل رقمي. وكشفت هذه التقنية وجود حيتان بحرية مشغولة في عالمها الصوتي تحت المائي. وكان اهم ماالتقطه المسماع «اغنية الحوت الاحدب العربي» والتي يبدو انها ذات لحن خاص بها. وقد عرف عن الحيتان الحدباء اقامتها المستمرة لحفلات سهر غنائية موسمية. والتي يعتقد انها ترتبط بموسم التكاثر، او بعبارة اخرى ان الغناء يمثل وسيلة تقرب وتودد للانثى او رسالة يبعث بها الذكر الى ذكر آخر ليتخذ له مكانا في السلم الهرمي للسيطرة داخل السرب. ففي بعض مناطق العالم، تمت دراسة الاغاني لتحديد ملامح كل تجمع لكن الدراسات اثبتت ان الحيتان قادرة على تعلم وتبني اغان من تجمعات اخرى. تشمل الاغاني المسجلة في مياه ظفار البعيدة الصفات المألوفة عن الحيتان لكنها قد تتضمن عناصر جديدة بالكامل والتي تجعل من هذه الاغاني مميزة تماما عن غيرها التي تم تسجيلها في السابق. ان الطبيعة المتميزة لاغاني الحوت الاحدب الموجود في ظفار ليست الا دليلا آخر على تجمع معزول يعرض سمات تشكيلية وبيئية وسلوكية ليست موجودة عند بقية الحيتان الاخرى من نفس الجنس. فهل تشكل حيتان عمان الحدباء جزءا من عالم صوتي معزول؟ نادرا ما يتم رصد الحيتان الحدباء وهل تتناسل وقد قصدت الغذاء لتتناوله، اذ يعرف عن جميع التجمعات في العالم هجرتها الموسمية من المياه الدافئة الى المياه الباردة الغنية بما تحتاج اليه من فرائس. ومن هنا فإن مشاهدة حيتان تتغذى جنبا الى جنب مع حيتان ظفار المغنية كان حدثا مثيرا بحد ذاته. وغير هذا قد تشير آليات تناول الطعام التي تمت مشاهدتها صفة سلوكية فريدة تطورت ونمت مرة اخرى في عزلة عن تجمعات اخرى للحوت الاحدب، اننا بحاجة الى معرفة المزيد عن هذه الحيتان قبل ان نقول اننا نفهم تماما علاقتها مع بقية تجمعات الحوت الاحدب في مناطق اخرى من العالم. كان احد اهم اهداف الدراسة هو الحصول على عينات جلدية للحوت الاحدب العماني لاستخدامها في التحليلات الجينية. انها عملية يمكن انجازها من خلال استخدام تقنيات استئصال نسيج من الجسد الحي ودراسته مجهريا والتي تعني اطلاق سهم على الحيوان ليصيب بطريقة غير مؤذية سطح الجلد ويرتد عنه الى سطح الماء. وبسبب الصعوبات في جلب مثل هذه المعدات الى عمان، فقد تم التخلي عن استخدام هذه التقنية. وبدلا عن ذلك تم الحصول على الجلد بطريقة سلبية، اي ان الحيتان تطرح بطبيعتها بعضا من جلدها في المياه الدافئة. وسيتم تحليل هذه الجلود لمعرفة تركيبتها الجينية التي قد تكشف النقاب عن اسباب سلوكيات حوت عمان الاحدب وعلاقته بالتجمعات الحوتية الاخرى. مالك فاضل

