بيان الكتب: الروائي التشيكي ـ الفرنسي ميلان كونديرا كتب روايات عديدة، وذاعت شهرته مؤخّراً في الأوساط الثقافية العربية بعد أن قامت كبريات دور النشر بترجمة كتبه إلى العربية، فقرأنا له كتاب «الضحك والنسيان» الذي ضمّنه فلسفته الحياتية ورواياته: «كائن لا تحتمل خفّته» و«الحياة في مكان آخر» و«فالس الوداع» وغيرها. وهاهي دار «ورد» تترجم له رواية «الجهل» بعيد ترجمتها لـ «الهوية»، وكأن كونديرا الذي كان مغموراً قبل سنوات بالنسبة لثقافتنا أصبح الآن سوقاً رائجة لدور النشر، سيما وأن كثيراً من الدعاية رافقت انتشار اسمه بعد ترشيحه لجائزة نوبل. رواية «الجهل» يمكن وصفها بالرواية السيكولوجية التي تغوص في أعماق الشخصية الروائية، لتبرز من خلال عملية الغوص هذه سائر الرغبات التي كانت الشخصية تحتفظ بها.. إنها نوع من إطلاق المكبوت الغريزي والإنساني، بأسلوب سرديّ يتميّز بتقنية عالية جداً، وباستفادة واضحة من ثقافة الأمس واليوم، فهو على سبيل المثال لن يتورّع عن قطع خيط السرد والتوغل في استطرادات فلسفية، ومقتبسات من كتب أخرى.. يضمّنها نصّه لتبيان حالة مفارقة أو تشابه، وهذه بدورها تحتاج إلى قارئ نوعيّ كي يتمكّن من الدخول في الحالة وإعادة إنتاجها. في هذه الرواية يسعى كونديرا لإدانة نظام مستبدّ خيّم على بلاده، ألا وهي مرحلة الاحتلال الروسي لتشيكوسلوفاكيا في عام 1968، تحت ذريعة القضاء على مناوئي الاشتراكية، وسيعتبر كونديرا الفترة الزمكانية هذه مرحلة احتلال وديكتاتورية وإرهاب، وهو إلى ذلك لن يجري مقايسات بين نموذج الاشتراكية ونموذج الرأسمالية، وإنما سيحاول إدانة النظام من خلال شخصياته التي هاجرت إلى الغرب بحثاً عن الحرية، وبذلك فإن موضوعة الحرية ستكون المقابل الموضوعي لزمن الظلامية والفوضى والإرهاب، وذلك ما سيدفعنا إلى القول ان الكاتب منحاز سلفاً، ولكن من منا لن يكون منحازاً للحرية؟ هنا بالضبط تكمن اللعبة الإيهامية التي أراد كونديرا ممارستها، هو أن يكسب لصفّه منذ البداية، بل إنه لم يترك له أي خيار آخر، لأن الكتابة عن شخصيات واقعية بأسلوب سيَري، غالباً ما تأخذ طابعاً إخبارياً تدفع إلى تقصّي الأخبار والمصائر، وما بين فواصل الحدث المُخبَر عنه ستبدأ لعبة الروائي في لملمة الخيوط عبر التناص، ومن خلال إجراء مقارنات بين شخصيات يستحضرها من التاريخ البعيد أو القريب، وبين شخصياته، ثمّ يترك هامشاً واسعاً لقارئه كي يجري عمليات المقايسة والاستنتاج. الشخصيات في هذه الرواية محدودة جداً، والأحداث تبدأ منذ لحظة انهيار معسكر الشيوعية 1989، وانهيار النظام الأمني الذي كان يخوّن كلّ هارب أو خارج عن رأي الجماعة، وقد كتب كثير من الأدباء عن هذه المشكلة وعن الزمن السوفييتي الذي آثر الحرية الجماعية على الحرية الفردية، وآثر مساندة الشعوب في التحرر من مستعبديها بمساندة جبهات التحرير في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، ولكن كلّ ذلك لم يشفع له لأنه غيّب الحرية الفردية، وغيّب الحوار، فجاءت الكتابات المذكورة لتعكس نواتج هذا الاستبداد على صعيد الفرد، الفرد الذي أقصي لمدة عشرين عاماً أو ربّما أكثر عن وطنه، أهله، أصدقائه، وذكرياته، وتلك هي السمة الرئيسية لرواية الجهل. فها هي«إرنا» تعاني من أزمة خطيرة بعيد خلاص بلدها من الشيوعية، فهي منذ وطئت قدماها التراب الفرنسي اعتبرت نفسها فرنسية، وعاملتها فرنسا كلاجئة تستحق الشفقة، ومع مرور الزمن سيكبر أولادها، ولن يشعروا لحظة واحدة أنهم ينتمون إلى بلد آخر سوى فرنسا، ولكن الرياح تجري بما لا تشتهي سفن «إرنا» وستضطر للذهاب لأن «جوستاف» عشيقها السويدي ذهب إلى هناك ليؤسس فرعاً تجارياً لشركته، فتسارع للحاق به، الأمر الذي يزيد حياتها تأزّماً، فهي خلال العشرين سنة من عمرها التي أمضتها في باريس لم تعايش أحداً من التشيك، ولم ترتبط بصداقات مع الجماعات المهاجرة هناك، المر الذي أنساها الكثير من الذكريات، وبالإضافة إلى ذلك فإنها لا تهوى العودة إلى أمّها التي مارست عليها نوعاً من أنواع الوصاية الأمومية التي يمكن تفسيرها على أنها اضطهاد. »غوستاف»الذي تعرّفت إليه »إرنا» من خلال زوجها، ثمّ بات صديقها بعد وفاته قدّمته لنا الرواية على انه رجل طيّب يستميل النساء بطيبته هذه، وغير قادر على العيش دون حضن أموميّ، ولذلك فإنه بمجرّد أن يتعرّف على أمّها حتّى يتعلّق بها، ولن يقيم علاقة فراش مع إرنا بعد اليوم، لتتفاقم أزمة «إرنا» جسدياً، ثمّ تتفاقم ثقافياً، فهاهي «براغ» الفرانكوفونية سابقاً تدخل زمن العولمة مع بضعة من المفردات الإنجليزية تدخل حيّز التعامل اليومي، وستخلق اللغة الجديدة فجوة إضافية بينها وبين غوستاف الذي لم يكن تعلّم الفرنسية جيداً، ومنذ لحظة وصوله «براغ» سيستبدلها بالإنجليزية. »براغ» إذن ستودع اللغة الروسية والفرنسية وستستقبل لغة العولمة الجديدة والشركات والزبائن، لتتحوّل لغتها إلى همس بلا هوية، زخرفة رنّانة لا يبرز فيها على شكل كلمات إنسانية إلاّ الأصوات الأنجلوسكسونية. ومن هنا فإن غوستاف الذي أصغى لإرنا طويلاً في باريس، سيتسيّد اللعبة الجديدة هنا عبر اللغة، وستضطر للإصغاء إليه، معتبرة ذلك هزيمة ساحقة لها ولثقافتها، وبالتالي فإن عودتها الكبرى إلى بلدها لم تكن نصراً كما تخيّل الجميع، وإنما هزيمة كبرى.. لقد عادت إلى وطنها لتصبح أجنبية. صديقات »إرنا» اللاتي استقبلنها في حفل صاخب كنّ يبحثن عن »إرنا» التي افتقدنها قبل عشرين عاماً، ولذلك فإنهنّ كنّ يحدثنها عن أشياء نستها كلّياً، وقد تجاهلن عن عمد حياتها في الخارج.. إنهن يردن «إرنا» الماضي، وليس «إرنا» الحاضر وذلك يزيد من الضغط النفسي عليها، ولكنها ماذا تفعل وقد اتّفق الكلّ ضدها.. اتّفقت أمها وجوستاف ضدها، فتنفتح في داخلها جروح لم تندمل، فتتذكّر أنها طوال عمرها كانت مضطهدة، ولم تتمكّن في أيّ يوم من سنواتها الأربعين أن تتخذ قراراً بنفسها فقد كانت مقهورة على الدوام سواء من قبل أمّها أو أزواجها، وهاهي «براغ» الآن تفاجئها بالمزيد. جوزيف طبيب بيطري هاجر إلى الدانمارك وأقام عشرين عاماً، تزوّج ثمّ ماتت زوجته، ولكنه ظلّ وفياً لها، بل إنه قرر ألاّ يدعها تدخل دائرة النسيان كما حدث له مع وطنه وأهله وناسه، فاختار أن ينبذ فكرة الوطن والحنين والذكريات، ويواظب على معايشة الميتة وكأنها لم تغب عنه، فهاهو كلّ يوم يعيد تفاصيل الحياة التي كان يعيشها معها عندما كانت حيّة: ساعة جديدة بدأت تنظم له الوقت، هي المحبّة للنظافة كانت تغضب منه بسبب الفوضى التي يخلّفها وراءه في كلّ مكان. منذ تلك اللحظة صار ينظّم كلّ شيء بعناية، لأنه يحبّ منزله الآن أكثر من قبل: السياج الخشبي وبابه الصغير؛ الحديقة، شجرة التنوب أمام بيت القرميد الأحمر الداكن؛ الكرسيان الكبيران أحدهما مقابل الآخر حيث كانا يجلسان عند العودة من العمل كان يعود ليزور الأماكن التي أحبّاها: المطعم على شاطئ البحر في المدينة الصغيرة المجاورةة كانت تحبّ أن يكون أنيق الثياب، وأن تهتمّ بلباسه.. وهكذا فإنه عندما قرر زيارة وطنه لم يكن ينوي المكوث فيه، وإنما مجرّد زيارة للأهل الأموات منهم والأحياء، ومشاعره تجاه الجميع كانت حيادية تماماً لأن الغربة أنسته كلّ شيء تقريباً. وهكذا فإنه عندما التقى «إرنا» في المطار فإنه لم يتذكرها إطلاقاً، بل إنه لم يتذكّر اسمها، ولكنه خجل من التصريح بذلك، ولكن «إرنا» التي احتفظت عشرين عاما بصحن السجائر الذي أهداه لها ذات ليلة، ستعيش لحظات عاطفية جديدة: حبّ قديم ومض ذات يوم ولكنه لم يكتمل، وهاهي الآن تريد إيقاظه.. تريد الخروج من دائرة الاستلاب والاضطهاد التي يفرضها عليها الجميع، فاختارت جوزيف بكلّ رغبة وتصميم، وسعت بكلّ ما وسعها من جهد لكي تعيد ذلك الأمل، وهاهي الآن تستعد للقائه كأيّة مراهقة في لقائها الأوّل مع الحبيب. «جوزيف» لم يكن مناضلاً ضدّ الشيوعية، بل إنه كان أقرب إلى التفاهة، تزوّج في «براغ» ثمّ ترك زوجته وسافر، غرر بـ «ميلادا» وجعلها تحبّه ثمّ ما لبث أن أرغمها على هجرانه، وهاهو الآن بعيد قراءته ليومياته التي كان يكتبها قبل عشرين عاماً لن يتذكرها إطلاقاً، وهي التي حاولت الانتحار من أجله، ثمّ دفعت ضريبة هذا السلوك غالياً، سيجلس وحيداً في الفندق، ليحرق كلّ ما يربطه بذلك الماضي بما في ذلك يومياته ورسومه وصوره مع الأسرة، لأنه يعيش للحظة أخرى، يعيش من أجل زوجته الميتة، يحرس قبرها، يحميها.. ولكنه على الرغم من ذلك كان يتوقّع أن تتصل به «إرنا» أن يقدم على مغامرة عابرة قبل أن يسافر، في الوقت الذي كانت فيه «إرنا» تهيئ نفسها كعروس في ليلة عرسها ستزفّ بعد قليل إلى حبيب يستوطن الذاكرة البعيدة، ولم تكن تدري أن هذا الحبيب فقد الذاكرة، ولا يعرف اسمها، وسيعاملها كمومس رخيصة، فيتركها نائمة فوق السرير عارية، ثمّ يغادر دون رجعة. أما «جوستاف» وأم «إرنا» فإنهما يعيشان لحظة مماثلة، ولن يكترثا بالجانب الأخلاقي لعلاقة جوستاف و«إرنا».. إنه زمان جديد على كلّ حال. الآن وبعد استعراض حالات العودة المختلفة هذه من خلال شخصيات الرواية، يبرز سؤال مهمّ عن وجه التشابه بين «عودة» هؤلاء المهاجرين وعودة «عوليس» في الأوديسة، وهو سؤال ضروريّ، فالكلّ يحن إلى الحاضنة الأمومية، والبعض مثل «عوليس» جاهد في البحر عشرين عاماً كي يعود إلى إيثاكا، فما هي نتائج هذا الشوق على الصعيد الشخصي للبطل؟ إن عوليس وإرنا وجوزيف، الذين انفصلوا عن الأوطان لفترة زمنية طويلة، ولم يعايشوا خلالها أحداً من أبناء أوطانهم في المهجر، فإنهم سوف ينسون الكثير من الذكريات هناك، سوف يصابون بفقدان الذاكرة. حيث كلّما اشتدّ الحنين كلّما فرغوا أكثر من ذكرياتهم: «كلّما كان عوليس يزداد نحولاً كلّما ازداد نسيانه، لأن الحنين لا ينشّط الذاكرة، لا يبعث الذكريات، يكتفي بذاته، بعاطفته، يمتصّه..» أما بالنسبة لأهاليهم وأصدقائهم فإنهم سيذكّرونهم على الدوام بمرحلة ما قبل الهجرة، لن يكترثوا بالعشرين عاماً التي أمضاها أحباؤهم خارجاً، ولا كيف عاشوا وعانوا، إن ذلك لن يهمّهم إطلاقاً، لأنهم يظنون أن ما من شيء يهمّ المهاجر أكثر من مدينته.. ولكن من كلّ ذلك الجحيم من الأسئلة لن يخرج سؤال واحد عن ذات المهاجر عن جحيمه الذي أمضاه هناك.. إنه الجهل. عزت عمر