بيان الكتب: تتناول هذه الدراسة السياسية التاريخية الاقتصادية مرحلة مهمة من مراحل تكون حركات التحرر العربية، في السنوات قبل الاخيرة من عمر الدولة العثمانية، وهذه الحقبة الواقعة بين زوال الحكم الاستبدادي للسلطان عبدالحميد وبطانته (1908) ، واندلاع الحرب العالمية الاولى (1914)، وهي مرحلة مهمة من مراحل نمو الوعي الوطني والقومي العربي وتبلوره، وبخاصة في بلدان الشرق العربي المتقدمة. حتى منتصف القرن التاسع عشر كانت الايديولوجية الصوفية هي السائدة في المشرق العربي. وبفضل جملة عوامل داخلية وخارجية، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، الى جانب الايديولوجية الصوفية، ظهرت ايديولوجية عصر النهضة او التنوير ذات الابعاد البورجوازية. وهذه الايديولوجية النهضوية تشعبت الى فرعين رئيسيين: 1ـ تيار التجديد الاسلامي. 2ـ التيار العلماني الليبرالي. ومع ظهور افكار التنوير في الدولة العثمانية، شددت الرهبة الممثلة بالسلطان عبدالحميد من هجماتها لمقاومة التقدم والانعتاق. وقد تم في مجرى التطور التاريخي وفي خضم احتدام التناقضات بين الحاكمين المستغلين والمحكومين المستغلين، استخدام الدين في كلا طرفي الصراع الاجتماعي لحشد الجماهير المؤمنة، اما من اجل الثورة ضد الاستغلال والاضطهاد وفي سبيل التقدم، او في سبيل تحرير الجماهير وتحويلها الى كتل تنتج الخيرات لمصلحة الفئات الحاكمة. في عام 1908 قامت جمعية الاتحاد والترقي او «تركيا الفتاة» ضد السلطان عبد الحميد، الذي حكم الدولة العثمانية بالحديد والنار والتجسس والارهاب وخنق انفاس الناس، اضافة الى الترغيب والترهيب وبذل الاموال الطائلة من اجل كسب الدعاة والانصار لدولته «العلية» الاقطاعية ونصف المستعمرة للدول الامبريالية الاوروبية. ومن الصعب الحكم بالايجاب او السلب على حركة الاتحاد والترقي عام 1908 والتي اطاحت بحكم عبدالحميد. فهذه الحركة كانت «ثورة» لم تستطع تحقيق الاهداف التي وضعتها. وعلى الرغم من تأثر حزب الاتحاد والترقي بالفكر بالبرجوازي، الا أنه ظل خاضعا عن وعي او لاوعي للايديولوجية الاقطاعية ومفاهيم الفكر الكومبرادوري والماسونية. ومع هذا فان «ثورة» 1908 كانت خطوة الى الامام، فتحت الطريق لتحرر الشعوب المضطهدة الخاضعة لنير الحكم العثماني ولهذا استقبلت القوى الوطنية في الولايات العربية بحرارة انباء الثورة على عبد الحميد واعلان الدستور، ولكن ظهور السياسة الطورانية الشوفينية لجمعية الاتحاد والترقي وموجات الاضطهاد ضد القوميات غير التركية، ادت الى تراجع شعبية حزب الاتحاد والترقي. هذا ما تابعه بدقة الباحث ليف كوتلوف، وهو يرصد فشل سياسة تركيا الفتاة في الجزيرة العربية ويلقي الضوء على انتفاضة عسير ضد الاتراك، ويتقصى اخبار المقاومة اليمنية للحكم الاجنبي ويولي اهتماما خاصا لظروف المقاومة في طرابلس الغرب وبرقة للاحتلال الايطالي، كما يدخل في تفاصيل واسرار قيام الجمعيات والاحزاب العربية في كل من بلاد الشام والعراق. تناول الباحث كوتلوف في الفصل الاول الحركات الجماهيرية في الولايات السورية والعراقية، وتطرق الى ان الولايات العراقية والسورية على وجه الخصوص كانت تدخل عشية «ثورة تركيا الفتاة» في عداد المناطق الامبراطورية الاكثر هدوءا. وكان الحدث الاكبر هو انتفاضة الدروز عام 1909 ـ 1910، اذ تجلى فيها السخط المتعاظم من سياسة حكومة تركيا الفتاة لا سيما في منطقة الجبل، ورأى الاتراك في ذلك ذريعة ملائمة لادخال القوات التركية الى الجبل واعلان الاحكام العرفية فيه. وقام الاتراك بحملة كبيرة الى الجبل وتم تجريد السكان من اسلحتهم ونفي بعضهم الى مناطق نائية. في عام 1908 اندلعت نيران انتفاضة البدو في مناطق الجزيرة. وفي الوقت ذاته بدأت انتفاضات العشائر الكردية، واستطاعت انتفاضة العشائر القاطنة في المنطقة مابين بغداد والبصرة، بقطع المواصلات النهرية في دجلة. وقد قمعت انتفاضات العشائر بقوة ووحشية، لتعود بعدها الانتفاضات من جديد وبزخم جديد اجتاحت الانتفاضات 1912 منطقة الديوانية واتخذت طابعا خطيرا. واستمرت لعام 1913 الى حين القضاء عليها. وبالنسبة الى الدولة السعودية، فقد كانت تمثل قوة التهديد الاكبر لمصالح تركيا في شبه الجزيرة العربية. وحتى قيام تركيا الفتاة، فقد احرز امير نجد الشاب عبدالعزيز بن سعود نجاحات جدية في الكفاح من اجل الاستقلال. وبعد الهزيمة الماحقة لآل رشيد في عام 1906، قضى على الخطر الحقيقي من جانب خصمه الاساسي، اما القوات التركية التي كانت تقدم الدعم الى امارة شمر فقد تم اخراجها من شبه جزيرة العرب. وامتدت الدولة السعودية لتشمل الجزء الاكبر من شبه الجزيرة العربية، وباتت الاضخم والاقوى من بين كل امارات المنطقة، اذ امتدت اراضيها من الحجاز حتى الاحساء، ومن نجران حتى سفوح جبل شمر. اضطرت تركيا الى التخلي عن مخططاتها المعادية للسعوديين، واصبحت تبحث عن حل، فأخذت المباحثات التركية السعودية مأخذ الجد وتمخضت عن اتفاقية كانت هزيمة بالنسبة للاتراك، ونصت الاتفاقية على خسران تركيا للاحساء واعترافها باستقلال الدولة السعودية، وفي وقت لاحق 1916 اصيبت تركيا بهزيمة ماحقة في الحجاز التي صارت قاعدة لانتفاضة واسعة ضد الاتراك، وتحولت في نهاية المطاف الى حركة للتحرر الوطني العربية داخل الامبراطورية العثمانية. كان الوضع في اليمن في اواسط 1908 وبعد عدة سنوات من المعارك الرهيبة هادئا نسبيا، وهنا لم يقدر الاتراك استعادة سلطتهم في اليمن، واضطروا الى التهادن مع واقع ان القائد الاكثر تأثيرا ونفوذا في الحركة المناهضة لهم هو زعيم الزيديين الامام يحيى حميد الدين، الذي بسط نفوذه حتى في الاقاليم التي ترابط فيها الحاميات التركية. استخدمت تركيا سياسة القوة السافرة والطرائق العسكرية في الادارة وفرض الرأى، فبدأت الاعتقالات وملاحقة الشخصيات التي تؤيد العلاقات مع الامام يحيى. رفع الامام من جديد راية «الحرب المقدسة»، فهبت القبائل بكل طيبة للنضال ضد الاتراك، واستطاعوا طرد الفصائل التركية من النقاط الاساسية في مناطق شمال ووسط الجبل. سارعت تركيا لتحطيم الانتفاضة وانتهت محاولاتها باجراءات صارمة وبسلسلة من الاخفاقات المشينة. تتميز هذه الدراسة الشاملة للولايات العربية الخاضعة للحكم العثماني، باعتمادها على المنهجية في علم التاريخ. وهذه المنهجية تميزت بوقوفها الى جانب حركات التحرر الوطني، وأولت الاهتمام الممكن للاوضاع الاقتصادية الاجتماعية، واماطت اللثام عن الاهداف الاستعمارية لاستغلال البلدان المختلفة. ويعتبر هذا الكتاب مسحا تاريخيا أمينا لاحوال المجتمعات العربية في السنوات التي اعقبت زوال استبداد السلطان عبدالحميد ومجيء حزب الاتحاد والترقي، ويقول الدكتور عبدالله حنا في تقديمه له: «فاعادة قراءة التاريخ واستعادة الماضي لاعادة انتاجه وفق المتطلبات الجديدة، امر لابد منه للصعود مرة اخرى. فبناء مجتمعات عربية تسودها العقلانية والديمقراطية والعمل لخير المجتمع بكافة فئاته، امور لابد منها لمواكبة العصر ومتطلباته ولابد في الوقت نفسه من وضع أسس مجتمع يطرح جانبا مشاعر الولاءات العشائرية والطائفية ليحل محلها مباديء الولاء للوطن والأمة». عقبة زيدان