بيان الكتب: تدين جميع الجهود اللغوية الحديثة الى مؤسسها الرائد فردينان دوسوسير، الذي أوجد ثورة، او ما يشبه الانقلاب في الدراسات اللغوية، بل أحدث تحولا جذرياً، وفاصلاً بين عهدين في الدرس اللغوي، حيث يعد كتابه، «محاضرات في علم اللغة العام» الذي انصب على دراسة اللغات الهندية الاوروبية، المرجع الوحيد الذي يضم فكره، والذي نشر عام 1916م اي بعد وفاة دوسوسير بثلاث سنوات، وقد حرره تلامذته ومريدوه في جامعة جنيف. وكانت النظرية المهمة التي احتواها الكتاب هي دراسة اللغة بوصفها الموضوع الرئيسي لعلم اللغة، اما قاعدة تصنيف الظواهر اللغوية والفهم الصحيح لترتيباتها الطبيعية فتمثل في الواقع نقطة الانطلاق الاولى في بلورة الموضوع الملائم الذي تصوره دوسوسير لعلم اللغة، كالتفرقة مثلا بين اللغة وأفعال الكلام كما سنتبين، وقد كان دوسوسير يدرك ان الظواهر اللغوية ظواهر متغايرة الخواص ولا تخضع للتصنيف، حيث انها متعددة الوجوه وتفتقر الى التجانس، ولا يمكن التنبؤ بسلوكها، وقد نص على أنه كي يصبح علم اللغة علما حقيقياً فإن عليه عدم دراسة حقائق التاريخ او الاجتماع او النفس التي تقف خلف اللغة او تعبر اللغة الانسانية عنها، وانما دراسة اللغة بحد ذاتها ولذاتها. ويأتي كتاب جوناثان كللر عن دوسوسير بعد ستين عاما من ظهور النص الاصلي للمحاضرات، عرضا للأطروحات الفكرية الاساسية التي اثارها دوسوسير حول علم اللغة الحديث وعلم العلامات، مضاهياً الأفكار الواردة في هذه المحاضرات بكراسات بعض طلاب دوسوسير، باحثاً ومحققا للصيغة الاوضح فيها، ليصل الى جوهر الملخص الفكري الذي قدمه دوسوسير لعلم اللغة والعلوم الانسانية الحديثة على حد سواء، ومن منظور جديد. وقد كانت النقلة المهمة في بحث دوسوسير هي التفريق بين اللغة وأفعال الكلام «الأصوات»، فاللغة عنده مجموعة القواعد والأعراف التصورية المشتركة التي تتيح لمتحدثي احدى اللغات الحية التفاهم فيما بينهم، في حين ان الأفعال الكلامية هي التجليات او الشواهد الفعلية المتحققة لتلك القواعد التصورية المشتركة في الكلام والكتابة. وللتفريق بين اللغة وأفعال الكلام قدم دوسوسير عدداً من المعايير اولها هو التمييز بين القاعدة والسلوك، وثانيها هو التمييز بين اللاوظيفي والوظيفي في السلوك اللغوي. يبين كللر في كتابه اهمية فكر دوسوسير باعتباره توجهاً علمياً منهجياً انصب مباشرة على الاجابة عن سؤال اساسي وهو: ما اللغة؟ وأصبح الاساس في توضيح بعض الامور التي كانت مغلقة او معماة. وفي اجابته وجه الانتباه الى المباديء الأساسية التي تعد اللغة نسقاً من العلامات، وأن أية ضوضاء لا تعد بحد ذاتها لغة الا حين تستخدم للتعبير عن الأفكار او لايصالها. ولايصال الافكار يجب ان تكون هذه الضوضاء جزءاً من نسق الاعراف، اي جزءاً من نسق العلامات. والعلامة ما هي الا اتحاد بين شكل بالذات، يسميه دوسوسير دالاً، وفكرة محددة بالذات، يسميها مدلولاً، وانه اذا كنا نستطيع التحدث عن الدال والمدلول كما لو كانا كينونتين مستقلتين،، فإنهما لا توجدان في الحقيقة الا بوصفهما العنصرين المكونين للعلامة. فالعلامة هي اذا الحقيقة المحورية في اللغة، فما طبيعتها؟ يتحدث دوسوسير هنا عن عدم وجود اي ارتباط حتمي او طبيعي بين الدال والمدلول، وهذا ما دعاه بالطبيعة العشوائية للعلامة اللغوية. اي ان التوافق المتفق عليه بين الدال والمدلول ما هو الا توافق عشوائي، وانه ليس هناك احد بمقدوره تفنيد مبدأ الطبيعة العشوائية للعلامة. وربما وجدت بعض الاستثناءات بطبيعة الحال، كحالات تسمية بعض الأشياء والأفعال بحكايات اصواتها، «وهذا ما نلمسه كظاهرة واضحة في اللغة العربية» لكنها تبقى في رأيه حالات قليلة جدا، ولا تنفي القاعدة. على ان العلامات تتحرك داخل اللغة، او يتم شحنها بطرق مختلفة، مما يدفع للتأكيد هنا على الطبيعة المعقدة للعلاقة القائمة ما بين الدال والمدلول. انها ليست علاقة اسم بمسمى فحسب، بل هي علاقة ينتابها كثير من التحول والتطور الدلالي بين عصر واخر.. بمعنى ان المفهوم الذي التصق بالدال يغير حدوده باستمرار، فالمفاهيم في هذا المعنى ليست سابقة الوجود، وانما هي مفاهيم متغيرة وطارئة، بل تتباين تبعاً للوضع التاريخي للغة. وكل لغة لها اسلوبها المميز، وكذلك العشوائي، الذي تنهجه لتبويب العالم وتأسيسه في مفاهيم او في مقولات. ويمضي كللر في شرح درس دوسوسير لثنائية اللغة والكلام، وفصله بينهما كنتيجة منطقية وضرورية للطبيعة العشوائية للعلامة، ولمشكلة الهوية في علم اللغة، فهذا بدوره سيدفع دوسوسير للحديث عن المنظورين التزامني والتعاقبي للغة، والتمييز بينهما، اذ ان الدراسة التزامنية للغة تعني دراسة النسق اللغوي في وضع مستقل عن الزمن، اما الدراسة التعاقبية فهي دراسة تطور اللغة التاريخي داخل الزمن، وثمة اسبقية للوصف التزامني، وعلى دارس اللغة في رأيه عدم الاهتمام بالقيم المادية المتفردة للوحدات اللغوية ذاتها، او بالعلاقات القائمة بينها وبين المراحل التاريخية السابقة الخاصة بها، وانما بالعلاقات الوظيفية القائمة بينها داخل النسق في فترة زمنية محددة، بصرف النظر عن هويتها المادية المتحققة، او تحولاتها التاريخية السابقة، وبذلك ينفي دوسوسير صفة الوضعية والتاريخية عن علم اللغة، الذي يلحقه بعلم جديد النشأة هو علم العلامات. ومن خلال معالجة الطبيعة العشوائية للغة يصل دوسوسير الى ان اللغة شكل وليست جوهراً، انها نسق من أنساق القيم المترابطة تبادلياً. ولتحليل اللغة علينا تصوير نسق القيم الذي يؤلف احدى حالاتها، ولذلك فعلى المقابل من العناصر الصوتية والعناصر الدالة من أفعال الكلام تؤلف اللغة نسقاً من أنساق التقابلات والاختلافات. اما بالنسبة للغة بوصفها حقيقة اجتماعية فان عالم اللغة لا يهتم بدراسة هذا الكم الهائل من المتتاليات الصوتية التي يستخدمها أعضاء مجتمع من المجتمعات في الاتصال، وانما يهتم بدراسة الاعراف او الأحكام الاجتماعية التي تسمح باستخدامها على هذا النحو او ذاك، وذلك من خلال تحديد الوحدات التراصفية او القواعد العامة للنسق الذي يسمح بتحقيق الاتصال اللغوي بين اعضاء مجتمع ما. ثم يخرج كللر الى دراسة مكانة دوسوسير وتقييم فكره اللغوي، وعلاقته بأسلافه من علماء اللغة، وعلاقات نظريات اللغة عنده بتيارات الفكر الرئيسية خارج هذا العلم، كعلم النفس الحديث ومؤسسة فرويد، وعلم الاجتماع الحديث ومؤسسة دور كايم، واخيرا التأثير الذي مارسه دوسوسير في علم اللغة الحديث وجماعة اللغويين والنحاة الجدد الذين جاؤوا بعده. لقد أثبت دوسوسير ان اللغة نسق من العلاقات، ومادامت كذلك فان عناصرها لا تتحدد الا في ضوء العلاقات القائمة بين بعضها بعضا داخل النسق. وقد توصل الى هذا الاستنتاج بتأملاته في طبيعة الهوية في علم اللغة، وفي خواص العلامة اللغوية، وتنحصر المهمة الرئيسية للمحلل اللغوي كما يرى في اكتشاف طبيعة تلك التقابلات او الاختلافات في النسق. هذا الاستنتاج والتوجيه مارس تأثيراً جديرا بالاعتبار في علم اللغة، بل ان تأثيره امتد على نحو فاعل في العلوم الاخرى ايضا، والواقع فان المظهر الثوري الحاسم في علم اللغة الحديث هو التأكيد على اسبقية العلاقات وأنساقها، وفي تلك النقطة بالذات تمثل نظرية اللغة عند دوسوسير احد التعبيرات البليغة المتميزة للاستراتيجيات الشكلية التي غيرت في ضوئها العلوم ذاتها، ابتداء من الفيزياء حتى الرسم، وذلك في اواخر القرن التاسع عشر واوائل القرن العشرين، وغدت بذلك علوماً حديثة. وأهم ملامح هذه الاستراتيجيات تكمن في التغيرات التي حدثت في بؤرة اهتمامات العلوم، وانتقالها من التركيز على الموضوعات الى الاهتمام بالعلاقات وبنائها، فالعلاقات تخلق الموضوعات وتحددها وليس العكس. ويخصص كللر الفصل الاخير في كتابه لتوصيف علم العلامات السوسيري القائم على فرضية تقول: بقدر ما ترسل الأفعال او الآثار الانسانية معنى، بقدر ما تستخدم بوصفها علامات. اي يجب ان يوجد نسق من الأعراف والتمييزات كي يوجد معنى، وحيث توجد علاقة يوجد نسق، وبالتالي يمكن دراسة اية انشطة وممارسات دالة كما لو كانت لغة، كونها تنطلق ايضا من اعراف جمعية تقوم على الاصطلاح، لكن على نحو عشوائي ايضا.. وهذا ما يجده المرء عادة في الأشكال المختلفة والمتباينة للتحية مثلا عند مختلف الشعوب. ثم يتوسع الكاتب في دراسة مجال علم العلامات عند دوسوسير وكلود ليفي ستروس الذي تابع مقولاته في حقل الانثروبولوجيا البنيوية. في علم العلامات يقنعنا دوسوسير بضرورة النظر الى الحياة الاجتماعية والثقافية والانسانية بوصفها سلسلة من أنساق العلامات، وقدم في ذلك علم اللغة كنموذج او امثولة تساعدنا في الدرس والتحليل، وذلك من خلال المنظور التالي: الانسان مخلوق يعيش بين العلامات، ولذلك يجب عدم الاكتفاء بفهم معناها فقط، وانما الحرص على فهم الاعراف المسئولة عن هذه المعاني. وهذا الاسهام يجعل من دوسوسير في رأي كللر مساويا بالمكانة لجاليليو من حيث قيمة الاكتشاف الذي قدمه، والأثر الفاعل في من خلفه من العلماء. وكانت جرأته الاساسية تكمن في الخروج بالدرس اللغوي من حصار الميتافيزيقيا التاريخية او الفيلولوجيا الكلاسيكية، الى رحاب المعرفة السيميولوجية الحية المقيدة بقيود الزمان والمكان. محمد عبد الواسع