بيان الكتب: «بعد عقود من الكتابة الابداعية في المسرح، اخراجاً وتأريخاً وتنظيراً، وفي الادب والنقد، كتب عبدالاله عبدالقادر القصة القصيرة، كما لو كانت قصيدة من نوع خاص، تدور في جوهرها حول علاقة الانسان بذاته ، التي يقترب منها، يتأملها، يلتمس ما ابقت الايام فيها من ملامح، بعد نسيج بالغ التعقيد من علاقات هذه الذات بالاخرين وبالعالم، مروراً بخط ناظم لا يغيب ابداً، هو الوطن «العراق» الذي يبلغ اقصى اشكال حضوره في المنفى». بهذا التكثيف المنمق تمت الاشارة لنصوص عبدالاله عبدالقادر عبر سطور معدودة وضعت تحت ما يسمى بكلمة الغلاف.. من وضع تلك السطور، ومن يضعها عادة؟ وهل هي بمثابة قراءة نقدية مختصرة، ام اشارات تعريفية، ام مفتاح للولوج الى صفحات الكتاب الذي تشير اليه؟ هل تترك تلك الكلمات عادة انطباعاً ما عند القارئ، ام انها مجرد رأي دعائي يحدده الناشر؟ اسئلة واسئلة، ربما تفتح حوارات جديدة على صفحاتنا يتم فيها التطرق الى كلمة الغلاف ودورها ومسئولية كاتبها وعلاقتها بالقارئ والناشر وبالكاتب نفسه ايضاً؟ بدايات اي البدايات تلك التي يمكن ان نحددها في الخطوط البيانية لابداع كاتب ما، وكيف يمكن للكاتب نفسه ان يقول لنا ان هذا العمل هو بدايته الحقيقية او بدايات تبلور لون او جنس ادبي معين استطاعه؟ عبدالاله عبدالقادر بعد عقود من الكتابة الابداعية في المسرح اخراجاً وتأريخاً وتنظيراً، وفي الادب والنقد، كتب «القصة القصيرة» وقد كانت اول قصة له عام 1965؟ هل نشر تلك القصة في ذلك التاريخ ام نشرها لأول مرة مع هذه الاعمال؟ وهل يمكننا ان نعتبرها بداياته؟ اذا كانت كل من قصة «هجرة ام علوان» و«ضياع» عام 1965 بدايات عبدالاله القصصية فهي اقرب بكثير لفن القصة من «قصص» اخرى مثل: «صيف، صباح الفيروز، سجين، جثة رجل مجهول الهوية...» جاءت في التسعينيات. واذا وضعنا مجموعة «اليانكي» جانباً لانه لا توجد اية اشارة لتاريخ كتابة قصصها، فإن بداية عبدالاله عبدالقادر القصصية الثانية جاءت في عام 1980، اي بعد انقطاع دام خمس عشرة سنة، من خلال قصة «القصيدة الاخيرة» المنشورة ضمن مجموعة «هنادي النخلة والسنونو» وفي هذه القصة يمكننا ان نلاحظ ان ثمة خيط امتد ليغزل شخصية «علوان» التي على ما يبدو أرقَتْ الكاتب كثيراً، وتراكمت ابعادها في ذهنه، لكن الولادة كانت في الغالب ارتكاسات لعمل روائي لم يصل حتى الى قصة طويلة متكاملة، حيث نجد في المجموعة ايضاً قصة «هموم علوان الاحدب» عام 1983، بينما العنوان ذاته يكون في المجلد الثاني كعنوان لمجموعة قصصية تندرج فيها شخصية علوان ضمن قصة «عيد ميلاد» ويكون ذلك عام 1988، وتفصل بين تلك القصة وقصة «البيت العتيق» قصة سالي. وسيتساءل القارئ: لماذا فعل عبدالاله عبدالقادر ذلك رغم انه يكمل من جديد مع علوان الاحدب في «اوراق مبعثرة» ومن ثم في «صمت علوان الاحدب» التي جاءت هي وقصة «طوفان الدم» عام 1986، لتأتي بعدهما قصة «من يريد ذبح الاحدب» كاسرة لأي تسلسل زمني او قاطعة لأي خيوط يمكن ان تحدد بدايات الكاتب حيث جاءت القصة عام 1978. بعد مجموعة «هموم علوان الاحدب» تأتي قصة او رواية «رحيل النوارس» دون تحديد لزمن كتابتها، لنتفاجأ بعد ذلك بمجموعة «مرثية كلكامش» تعود بنا من جديد الى «علوان الاحدب». يقول الناقد والروائي نبيل سليمان في تقديمه لهذه المجموعة: «هو ذا علوان الاحدب الذي عنونت همومه المجموعة القصصية السابقة لعبد الاله عبدالقادر، يطلع في هذه المجموعة، صريحاً في قصة «مرثية كلكامش» التي حملت هذه المجموعة اسمها، او متخفياً بمالك الحزين في قصتي «مالك الحزين الذي تمنى لو يتبلد» و«عذابات مالك الحزين». في القصص الاخرى من هذه المجموعة، يتخفى بعض علوان الاحدب وهمومه ايضاً، حتى في تلك القصص التي تمحورت حول امرأة، او استبدت ببطولتها امرأة، واعني قصص غداً تقولين كان، الشارع، العد التنازلي». غريبان على الشاطئ، المجموعة الاخيرة في الاعمال القصصية ولا يوجد تاريخ لكتابة قصصها، ماعدا القصة الثامنة والاخيرة «نهايات» فكانت في سبتمبر عام 1986. من الملاحظ اذن انه لا يمكن مطلقاً تحديد بدايات لكتابة عبدالقادر عبدالاله، ولا يمكن ايضاً معرفة: كيف ولماذا تم تقسيم تلك القصص وتلك المجموعات ضمن المجلدين، فالأول به اربع مجموعات: الجنرال، طلب لجوء، اليانكي، هنادي النخلة والسنونو. المجموعة الاولى عدد صفحاتها «الفعلية» لايتجاوز الخمسين صفحة، بها 17 قصة، والمجموعة الثانية ايضاً 16 قصة والمجموعة الثالثة «اليانكي» 14 قصة، والمجموعة الاخيرة «هنادي النخلة والسنونو» التي لا تتجاوز ايضاً صفحاتها الفعلية الـ 60 صفحة، فيها 14 قصة قصيرة او اقصوصة او... المجلد الثاني يختلف الى حد ما رغم ان فيه اربع مجموعات كما الاول الا انه في المجموعة الاولى «هموم علوان الاحدب» والتي تصل صفحاتها الى المئة يوجد بها فقط 9 قصص. تأتي بعدها قصة «رحيل النوارس» وهي قصة طويلة او رواية قصيرة ـ ان صح التعبير ـ تتجاوز الستين صفحة.. اما مرثية كلكامش «90 صفحة» ففيها 12 قصة، وختام الاعمال «غريبان على الشاطئ» المجموعة الأخيرة تحتوي على 8 قصص. قصيدة من نوع خاص مع انه لا يمكن اخضاع فن القصة لمقاييس معينة الا انه من الضروري ان يظل ثمة خيط على الاقل يفصل بين جنس ادبي واخر، وان يحتوي النص عناصره واسلوبه، ومنطقه الخاص و.. . حتى يمتلك تسميته. فهل هناك قصص كقصائد من نوع خاص؟ يبدو ان عبدالاله عبدالقادر لا يكترث لفنية او تقنية القصة بقدر اهتمامه الرائع بالبوح عن المعاناة التي تصيب الذات البشرية انى كانت، ففي قصصه التي تتجاوز التسعين قصة لا نجد اي محاولة لتغيير الروي «صفة الغائب» او الاسلوب او الاهتمام بشكل القصة او طولها او لغتها او.. وحتى الزمان والمكان يغيبان احياناً كثيرة امام طغيان هذا المد الانساني. فقد تكون الاحداث في زمن الحرب او اشارات معينة تدل على زمن بين رحيلين مثلاً، اما ان تقوم الشخصية داخل اي قصة بفعل يومي يحدد زمن بداية الفعل او نهايته فهذا لا يحتمله البناء القصصي الذي يطبع اغلب اعمال عبدالاله عبدالقادر من حيث التقنية، ولا يطال اهتمام الكاتب الذي يكشف المشهد الانساني بوخذة او غصة. اما الامكنة التي تدور بها الحكاية او الحدث فهي عامة ويمكن الا نستطيع تحديد القارة لولا بعض التسميات المحدودة او بعض الاشارات كسقوط الثلج او اشجار النخيل او الحر الشديد.. لكن هل يشفع لكاتب ما حسه الانساني العالي وصدقه الفني عدم اكتراثه بالجنس الادبي الذي يحاول ان يوصل من خلاله «بوحه» للقارئ؟ ربما تتباين الاجابات وتختلف وجهات النظر حول تلك الاسئلة ولكن من يقرأ في هذه الاعمال قصة «رحيل النوارس» سيعيد صياغة اسئلته من جديد. محمود أبو حامد