على الساحل الجبلي الغربي بمقاطعة برتيش كولومبيا الكندية، تنطلق اسماك السلمون الخريفية بأقصى طاقتها ضد التيار في جدول «جلنديل» لتضع بيوضها وبين هذه الاسماك يخوض دب منقط بلون اوراق شجر الحور، تلمع على صدره وكتفيه حلقات من الفرو الفضي. هذا المعطف لا يشبه ابدا اللون البني القاتم الذي يميز معظم الدببة الساحلية المنقطة مما دفع العلماء الذين يدرسون الدببة هنا الى اطلاق اسم «باندا» على هذا الذكر الذي يبلغ من العمر عاما واحدا. ومع ان باندا يزن الان 150 رطلا ويستطيع الافتراس، الا انه نادرا ما يكلف نفسه عناء مطاردة السمك، فهو ينتظر حتى تصطاد امه واحدة فيقترب ويلتقطها من فمها حتى انه يفرك ردفيه المبللين المكتنزين بجسد امه، وهو يلتهم صيدها ثم يحاول تلمس طريقه الى ثديها ليرضع. لكن الام منشغلة في رفع سمكة تحاول التفلت قرب بطنها فيما ينبجس البيض خارجا في قوس قرنفلي ينسل باندا خلسة ليسرق تلك السمكة ايضا، وبعد ان يفرغ من التهامها يمشي متمهلا الى عرض الجدول لينقض فجأة على امه العزيزة مداعبا إياها بضربات قوية من كفيه الفتيين. ويتصارع الاثنان في بركة مياه تغمرها حتى مستوى الصدر، ويشتد فيها الصخب والعربدة لدرجة ان باندا يبدأ بالرقص من شدة الاثارة، يبسط اذنيه ويهز رأسه ويبدأ بالدوران حول نفسه كما في رقص الباليه. باندا في الحقيقة الامر ليس جروا فاسدا او أبلها، انه مجرد دب يافع بمشاعر مختلطة في موسم السلمون الذي يكون فيه هذا النوع من الدببة في اوج نشاطه. تتوزع الدببة البنية في انحاء نصف الكرة الشمالي، وفي امريكا الشمالية يميز العلماء بين الدببة البنية الكبيرة التي تعيش في ارخبيل كودياك بالاسكا وتلك التي تعيش على طول ساحل البر الرئيسي. والدببة الاكثر تنقيطا توجد في الاجزاء الداخلية، ويطلق الناس احيانا اسم «الدببة المنقطة» على جميع الدببة البنية في القارة. لم يتبق من هذا النوع من الدببة سوى 58 الفا نصفها في الاسكا، علما ان ضعف هذا العدد كان يعيش في الولايات المتحدة قبل قرنين فقط، وبحلول عام 1975م، كان عدد الدببة قد انخفض الى اقل من الف. وادرج هذا النوع مع الحيوانات المهددة بالانقراض ويبدو ان اعداد الدببة في بعض المناطق حافظت على توازنها وربما بدأت تنهض من انتكاستها، مع عودة اجمالي تعدادها الى حوالي 1100 دب. في هذه الاثناء تلمس دببة كندا تأثيرات تحرير حصص الصيد، والسياسات القاسية المتبعة مع الحيوانات المزعجة وتنمية المناطق الريفية النائية والتي ادت الى تقطيع اوصال مواطن الدببة الطبيعية وتشتيت تجمعاتها. واجتماع العوامل نفسها هو الذي وضع الدببة المنقطة على قائمة الحيوانات المهددة بالانقراض في الولايات المتحدة. الى جانب الحماية من القتل، فإن احتياجات الدببة الاساسية هي توفر كفايتها من المساحة والغذاء فالغذاء مهم جدا لان الدببة تعيش على الدهون المختزنة في اجسامها طيلة نصف عام اثناء سباتها الشتوي ولذا فإنها تتغذى على اي شيء تعلم انها بامكانها افتراسه. وبفضل قوتها الرهيبة وموهبتها في الخديعة والاحتيال، فإن وجبة الدب المنقط تتراوح من الظباء الضخم الى يرقان الدبابير ومن الجذور والنباتات المخبأة في جحور السناجب على سبيل المؤونة الى السنجاب بحد ذاتها ومن الحصان الى الحبوب النباتية الصغيرة وحيوان البطلينوس الرخوي الى افتراس دب منقط اخر. وبين اشجار الشوكران في جبال سيلكيرك بأقصى شمال ولاية ايداهو هناك موطن صغير للدببة المنقطة، لكن الباحث المحلي واين واكينين يقول رغم احساسنا بأن عدد الدببة هنا يتزايد ببطء، وتعدادها يتراوح حتى الان بين 40 و 60 حيوانا فقط، وفي اي وقت لا على التعيين يرجح ان تكون نصف هذه الدببة في امتداد سلسلة جبال سيلكيرك بمقاطعة برتييش كولومبيا الكندية المحاذية. ويعتبر موطن الدببة الطبيعي على الجانب الامريكي والذي تبلغ مساحته 1200 ميل مربع يعتبر في معظم اجزائه غابة وطنية قد تعرضت الدببة هنا في الماضي لانتكاسات كبيرة بسبب الطرق التي شقت من اجل تجارة الاخشاب واخطاء صيادي الدببة السوداء وتحسنت الاحوال الان بعد ان بدأت ادارة الغابات بتحديد استخدام بعض الطرق في فترة من العام. ويقول واكينيين: انا مقتنع تماما بأن انقاذ الدببة ليس مشكلة بيولوجية انها مشكلة في الادراك الحسي البشري لهذه الحيوانات، هناك اناس يعتقدون ان الدببة المنقطة المتعطشة للدماء تتربص وراء كل شجيرة لتنقض عليهم وتفترسهم وهناك ايضا اشخاص يقرنون الدببة بأي شيء لايعجبهم في القوانين. واعتقد اننا اذا استطعنا اعادة الدببة المنقطة الى وضعها السوي في سلسلة جبال سيلكيرك فهذا يعني ان بإمكاننا القيام بالشيء نفسه في أي مكان اخر في القارة. علي محمد