الكتابة، أداة الاتصال المتميزة بين الشعوب، هي الموضوع الذي أوحى للمصورة الفرنسية دومينيك ساروت، عملا تصويريا رائعا، كشف أو أعاد كشف النوعية الفنية للأحرف وللعلامات التي تحمل لغات العالم وثقافاته كلها، منذ الكتابات الأولى المعروفة حتى علامة «آت» في العنوان الالكتروني. يظهر العمل على شكل معرض جوال يتألف من 36 صورة فخمة بالألوان تمثل 36 حرفا وعلامة من 36 لغة في العالم كله، اختيرت من بين 260 ألف نقش كتابي تضم 800 لغة من مجموعة المطبعة الوطنية في باريس، الوحيدة في العالم والمصنفة كأثر تاريخي. هناك الهيروغليفي كعلامة رمزية مسمارية، والروني رمز الكتابة الصينية وأحرف من الأبجدية الفينيقية، والأثيوبية، ومن الأبجدية اليونانية، والسيريلية، والعربية، وتظهر هذه الصور المنقوشة معكوسة في الفولاذ كعمل فني. أرادت دومينيك ساروت أن تكشف للجمهور عن فن حضارات الكتابة الكبرى، وأن «ترى الكتابة كعربة تاريخية ناقلة لفكر البشر وكرمز جماعي للاتصال بين الثقافات». دشن المعرض في باريس وفي مبنى الأونيسكو الذي يحتفي عام 2001 «بعام الأمم المتحدة للحوار بين الحضارات»، وسيستقر طيلة الصيف المقبل، بصوره الضخمة (4 أمتار * 3 أمتار) في ساحة مكتبة فرنسا الوطنية. لقد بدأت مكتبة فرنسا الوطنية منذ عام 1997، أي بعد سنة من افتتاحها، بين أبراجها الزجاجية الأربعة في محلة فرنسوا ميتران شرق باريس، سلسلة معارض تمتد على سنوات عدة تحت عنوان «مغامرة الكتابة» ودشنتها بمعرض «نشوء الكتابات». المرحلة الثانية من معرض دومينيك ساروت هي رمزية تماما، إذ سيقام المعرض في خريف 2001 في مصر وبالتحديد في مكتبة الاسكندرية، هذا الحيز المذهل من مكتبة الاسكندرية القديمة التي حوت في القديم كتب العالم كلها ومعارفه ولازالت حتى الآن ظروف خرابها لغزا ولا حتى عرفنا إن كانت موجودة مع الفتح العربي لمصر في القرن السابع. وضع حجرالأساس لمكتبة الاسكندرية عام 1988 بحضور مدير عام الأونيسكو، فيديريكو مايور مع الرئيس المصري حسني مبارك. ونقشت على جدرانها الجرانيتية مختلف كتابات العالم، وتمثل حيزا ملائما تماما لمعرض دومينيك ساروت الذي يقدم في اطار منتدى الكتاب الذي يجمع كبرى دور النشر العالمية. إن احد عناصر المعرض الأساسية، فضلاعن جودة الصور وجمال المناقش التي استعملت كنقطة انطلاق، هي قراءة التعليقات عليها. إذ وضع لكل من العلامات أو الأحرف فترة نشوء الكتابة الخاصة بها (تعود أقدم كتابة إلى الكتابة المسمارية التي نشأت نحو عام 3300 قبل الميلاد والهيروغليفية نحو 3200 ق.م، واللغات التي استعملتها والمناطق التي استعملت فيها اضافة إلى أصلها، (مثل الفينيقية جدة الأبجديات في العالم بما فيها الهندية). تقدم لنا الصور أيضا طبيعة النظام (أبجدي، مقطعي، رمزي، صوتي) وعدد العلامات (مثل الصينية التي تبلغ 42.718 وأصبحت 3000 في الاستعمال اليومي، واتجاه القراءة (من اليسار إلى اليمين، من اليمين إلى اليسار، عمودية من الأعلى إلى الأسفل أو لولبية)، ويشار أيضا إلى المستندات الشهيرة المحفوظة عن كل كتابة مثلا: لوحات أوروك الطينية، حجر رشيد الذي سمح لشامبليون فك لغز الكتابة الهيروغليفية وكوديكس مايا، ونصب دوغا في تونس لكتابة تيفيناج في لغة الطوارق البربرية. إن الاكتشافات عديدة في هذا المجال، على سبيل المثال: من يعرف الاسترانجيلو أو الاسبرلويت، ان الاسترانجيلو (اندثرت) هي كتابة تعود إلى القرن الأول بعد الميلاد، نشأت في منطقة ما بين النهرين وفي سوريا لكتابة اللغة السريانية. وهي نوع من الأرامية تقرأ من اليمين إلى اليسار مع أبجدية مؤلفة من 22 علامة. وتوجد وثيقة مهمة جداً هي نسخة من العهد القديم تعود إلى القرن الثالث ومعروفة تحت اسم بيشيتا. أما الأسبرلويت فقد نشأت في القرن الخامس عشر واستعملت في أوروبا وفي البلدان الغربية للغات ذات الطابع اللاتيني والتي لا تحوي إلا حرفين مرتبطين هما (أ.ت( وتعود في أصلها إلى رابط مخطوط أدخلت إلى الطباعة تقرأ مع النص من اليسار إلى اليمين ولازالت تستعمل في الطباعة الأنيقة وفي العمل التجاري. أما آخر نجوم الكتابة فهي علامة «آت» المستعملة في العنوان الالكتروني على شبكة انترنت. فهذا الحرف الفريد هو «أ» حولت فنيا وقد وجد منذ القرن الثاني عشر وظهر في الكتابة في القرن الرابع عشر. استعمله الرسام الألماني ألبرخت دورر بدون تصور لمستقبله الزاهر.