في تجربة درامية تحسب للمخرج محمد الشليان عبر تقديمه للمسلسل الجديد «أزهار الشتاء» عن نص للكاتب ابراهيم ياخور الذي يتناول للمرة الأولى مشكلة المسنين في دور العجزة، حيث نجد لكل مسن قصة مع اسرته ومجتمعه جديرة بأن تقدم في مسلسل درامي كامل. ومما يحسب للكاتب ابراهيم ياخور بعده عن المباشرة الخطابية في الطرح وتقديم المشكلات بنظرة واقعية محايدة بعض الشيء وذلك من خلال قصة موظفة كبيرة في وزارة الشئون الاجتماعية وتدعى «فدوى» وهي امرأة جامعية متزوجة من الدكتور رياض خريج جامعة اكسفورد وموطف كبير لدى منظمة دولية وهو يكبرها بنحو 14 سنة لذلك لم يرزقا بولد. لذا تبدو فدوى وهي تقترب من الأربعين مثقلة بهواجس العقم وتلح على زوجها باللجوء إلى طفل الأنابيب فيرفض ذلك لتردده في استساغة مثل هذه التداخلات على الطبيعة البشرية، كما يرفض فكرة تبني مولود لتعارض ذلك مع معتقده الديني وهو إلى ذلك مطمئن إلى الحياة الهانئة التي يعيشها مع زوجته، لكن نزولا عند إلحاح «فدوى» يلجأ رياض إلى صديقه د. سيف معاون وزير الشئون الاجتماعية لتكليفها بإدارة دار اللقطاء التابعة للوزارة اعتقاداً منه أن ذلك يمنحها الفرصة لتصعيد مشاعر الأمومة المهتاجة في روحها، لكن الدار كانت في عهدة مدير مختص وناجح فتتطور «المؤامرة البيضاء إلى مفارقة غريبة» فعندما تتسلّم فدوى إدارة «دار الأمان للمسنين» المنهارة الأوضاع كي تعمل على إصلاحها، وفي غفلة عنها عما يرتب لها سراً يورّطها شعورها بالتحدي في الأوضاع الإدارية المتردية للدار حيث تغرق شيئاً فشيئاً في مواجهات إدارية حادة واستحقاقات إنسانية حقيقية كي تعيد الأمل إلى نفوس مجموعة من النزلاء والنزيلات المهملين المحطمين. ويتابع الكاتب إبراهيم ياخور حديثه عن مسلسله الجديد قائلا: يلتقي ما تفعله فدوى في الدار مع نشاط عمار الإذاعي الشاب الذي يعد برنامجاً اسمه «رحلة في القلب» يقدم في كل حلقة من حلقاته «قصة من الحياة» أبطالها أشخاص واقعيون تتقاطع افاداتهم لتشكل التفاصيل الطريفة أو المريرة لقصتهم.. من هنا يهتدي عمار إلى الدار ونزلائها كمنهل قصص لبرنامجه في الوقت الذي تتسلم فيه فدوى إدارة الدار فيخلق هامشاً عريضاً لاكتشافات ومواجهات إنسانية شيقة وصاخبة أحياناً. في دار المسنين هذه يتعرف عمار إلى الأخصائية الاجتماعية الشابة «كنانة» التي أثارت التغييرات في إدارة الدار حميتها للعمل فتنشأ علاقة حب تتخللها توترات ناجمة عن اختلاف وجهات النظر فيما يفعله عمار في برنامجه الإذاعي أحياناً. وبينما يشكل عامل الدار ومشكلاته والمتاعب الشخصية لنزلائها مشروع حياة حافلة مليئة بالحماسة الإنسانية لفدوى تشغلها مشكلاتها الشخصية بعض الوقت بسبب الازعاج لرياض الذي راح يعرب بالتدريج عن استيائه من غيابها عن البيت. وهنا يلجأ إلى د. سيف ثانية لتبديل الحل ويقاومه صديقه حرصا على انجازات الدار فيعمد إلى الهروب نحو الامام مصطحبا زوجته إلى هنجاريا متظاهرا بالموافقة على رغبتها أملاً أن يقضيا فيها سياحة ممتعة وحسب، سيما وأن احتمال النجاح في العملية ضئيل أصلا، لكن رياض يرتب كل هذه الأمور لجعل زوجته تنسحب من عالم دار المسنين بصورة مضطربة فتفوتها مواعيد مهمة كانت قد حضرت لها طويلا لتعزيز أوضاع الدار المعاشية والصحية. وبانسحاب فدوى تحل كنانة الشابة مكانها في إدارة الدار في لحظة حرجة يساندها عمار الذي كان هو الآخر قد تورّط في مصائر النزلاء ولم يعد في استطاعته الانسحاب. ومثلما تتجه علاقة الشابين نحو نهاية سعيدة، تتجه إرادة النزلاء المسنين نحو شيخوخة تفتقر للكرامة والبهجة رغم انهم يعملون انها مرحلة من العمر عموما لا تخلو من المتاعب الصحية وأسباب الكآبة.. ذلك انهم ينجحون في غمرة التحوّلات التي طرأت على الدار من التحرّر من بعض أوهامهم ويكتشفون منابع الأمل في قلوبهم. كما نطل عبر تحقيقات عمار الإذاعية على قصص مسنين يواجهون استحقاق الشيخوخة في بيوتهم فيتضافر بذلك نسيج الأحداث ليشمل عشرات الشخصيات الرئيسية. وعلى الرغم مما تحمله القصة الدرامية من جرأة في الطرح فقد أسند المخرج محمد الشليان أدوار البطولة لعدد من الفنانين المخضرمين نذكر منهم: خالد تاجا، أديب قدورة، سعد الدين بقدونس، نجاح حفيظ، انطوانيت نجيب، رفيق سبيعي، عبدالسلام الطيب، سليم صبري، محمد الطرابيشي. فيما يشارك كل من الفنانين: ليلى جبر، أماني الحكيم، مها المصري، نبال الجزائري، أيمن رضا، نبيل الحلواني، رافي وهبي، روعة ياسين، لورا أبو أسعد بأدوار رئيسية مهمة. حيث تلعب الفنانة ليلى جبر دور «فدوى» والفنان سليم صبري دور الدكتور رياض، فيما يقوم الفنان باسم ياخور بدور الإذاعي عمار والفنانة أماني الحكيم الشابة «كنانة». في هذا الاطار يقول المخرج محمد الشليان أخيراً: يمكنني القول إنني في «أزهار الشتاء» أحاول تقديم بانوراما واقعية لدراميا المسنين التي يمكن أن تكون يانعة ومفيدة أيضا. دمشق ـ محمد عبدالعال