بيان الكتب: من أعلى شرفات اللاذقية على الساحل السوري نظرت لأمواج البحر مليا، واقسمت ان تنتشل منها اسرارها لتقدمها للحياة. فتناولت من الامواج احداثا وحكايات وافكاراً وتأملات ذوبتها في الذوات البشرية، وكسرت رتابة الحياة وطي رثاثاتها ثم وقفت على ما هو نبيل وسام في فنية رفيعة صاخبة جسدت فيها «وجه وأغنية» كل ذلك تحت «قوانين رهن القناعات» فكلفها عبء «هرولة فوق صقيع توليدو» لكنها انتقلت «عند التلال .. بين الزهور» لتبحث عن «الحب في ساعة غضب» فكانت «توليدو ثانية» لتجد ملاذها في مخطوط رواية لم تصدر بعد تحت عنوان «أول حب ـ آخر حب» .. إنها الروائية السورية ماري رشّو التي تقول عن علاقتها مع الكتاب: لا اذكر تماما .. يومئذ كنت مولعة ببرامج الاطفال في اذاعة دمشق. وبمجلة «سندباد» ثم «سمير» و«تهته» ثم «حواء» الى أن اكتشفت مزيدا من الكتب المهملة والمرصوفة بعشوائية في صناديق متعددة في غرفة خصوصيات أبي المولع بالطب العربي والعلاج بالاعشاب . . ونصيبي ان يقع بين يدي احد الكتب .. اذكر جيدا أنني غرقت في تفاصيله، طبعا لا اذكر عنوانا للكتاب او اسم كاتبه، ما أنا موقنة به انه كان كتاباً رخيص المستوى واذكر ايضا انني كنت كاللص، اقرأ في غفلة واصطنع القراءة الجادة خاصة امام خالة لي، ولا ادري هل كانت تقصد الكلمات حين هددتني بأنها تعرف ما الذي اقرأ .. ؟؟ يومها اعدت الكتاب ولم اعد اليه ابدا بل تحولت الى كتب اخرى متفرقة، وبالاخص (البوليسية) وكان «ارسين لوبين» يدهشني، فعملت معه في اكثر الاحيان ـ وأنا اقرأ ـ على وضع الحلول والنهايات قبل نهاية القراءة، وكنت اشعر بسعادة وأنا أتلمس في نفسي تلك القدرة. وعن آلية جمعها لتلك المكتبة الفنية اضافت ماري رشو: سأتحدث عن مكتبتي الاولى التي جمعت مختلف كتبها دون دراسة أو تخطيط ... كنت اهوى القراءة بكل اشكالها الرواية خاصة ثم الشعر. فالقصة القصيرة، ولأنني تزوجت في سن مبكرة كان زوجي يساهم معي في جمع تلك الكتب وعلى ضآلتها آنذاك كانت تمدني بالفخر والتميز وانتقلنا من بيت الاسرة الى بيت خاص بنا وكانت فاجعتي ان صندوق كتبي قد ضاع في رحلة التنقل فاحتلتني الكآبه، غير زوجي فاجأني بأجمل هدية وهي هذه المكتبة المدروسة والشاملة لاشهر الاعمال .. فكر، ادب، تراث موسوعات عربية وقواميسها والموسوعة البريطانية ومنها التجاري والطبي، وفيها المزيد من الكتب التي قد تقرأ او تمر عليها مرور الكرام فعادت لي مكتبتي بطريقة متعمدة لكنها متممة لمظاهر البيت. ـ في اية سن ملت الى جنس أدبي معين في الكتابة؟ ـ حدث هذا يوم قرأت نزار قباني (صار عمري خمسة عشر عاما) فكتبت قصيدة على نهجها بدأتها بـ (صار عمري ستة عشر) وقرأتها على مسامع زميلاتي اللواتي كن سعيدات، فقد جمعنا العمر والمشاعر، وكان احسان عبد القدوس يشغل بال الشبان والفتيات، اذكر جيدا ان رواية «لاأنام» قد شغلتني ليلة استعدادي لامتحان الكفاءة فتورطت بقراءتها حتى ساعة متأخرة من الليل لكنني نجحت ذلك العام وفي المرحلة التي تليها ملت لقراءة جبران، المنفلوطي، حنا مينا، نجيب محفوظ، يوسف ادريس، الفريد ده موسيه، وديستوفسكي والف ليلة وليلة بطبعتها القديمة، طبعا بعض هذه الكتب ما زال موجوداً في مكتبتي، وبعضها اسفت عليه يوم ضاع. ـ ماهو اول كتاب صدر لك وزينت به مكتبتك وآخر كتاب ونوعه الادبي والظروف المادية والمعنوية بين الكتابين؟ ـ انتظرت ولادة كتابي الاول بفارغ الصبر، لم اكن لأصدق وانا المولعة بالكتاب ان امتلك كتابا خاصا بي بمواده وعناوينه وتفاصيله. كنت على اتصال يومي بدار النشر حتى يخرج ومتى اراه؟ ما لون غلافه؟ ما عدد صفحاته؟ الى ان حدث واستلمت بعض النسخ كانت مجموعة قصصية جلبت لي الفرح والتميز ودام هذا الشعور بضعة ايام فتعودت ورحت احلم بكتاب ثان ولم يعترضني خلال ذلك عائق على العكس قوبلت بالتشجيع خاصة من زوجي الذي يعدد أعمالي امام الآخرين وجوائزي التي نلتها في سوريا ومصر، اما احد اخوالي الذي تفاءل قبل سنوات واصر على موهبتي التي يجب ان ترى النور لم يفاجأ بذلك بل المح الى أنها البداية التي تأخرت قليلا، كل هذا حدث عام 1989 واحدث اصدار لي زيّن مكتبتي هو مجموعة قصصية بعنوان (أجمل النساء) لعام 2000 والحمد لله لا تواجهني اية معاناة لا مادية ولا من المجتمع الذي يحيطني برعايته. ـ هل تعرضت مكتبتك لظروف قاهرة؟ وكيف حافظت عليها؟ ـ كما اشرت في البداية عن ضياع كتبي التي انتقيتها بعفوية ورغم حبي واعتنائي بالكتاب فقد خسرت كتبا لا استطيع تعويضها، فأهميتها تنبع من مناسباتها والطريقة التي جمعتني بها. ولا اعرف ان كان ضياعها مصادفة او سرقة ورغم تعويضي عنها بمكتبة منوعة، لكن شعوري بفقدها يرافقني باستمرار وبعد هذا الزمن حتى لو اقتنيت ثانية ما فقدته من اسماء وعناوين بعفوية الماضي ـ لكن ـ ذكرى اولى الكتب ما زالت تدغدغ ذاكرتي. ـ هل تشكل المكتبة عبئا بالنسبة لأفراد العائلة؟ وكيف تعملين على ارشفتها؟ ـ لا اعتقد ان المكتبة تشكل عبئا، على العكس، نحن بأجمعنا نحب الكتاب ونهتم به، واشجع ابنتي منذ صغرهما على اقتنائه واذكر حادثة ـ كانتا صغيرتين ـ فابتعت كتابا قيل لي ان له اهمية، وكان بعنوان (علم الجنس الهندي) لكنني اكتشفت أنني لا أميل لقراءة من هذا النوع، فرفعته الى مكان في المكتبة ولأنني بسيطة كنت سعيدة وأنا أرى ابنتي الصغرى تقف فوق مقعد، وتضع يدها على رف المكتبة وتقرأ فتجاهلتها بغية اتاحة الفرصة لها لمزيد من القراءة، الى ان تذكرت فجأة ان الكتاب هو (علم الجنس الهندي). اما بالنسبة لترتيب المكتبة فمواقعها موزعة في البيت ولا مكان خاص بها، ففي غرفة الجلوس وصالة الاستقبال وبين غرف النوم تطالعنا الكتب، ومكتبتي للأسف لم اخضعها للارشفة فأحيانا يطول بحثي عن كتاب ويكون في اقرب مكان للنظر. ـ ماهو عدد كتب المكتبة وما النادر فيها؟ ـ ليس هناك ما اسميه كتابا نادرا، فكل كتاب نادر وعلينا مسئولية حمايته اما عن عدد الكتب فهي تعادل 1500 كتاب فهنالك الموسوعة البريطانية التي تحوي 100 كتاب مقسمة من موسوعة الطفل وتتدرج الى ما وصلت اليه هذا الى جانب القواميس والمجلدات المتعددة الاجزاء وكتب عربية ومترجمة طبعا لم اقرأها بأجمعها، لكن الكتاب الهام والمميز يفرض نفسه على القاريء. ـ ما رأيك بالاستعارة والاعارة؟ ـ لا أحب استعارة الكتب الا عند الضرورة. فالكتاب المستعار عبء ينغص عليّ حتى اعيده سالما. اما بالنسبة للاعارة فتشكل هاجسا لدي فأنا اقرأ الكتاب وادعو الى قراءته، كاشفة اغراضه، مشجعة على اهدافه وبعد اعادته اقع في مطب النسيان، اين هو: مع من؟ احيانا الجأ لتسجيل اسماء الاصدقاء الذين استعاروا الكتب، ثم اعود للاهمال متكلة على الذاكرة التي تخونني باستمرار فأهم كتبي ليست لديّ واتمنى استرجاع بعضها. ـ ما احب الاهداءات اليك؟ ـ كل الاهداءات محببة الى قلبي، وبالنسبة لي افشل في كتابة اهداء جميل ومتميز على عكس زميلاتي الاديبات اللواتي كتبن لي كأنيسة عبود وهيفاء بيطار وكلاديس مطر. اما الاهداء الذي ترك اثرا في نفسي فقد ترافق مع موقف اذ كنت مع صديقة طفولتي (فاطمة إسبر) في معرض الكتاب السنوي الذي يقام في مكتبة الأسد في دمشق ... فلفت انتباهي كتاب (آفاق العصر) للدكتور جابر عصفور فابتعت كما فعلت هي نسخة، ثم شاءت الصدف ان جلست بجانبه في إحدى محاضرات المعرض فتذكرت الكتاب الذي بين يدي وقدمته له ببساطة وانا اقول (اكتب لي اهداء يا دكتور جابر) فضحك من اعماقه وكتب (الى ماري التي لم تصبر حتى اقدم لها نسخة من هذا الكتاب)، وبعد انتهاء المحاضرة، كنا نتجول بين دور النشر فناداني الدكتور جابر وهو يقدم لي نسخة اخرى من الكتاب كتب عليها (الى ماري التي صبرت فنالت) فضحكت من اعماقي. ـ ماذا عن أمنياتك للكتاب؟ ـ اتمنى الوصول الى عطاء مثمر وبناء يطرح قضايا الانسان عامة والانسان العربي خاصة، من خلال قضايانا ومجتمعاتنا عن طريق العلم والثقافة اللتين يؤهلهما الكتاب رسول الانسانية عبر العصور. وعلينا الا ننسى موضوع الترجمة فنحن في صلب العولمة وواجبنا ابراز تراثنا من علم وفكر وفلسفة وعلم اجتماع الى اللغات الاخرى. كما علينا تقبل الترجمات الى العربية مهما كانت افكارها كي نفهم الشعوب الاخرى. كما اتمنى وصول الكتاب العربي الى العالمية بشكل اوسع فنحن شعب غني حضاريا وفكريا وتاريخيا، واخيرا دعوني ارسل تحية حب الى كتابنا الذين وصلوا الى مواقع العالمية.