بيان الكتب: ارتورو بيريز ـ ريفيرتي من مواليد مدينة «قرطجنة» عام 1951، عمل لسنوات طويلة صحفي تحقيقات في العديد من الصحف والدوريات الاسبانية والاوروبية، ثم تفرغ للكتابة واصبح احد اشهر الكتاب ، الاسبانيين واكثرهم شعبية، كما ان اعماله في طليعة الكتب الاسبانية المترجمة الى اللغات العالمية الاخرى من اشهر اعماله «معلم المبارزة» و «جلد الطبل» .. الخ. هذا العمل «مقبرة سفن لا اسم لها» هو قبل كل شيء «رواية بحرية» وحفل مؤلفها نفسه بالقول: «هذا كتابي الاكثر شخصية، فكل شيء فيه تقريبا هو حقيقي» وكان آرتورو بيريز ـ ريفيرتي «قد عرف البحر عن قرب» واحبه حيث نشأ وترعرع على ضفاف البحر الابيض المتوسط، كان ابوه قبطان سفينة نقل تجاري، وقد نشأ مثل «ايمانويل» احد ابطال هذا العمل، وترعرع في مدينة «قرطجنة» محاطا بالقيم التقليدية لذلك بحث عن «المغامرة» في الكتب «وخاصة «مغامرة» البحار وهكذا قرأ «جزيرة الكنز» و «موبي ديك ـ السفينة الغارقة» ومغامرات «تانتات» ... الخ ثم تابع المؤلف الشاب «مغامراته» البحرية حيث بدأ يمارس «الغطس» منذ سن المراهقة ثم امضى خدمته العسكرية في سلاح البحرية وحيث شارك في تفتيش سفينة غارقة منذ الحرب الاسبانية، وتابع ارتورو بيريز ـ ريفيتي رحلته مع البحر كمراسل حربي لمحطة تلفزيونية. في هذا العمل يضع المؤلف في «الواجهة» شخصيتين همهما هو محاولة تفكيك رموز خارطة غريبة وغامضة. رجل ثاقب البصيرة وشجاع وكريم، وامرأة جميلة وغريبة الاطوار وما بين هاتين الشخصيتين هناك «لغز» يبدو احيانا على وشك الحل «لكن الامور تتعقد من جديد ليبدأ القاريء «بحثه» ومعه شخصيات الرواية عن السر المجهول. سمة هذا اللغز هي أن جذوره تعود الى القرن الثامن عشر، اما عالم هذا اللغز فهو البحر بكل اتساعه ومجاهله. يقول المؤلف عن كتابته هذا العمل «مقبرة سفن لا اسم لها» مايلي: «كنت اعرف انني سوف اكتب ذات يوم هذا العمل لكنني كنت انتظر ان يأتي هو الى عندي وقد حدث ذلك اثناء بيع بالمزاد العلني في برشلونة حيث فعلت كل مافي وسعي من اجل الفوز بخارطة تعود للقرن الثامن عشر، كان ذلك المزاد في برشلونة وقد دفعت ثمن الخارطة غاليا جدا، عندما خرجت من قاعة المزاد العلني ذاك، ادركت بانني قد كتبت الفصل الاول من روايتي». مع هذا الفصل الاول ارسى المؤلف «اساس عمله الروائي وحدد عناصر «الحكاية» المؤلفة من بحار بلا سفينة وخارطة قديمة وامرأة و «لغز» وما بقي كان «سهلا» ولم يكن يحتاج سوى الى خبرة بسيطة في علم الميكانيك واستخدام الكلمات والبحث عن متعة هذه الكلمات. تحكي الرواية قصة بحار هو «مانويل كوار» الذي كان ممنوعا من الابحار وقيادة اية سفينة بعد ان غرقت تلك التي كان هو قبطانها الثاني، كان في الاربعين من عمره «قوي البنية، منعزلا عن الناس، اخفق في التأقلم مع محيطه على اليابسة لذلك انزوى، وعدته في الحياة عدة كتب ومجموعة صور قديمة ومنظار، و «رؤية ثاقبة في الزوايا المظلمة باعماق النفس الانسانية». كان «ايمانويل» يردد باستمرار حكمة جاءت في جملة من جمل «كونراو» وتقول بان «السلام الحقيقي يبدأ على بعد عشرة ايام من اقرب شاطيء»، وكانت هناك امرأة جميلة وقاسية الطباع «جذبت هذا البحار الضائع وكانت ترمي الى ان يساعدها بالبحث عن سفينة كانت تمر غرقت قبل حوالي قرنين من الزمن في مواجهة شواطيء قرطجنة» وعليها حمولة «كنز» لكن كان هناك ايضا رجل آخر مهمته هي البحث عن «الكنوز الضائعة» اراد ان يسبق تلك المرأة ويصل قبلها الى السفينة الغارقة كي ينتقم منها، مع هذه العناصر والبحث عن الكنز تقترب الرواية من الروايات البوليسية . ومن اجواء القراصنة الذين كانوا يجوبون البحار سعيا وراء المتعة والثروة لكن في الواقع هذه الرواية هي تأمل في النفس الانسانية وفي نوازعها وحديث عن الشجاعة والعزلة والمصير الانساني. ان مؤلف هذا العمل يكتب على طريقة اؤلئك الروائيين الذين لم يعد احد «يستطيع» الكتابة مثلهم كجوزيف كونراد، الروائي الانجليزي، الذي عشق المغامرة وجاب العالم وكتب عن بومباي وسنغافورة وجزيرة موريس .. وغيرها او كالروائي الاسكوتلندي «روبير ستفنسون» صاحب الرائعة الادبية الشهيرة «الدكتور جيكل والسيد هايد» او ايضا كالروائي الفرنسي «الكسندر دوما» صاحب «الفرسان الثلاثة». ان مؤلف هذه الرواية «مقبرة سفن لا اسم لها» يعيد قارئه بالفعل الى عالم من الكتابة يبدو انه قد «انقرض» ليس المهم بالنسبة له الموضوع الذي يتطرق له الكاتب، فموضوع هذا العمل الروائي الذي يقدمه ليس جديدا، «البحث عن سفينة غارقة» ولكن المهم كيف نحكي ذلك ومدى القدرة على الارتفاع بفن الكتابة. لاشك ان هذا العمل يحمل في طياته بحثا عن الهرب من واقع غزت فيه التكنولوجيات كل مرافق الحياة كما ان «جمهور القراء قد فقد براءته» على حد قول المؤلف ذاته في احدى مقابلاته كانسان يعيش في هذا العصر ان يجمع حطام ذكرياته وما تبقى من مشاعر الحنين لديه كي يقيم لنفسه قارب نجاة شخصياً يمكنه ان يطفو فوق سطح الماء حيث يغرق العالم». وهذا ما فعله بالتحديد هذا المؤلف عندما كتب «مقبرة سفن لا اسم لها» ولا شك انه اراد الدخول في جلد بطله «ايمانويل كوا» ولكن «على طريقته» حيث يقدم تساؤلاته وشكوكه وتأملاته حول الانسان والعالم .. وذلك في محاولة لـ «الهرب» من اسبانيا اليوم، اسبانيا السياحية التي «لم تعد تناسبه على حد قوله وحيث ان نوادي المتوسط» السياحية قد غزت منذ زمن طويل الجزر الاسبانية المبعثرة في البحر، «جزر الكنوز» الضائعة التي يبحث عنها «ايمانويل كوا» وغيره في هذا العمل الروائي. ان المحرك الاساسي لهذا العمل «حاجة» الكاتب كي يقول ما يختلج في اعماقه بل و «متعته» في ان يقول ذلك . وهذا كله يصب في النهاية بـ «متعة القاريء لبعض الوقت بعيدا عن الضغط الكبير لحياة العصر». ويحمل هذا العمل الروائي ايضا بعدا وثائقيا عن تاريخ الملاحة والابحار في القرن الثمان عشر حيث من الواضح ان المؤلف قد امضى اوقات طويلة وهو ينقب في الاراشيف المختلفة وفي المتاحف البحرية عن المعلومات الخاصة بعالم البحر وعلم الخرائط، بل والتاريخ اليسوعي الذي ارتبط بتاريخ الحرب الاسبانية في حقبة غرق «دي غلوريا» وهذا هو اسم السفينة التي «لا اسم لها». من جهة اخرى يتضمن هذا العمل نوعا من التحقيق حول المافيات الحالية التي جعلت من البحث عن «الكنوز الضائعة» مهمة رئيسية لها، واذا كانت هذه الكنوز الضائعة ممثلة في هذا العمل بسفينة غارقة فانها يمكن ان تكون اثرا فنيا او معلما تاريخيا او قطعة اثرية .. الخ، وبكل الحالات حاول المؤلف ان يعطي لعمله بعدا واقعيا، وكأنه بالفعل تحقيق ميداني، اذ انه قام هو نفسه على قاربه الذي يعيش عليه نصف ايام حياته تقريبا، بكل المناورات والاعمال التي «دفع» بطله «ايمانويل كوا» للقيام بها، يقول المؤلف بهذا الصدد : «ليس هناك اي مسار اصفه في الكتاب لم اقم انا شخصيا بتنفيذه، بل انني قمت بعملية الغطس كي اكتشف الموقع الذي سوف اضع فيه حطام السفينة ـ دي جلوريا ـ واعرفه بكل دقائقه وتفاصيله». ان مؤلف هذه الرواية «ارتورو بيريز ـ ريفيرتي» يحاول في هذا العمل «اللحاق» بركب اولئك الكتاب الذين صاغوا المغامرات البحرية الكبرى واستخدم من اجل ذلك كل التقنيات الحالية ومعارف العصر ومعطياته حيث ان المرأة مثلا التي تدفع «البحار الضائع» ايمانويل كوا نحو المغامرة هي موظفة في وزارة البحرية بالعاصمة الاسبانية مدريد، وتعرف جيدا ما تبحث عنه، وان تلك السفينة «دي جلوريا» كانت تحمل شحنة من «الزمرد».