بيان الكتب: كان روجيه كانس لسنوات عديدة مسئولا عن ملف البيئة في صحيفة «لوموند» الباريسية. وسبق له وقدّم مؤلفات عدة حول مسائل البيئة وخاصة فيما يتعلق بمشكلة المياه في العالم من خلال عمل أصبح أحد المرجعيات في هذا الميدان تحت عنوان: «معركة المياه». وله أيضا كتاب تحت عنوان «الكابتن كوستو»، أحد أشهر الشخصيات الفرنسية في مجال البيئة والبحار خلال القرن العشرين. وكتاب آخر عن عالم فرنسي آخر هو «تازييف، اللاعب بالنار» حيث كان اهتمامه الأساسي هو البراكين. ويقوم المؤلف منذ سنوات عدة بإخراج أفلام حول البيئة للقناة التلفزيونية الفرنسية الخامسة. في هذا الكتاب يعود «روجيه كانس» إلى مناقشة مشكلة المياه في العالم، وحيث يتردد على لسان الكثيرين ان القرن العشرين كان هو قرن البترول، أما القرن الحادي والعشرين فسيكون قرن المياه.. وقرن الحروب من أجل المياه. وذلك على أساس ان الماء المكرّس للشرب أو الصناعة أو الزراعة أو لامضاء أوقات الفراغ أصبح بمثابة «مادة دولية ثمينة». وفي جميع بلدان العالم، الغنية منها أو الفقيرة، تتحدد الاستراتيجيات الصناعية الزراعية تبعا للثروة المائية المتوفرة في هذه البلدان. وتشكل الثروة المائية أيضا أحد العوامل الأساسية التي تلعب دوراً حاسماً في السياسات الاقليمية والوطنية للدول. ثم لا يخفى على أحد أن الملايين، بل المليارات يتم انفاقها هنا وهناك من أجل البحث عن مصادر مائية جديدة أو عن سبل للتزود بهذه المادة الثمينة، ونقلها ومعالجتها وتحليتها. إن هذا السائل الذي «لا لون ولا رائحة ولا طعم له»، كان ولفترة ليست بعيدة من الزمن بمثابة ثروة مهملة، بل وكأنها «عديمة القيمة». وقد كان الجميع يتمتعون بهذه النعمة السماوية مجاناً من الينابيع والآبار. وكانت شبكات الري والسقاية الأولى تكتفي بتحويل مجرى مياه نهر أو ساقية نحو الحقول القريبة وبآليات فيها الكثير من البدائية. كان الثمن الوحيد هو «عرق البشر». وكانت التحولات الأولى في عمليات التصنيع واكتشاف الآلة البخارية ثم الكهرباء وحين كان الماء بمثابة الأداة الأساسية الأولى. ومن هنا أيضا، وعلى أساس الاحتياجات الجديدة جاءت فكرة إنشاء السدود المائية الكبيرة وذات الكلفة الباهظة. بالمقابل أصبحت «إدارة شئون المياه» بمثابة مشكلة سياسية كبرى، خاصة في البلدان الفقيرة حيث يتزايد عدد السكان بتواز وبسرعة فائقة.. وتتزايد أيضا عمليات العمران في مختلف مناطق العالم، وفي مقدمة المناطق التي يرى مؤلف هذا الكتاب بأنها تواجه مشكلة حقيقية في ميدان المياه هناك الشرق الأوسط ثم افريقيا. وبشكل أوسع يقدّم «روجيه كانس» تشخيصاً مقلقا لحالة المياه في العالم، لاسيما وان المياه لا توجد بالضرورة حيث يتواجد البشر. ثم هناك مسألة تعاقب الفصول وأحياناً تعاقب سنوات الجفاف. وتؤكّد التشخيص «المتشائم» الذي يقدمه المؤلف الاحصائيات الصادرة عن البنك الدولي والتي تدلّ على أن أكبر الثروات المائية في العالم تتواجد في البرازيل بواقع (5670) مليار متر مكعّب، تليها روسيا (3904 مليار متر مكعّب) فالصين (2880 مليارا)، فكندا (850 مليارا)، فاندونيسيا (2530 مليارا)، فالولايات المتحدة (2478 مليارا) فالهند (1550 مليارا) فكولومبيا (1112 مليارا) فالزائير (1020 مليارا) ـ (المصدر: البنك الدولي). ومن خلال الاحصائيات والمعطيات المقدّمة يبدو بوضوح بأن هذه الثروة الثمينة موزعة بشكل غير متكافيء بين مختلف مناطق العالم. وتبدو هذه الثروة للوهلة الأولى وكأنها لا تنضب. لكن تجدر الاشارة هنا إلى أن نسبة المياه العذبة لا تتجاوز نسبة 2.5% من مجموع «العنصر السائل» في الطبيعة. وثلاثة أرباع هذه الـ2.5% متواجدة للأسف في المناطق القطبية، مما يجعل استثمارها غير مجدٍ من الناحية الاقتصادية. والجزء الأساسي من الباقي موجود بصورة مياه جوفية في أعماق الأرض بحيث هناك جزء صغير من المياه العذبة تتراوح نسبته ما بين 0.014% و0.26% ـ حسب تقديرات خبراء المياه ـ نجده في الينابيع والأنهار والبحيرات، إن المياه المتجمّدة في المناطق القطبية تحتوي «ضمنياً» على مليارات الأطنان من المياه العذبة، أي في المناطق الأقل سكاناً في العالم. وحتى هنا خطرت لـ«بول اميل فكتور»، الجغرافي وعالم الانثولوجيا الفرنسي الذي اهتم بالمناطق القطبية وأقام لفترات طويلة عند شعب «الاسكيمو» نقل ـ عبر البحر ـ بعض الجبال الجليدية العائمة إلى المملكة العربية السعودية خلال سنوات السبعينيات، لكنه عدل عن المشروع في النهاية بسبب كلفته العالية. ثم ان نهري «الأمازون» والكونغو اللذين يعتبران من أكثر الأنهار غزارة في العالم «يرويان» مناطق شاسعة من الغابات لتصنيع مليارات الأمتار المكعبة من المياه العذبة في البحر، بالمقابل تتزايد الندرة، ندرة المياه، في مناطق أخرى من العالم. يضاف إلى هذا كله التزايد المتسارع لظاهرة تلوث البيئة. إذا كان ثلاثة أرباع سكان الأرض اليوم يتلقون مياههم المخططة للشرب عبر الصنابير، فإن الآخرين لايزالون يغرقون مياههم من الأنهار والينابيع والآبار.. أو أحياناً عبر «الصنابير» التي تنقل اليهم المياه من مسافات بعيدة. من هنا أصبح إنتاج المياه بمثابة استثمار ضخم. ثم ان ندرة المياه دفعت البشر منذ نحو قرن من الزمن نحو اللجوء إلى مياه البحر، وتحليتها عبر طرق مختلفة. وتشير الاحصائيات التي يقدمها المؤلف بهذا الشأن بأن المياه المحلاة عام 2000 تقدّر بنحو 20 مليون متر مكعب في اليوم، حيث يبلغ إنتاج المملكة العربية السعودية 29.7% منها، والامارات العربية المتحدة 16.5%، والكويت 10.9%، واسبانيا 4.7%، وقطر 4.2%، وايران 2.8%، وايطاليا 2.7%، والبحرين 2.6%، والباقي لبلدان العالم الأخرى. وضمن هذا السياق تنامت نشاطات المجموعات متعددّة الجنسيات في مجال الاستثمارات المائية، وكانت فرنسا قد شهدت عام 1853 ولادة الشركة العامة للمياه، أي في السنة نفسها التي كان الامبراطور نابليون الثالث قد قرر فيها أن يشرف شخصيا على إعادة تنظيم العالم «باريس». ثم قامت بعد ذلك «شركة ليون للمياه». وبرزت منذ عقود عدة من الزمن ظاهرة بيع المياه المعدنية، المستخرجة من حقول مائية جوفية، و«مياه الينابيع» التي يتم الحصول عليها بحالتها الطبيعية دون أية معالجة كيميائية أو غيرها. ودخل السوق منذ فترة غير بعيدة «منتوج» مائى آخر هو «المياه المصفّاة» التي انتشرت أولا في الولايات المتحدة الأمريكية، ثم انتقلت منها إلى أوروبا وبقية مناطق العالم. وفي القسم الأخير من هذا الكتاب يدرس المؤلف «جيو سياسية الذهب الأزرق». وذلك بعد أن كان «الذهب الأصفر» ولمدة عقود من الزمن بمثابة «الكنز» الذي يمكن الاحتفاظ به بكل الظروف، لكنه أخذ يفقد من قيمته اعتباراً من اللحظة التي لم يعد فيها بمثابة المعادل «للدولار» عام 1971. ولمدة قرون قبل ذلك أيضا لعب الملح ثم لعبت التوابل دور المواد الثمينة باعتبارها تحدد «القيمة التبادلية» بين السلع. وجاء بعد ذلك دور النفط كسلعة استراتيجية مهيمنة، أكدت الصدمات البترولية لأعوام 1973و1979 و2000 هذا الدور المهيمن له (...) وحيث نحن في منتصف هذه الحقبة من الهيمنة النفطية. ومن المعروف ان النفط، مثلما أيضا هو الحال بالنسبة للغاز الطبيعي والفحم، لا يتجدد ولا يمكن تصنيعه.. وبالتالي ستنتهي ذات يوم مخزوناته، مما يعني بأن قيمته ستظل بازدياد حتى نضوبه أو حتى إيجاد مصادر طاقة بديلة، مثل الطاقة النووية، ذات الاستخدام الصعب والباهظة الكلفة، وسيكون هناك دون شك، كما يؤكد المؤلف، الهيدروجين الذي يمثل أحد العنصرين الأساسيين اللذين يشكلان الماء. أي إنه وبعد عهد النفط، لن يبقى لنا سوى الذهب الأزرق. إنه الرهان الاستراتيجي للقرن الحادي والعشرين... وللقرون التالية كما تدل جميع المؤشرات. إن جميع الدول اليوم تسعى لتأمين مصادر تزودها بالمياه وتستفيد لأكبر قدر ممكن من أنهارها وبقية ثرواتها المائية. لكن المشكلة الأساسية هي ان الأنهار الكبرى ـ بل وأحيانا الصغيرة ـ تجتاز دول عدة غالباً أو تشكل هي نفسها خط الحدود، مما يجعل من الصعب السيطرة عليها، بل ومن المستحيل الوصول إلى مثل هذه السيطرة، مما يجعلها أذن مصدراً للنزاعات والحروب، وإذا كانت البلدان الغنية بالمياه أو ذات المناخ المعتدل تحل «نزاعاتها المائية» بطرق ودية فإنه يمكن لمشكلة المياه في المناطق الفقيرة أو القاحلة أن تثير نزاعات مسلحة وتسمم العلاقات الدولية. ولا يتردد المؤلف في أن يضيف ضمن هذا السياق قوله: «إن الشرق الأوسط يشكل بالطبع المنطقة التي تزخر بأكبر مصادر الخطر». لكن هناك «مناطق خطر» أخرى مثل حوضي نهري «الرين» و«الدانوب» في أوروبا، وحيث كانت قضية تلوث مياه الرين بأملاح البوتاسيوم التي تلقيها به المصانع موضوع اتفاقية بون لعام 1976 التي كرّست خططا لتنقية مياه النهر كي تصبح صالحة للشرب، خاصة بالنسبة للهولنديين باعتبار أن بلادهم هي بلد مصب النهر. أمّا نهر الدانوب فقد كان مصدر نزاعات مستمرة بين بلدان «أشقاء» مثل هنجاريا وتشيكوسلوفاكيا ـ السابقة ـ لعقود عدة من الزمن، حيث شرع البلدان بخطط لإقامة سدود وبحيرات مائية اصطناعية دفعت إلى التحكيم أمام محكمة العدل الدولية بلاهاي. ولاتزال مسألة مياه الدانوب مصدر توتر بين الهنجاريين والسلوفاكيين حتى الآن. وهناك أيضا قضية نهر كولورادو، الذي يبلغ طول مجراه 2250 كيلومترا ويجتاز بشكل شبه كامل أراضي الولايات المتحدة الأمريكية باستثناء كيلومترات عدة في نهاياته، حيث يعبر قسم من أراضي المكسيك ليعود من جديد ويصب في خليج كاليفورنيا. ويستخدم الأمريكيون اليوم 99% من مياه النهر. وإذا كانت قد تمت تسوية الخلافات مع المكسيك التي لم يكن أمامها سوى الرضوخ أمام الأمر الواقع، فإن «الحرب تشب اليوم بين مستخدميه الأمريكيين»، وطبعاً الحرب بمعنى المنافسة الشديدة وليس استخدام السلاح، وفي كاليفورنيا نفسها هناك «نزاع» بين مناطق شمال الولايات الغنية بالمياه وجنوبها شبه الصحراوي وذات الكثافة السكانية الكبيرة في الوقت نفسه. وهناك نزاع آخر حول مياه نهر «كوالورادو» في كاليفورنيا بين مجموعة الضغط التي تضم كبار أصحاب الاستثمارات الزراعية، الذين يدفعون ثمناً بخساً للمياه وبين مصالح الخدمات المدنية التي تشهد ارتفاعا مريعا لأسعار الماء «المنزلي». وفي الصفحات الأخيرة من هذا الكتاب يدرس المؤلف ثلاث حالات «مائية» في منطقة الشرق الأوسط، حيث يتعرض لـ«حالة النيل الشائكة» والفرات ودجلة كمصادر للخلاف، و«نهر الأردن المتنازع عليه». وإذا كان نهر «كولورادو» يجتاز في واقع الأمر مناطق خضراء في أغلبيتها، فإن نهر النيل يجتاز في القسم الأكبر من مجراه الطويل (6700 كيلومتر) مناطق شبه صحراوية ولا تملك باستثناء الوادي المحيط به أية مصادر مائية دائمة أخرى. أو انه يجتاز في بعض أجزائه، كما في جنوب السودان مناطق من المستنقعات الشاسعة. بكل الأحوال «إن النيل عملاق كان باستمرار مصدر تزود بالمياه حاول البشر استخدامه وهم يحاولون اليوم امتلاك أفضل التجهيزت لاستثمار مياهه بشكل أفضل». وكان نابليون بونابرت قد «أسف» لكون أن أغلبية مياه النيل تذهب هدراً إلى البحر، وحاول الانجليز عام 1920 تنفيذ خطط لتنظيم مجراه وفكّروا ببناء ثلاثة سدود على حدود اوغندا وشمال الخرطوم وثالث جنوبها من أجل درء مخاطر فيضانات الصيف، لكن الرئيس الراحل جمال عبدالناصر أطلق بعد الاستقلال عام 1952 فكرة بناء السد العالي في أسوان «الذي دشّنه عام 1964»، وإلى جانب المصالح السودانية الحيوية في مياه النيل أعلنت أثيوبيا أكثر من مرة عن نيتها استثمار مياهه حسب حاجتها و«رغبتها» مما دعا الرئيس المصري آنذاك أنور السادات إلى القول: «إذا أخذ الأثيوبيون مياه النيل منّا، فإننا سنشن الهجوم عليهم». وفي عام 1999 تمّ الشروع بين تسع دول هي «رواندا، وبورندي، والزائير وكينيا وتنزانيا واوغندا وأثيوبيا والسودان ومصر، المجاورة للنيل ـ لم تحضر ارتيريا، البلد العاشر لأنها كانت في حرب مع أثيوبيا ـ في مفاوضات أدت إلى الاتفاق على إنشاء «مجموعة دولية للتعاون حول النيل» في عام 2001». لكن المؤلف يرسم أفقاَ متشائماَ لإمكانية تنسيق عمل مثل هذه المجموعة، حيث يقدم كل بلد «أسباباً وجيهة» بحقه في «ملكية» المياه التي تجري في أراضيه، أو إنه يتصرف كما لو انها كانت كذلك. هذا على الرغم من اتفاق الجميع على أن الماء الجاري ملك للجميع. وكانت مياه الفرات تروي منذ القديم «حدائق بابل المعلقة»، ولا تزال تشكل مصدراً مائياً حيوياً بالنسبة للعراق وسوريا، مما وضعهما في موقع تنافسي مع تركيا التي تمتلك منابع نهري الفرات ودجلة والتي قررت بناء السدود التي يترقب المختصون الأتراك بناء 54 منها على الأقل، كان قد تمّ تدشين الأول منها في منطقة «كيبان» عام 1984 وهو يحتل المرتبة الرابعة في أكبر السدود بالعالم، بل واقترح الأتراك باعتبارهم يمتلكون «قصر المياه في الشرق الأوسط» بيع المياه لجيرانهم العرب وأيضا لـ«اسرائيل» عام 1986. وتشمل الخطط التركية بناء 22 سداً من الآن وحتى افق عام 2010. يقول المؤلف ان تركيا تعتبر ان جيرانها بدءا من العراق وإيران، يمتلكون الذهب الأسود. أما هي فلا تملك إلا الذهب الأزرق وهي تنوي استخدامه. أما نهر الأردن فهو الأصغر في المنطقة لكنه هو الذي «يلهبها» منذ بدايات الاستعمار اليهودي الذي بدأ منذ نهايات القرن التاسع عشر بتحريض من الحركة الصهيونية.. وكان الحصول على مياه نهر الأردن هدفاً استراتيجياً بالنسبة للاسرائيليين، فيما بعد إذ اعتبروها بمثابة «ثروات استراتيجية خاضعة للرقابة العسكرية». ولاشك بأن مسألة المياه تشكل أحد نقاط الخلاف الكبرى في أية مفاوضات سلام في المنطقة، لاسيما وأن الفلسطينيين لا يمتلكون في الضفة اليوم سوى 137 متراً مكعباً من المياه للفرد سنويا بينما يمتلك كل اسرائيلي 530 متراً مكعباً.