بيان الكتب: سيمون ونشستر مؤلف هذا الكتاب هو من مواليد انجلترا، لكنه امضى سنوات طويلة من حياته في افريقيا والهند وآسيا ويستقر حاليا في نيويورك بالولايات المتحدة الامريكية. عمل مراسلا لعدة صحف امريكية وانجليزية في الخارج واجرى تحقيقاته في مختلف اصقاع الارض لمدة تزيد على ثلاثة عقود من الزمن. ولايزال حتى الان يساهم في عدد من كبرى الدوريات والصحف في الولايات المتحدة الامريكية وانجلترا من بينها «اتلانتيك مونتي» و«نيويورك تايمز» كما يساهم بشكل منتظم في البرامج التلفزيونية لقناة «بي. بي. سي» الشهيرة. ألف العديد من الكتب من بينها «رحلات في بقايا الامبراطورية البريطانية» و«كوريا، مسيرة عبر ارض المعجزات» و«المحيط الهاديء» و«كابوس المحيط الهاديء»، حيث يقدم المؤلف صورة متخيلة لنتائج عودة هونج كونج الى السيادة الصينية بعد حوالي قرن من الوجود البريطاني فيها، و«يوميات السجن» عن الفترة التي امضاها في احد السجون الارجنتينية بتهمة التجسس لحساب بريطانيا اثناء حرب الفولكلاند ـ المالوين ـ في مطلع عقد الثمانينيات من القرن الماضي و«النهر في وسط العالم» عن احدى رحلات المؤلف الى الصين بالقرب من نهر «يانجتز»... الخ. «الخارطة التي غيرت العالم» كتاب يحكي قصة شاب عاش في اوائل القرن التاسع عشر وامضى عشرين سنة من حياته يجوب بريطانيا كلها من طرف الى اخر وهو يدرس الصخور التي يصادفها ويعاين تكوينها وتراتبية الطبقات التي تتكون منها. كان اسمه «وليام سميث» وكان ابنا لاحد الحدادين في مدينة «اكسفورد». لم يكن «وليام سميث» يتمتع بأي قسط من الدراسة الاكاديمية ولم ينل أية شهادة جامعية عليا، لكنه مارس التعلم الذاتي باصرار وعناد واظهر كفاءات عالية في ميدان «الجيولوجيا» ودراسة طبقات الارض حيث اولى اهتمامه بشكل خاص لدراسة تكوين الصخور التي جذبته حيالها عاطفة محبة «حقيقية». كان ذلك العلم لايزال في بداياته الاولى ولم تكن هناك اية خرائط علمية متوفرة كي يتم الاعتماد عليها لذلك وضع «وليام سميث» نصب عينيه مهمة انجاز مثل هذه الخارطة «الجيولوجية». وفي صيف عام 1815 تم نشر خارطة رائعة «استثنائية» في لندن، كانت مرسومة باليد ويبلغ ارتفاعها مترين ونصف المتر وعرضها متران. وكانت مرسومة بألوان حية صارخة تجمع بين الازرق السماوي والاخضر والاصفر والبرتقالي وغيرها. وكانت تلك الخريطة تمثل بريطانيا وبلاد الغال في مزيج فريد واخاذ تتشابك فيه الخطوط والبقع اللونية والاشكال التي تجسد الصخور وطبقاتها. كان ذلك العمل ثمرة نوع من «الهوى» الذي عاشه رجل حيال «الصخور» وساعده ذلك على ان يتجاوز اللحظات الصعبة التي واجهها. كانت تلك الخارطة الرائعة هي الاولى من نوعها، وقد غيرت بشكل جذري الطريقة التي كان يتم فيها النظر الى العالم وتكوينه الجيولوجي. وقد كانت بمثابة حجر الاساس في مسيرة علمية طويلة لاحقة لطبقات الارض، الامر الذي ترتب عليه في المدى الطويل اكتشاف ثروات باطنية كانت احد المصادر الاساسية للثورة الصناعية، وليس اقل هذه الثروات اهمية البترول والحديد والمعادن الاخرى، بالاضافة الى اللآليء والذهب والفضة.. اي ما شكل مجالا واسعاً لمختلف مشارب العلم الحديث. ولاتزال الخارطة التي رسمها «وليام سميث» حتى الان احدى الوثائق «الرسمية» في ميدان العلوم الجيولوجية ببريطانيا. لقد احتوت تلك الخارطة «الجيولوجية» على توصيفات كاملة للطبقات الصخرية في بريطانيا وقسم كبير من اسكوتلندا، مع الاشارة الى الاماكن الغنية بالمعادن ولا يتردد مؤلف هذا الكتاب في القول بأن «وليام سميث» قد اسس لعلم جديد وانه احد كبار المكتشفين في تاريخ الانسانية الذين شاركوا بشكل فعال وحقيقي في تقدمها العلمي والانساني. يقول المؤلف: «كانت خارطة ذات اهمية كبيرة، رمزية وحقيقية، في سبيل تطور احد المجالات الاساسية في الدراسات، اي الجيولوجيا، الى جانب المشارب العلمية الاخرى مثل الفيزياء والرياضيات». كما ان تلك الخارطة قد مثلت بعض «الطموحات الكبرى» التي عرفتها فترة اعدادها ونشرها، وذلك الى جانب مشاريع «طموحة» اخرى مثل «القاموس الانجليزي لجامعة اوكسفورد» الذي لايزال حتى الان احد المعالم العلمية الاكثر تعبيراً عن عظمة القرن التاسع عشر على صعيد المكتشفات العلمية، وايضا مثل مشروع مانهاتن والكونكورد والمثلث الهندي الكبير... الخ. لكن خارطة «وليام سميث» تختلف عن هذه المشاريع كلها من حيث انها كانت ثمرة مجهود فردي خطط لها شخص ونفّذها على مدى عقدين من الزمن بينما كانت المشاريع الكبرى الاخرى تحتاج كلها الى «جيش من المتطوعين» والعاملين على انجازها. واحتاج تنفيذ بعضها مثل «الكونكورد» الى تعاون عدة حكومات. ودفع الكثير من الرجال حياتهم ثمنا اثناء الحروب الصغيرة التي دارت من اجل التقسيم الثلاثي للهند وشارك عدد كبير من الفيزيائيين في صياغة النظريات العلمية الجديدة في هذا الميدان والتي كانت اساس الانطلاقة العلمية العامة الجديدة.. ولاشك بأن الكثير من هؤلاء الفيزيائيين كانوا يستحقون نيل جائزة نوبل للفيزياء، لو انها كانت سارية المفعول في زمنهم. لكن الخارطة الجيولوجية «الجميلة» التي تم نشرها في لندن عام 1812 لم تكن قائمة على اية نظرية علمية. ذلك انه تم تصورها وتصميمها وتنفيذها وفي مواجهة جميع الظروف من قبل رجل واحد. هذا «الرجل الواحد» اصرّ ان يتم عمله وان يضع في النهاية عند اكتماله «توقيع وليام سميث» الذي كان عمره عندما انجز عمله ستة واربعين عاماً و«الابن اليتيم لحداد القرية» في منطقة اوكسفورد شاير. ويتعرض المؤلف بإسهاب في هذا الكتاب الى الآثار الايجابية الكبيرة التي ترتبت على انجاز هذه الخريطة بالنسبة لبريطانيا وذلك على المستويات التجارية والفكرية والقومية. هذا على الرغم مما كابده صاحبها ومنفذها «وليام سميث» من صعوبات على الصعيد المالي والكلفة الكبيرة التي ترتبت عليه بسبب اعباء الانتقال وشراء المواد الاولية والالوان لتنفيذ الخريطة التي افتخرت فيها بعد ذلك بريطانيا كلها. ان «سميث» لم يتلق طيلة عمله في انجاز مشروعه اي دعم مالي من اية جهة من الجهات، خاصة كانت ام عامة، كما انه لم يحظ بأية مساعدة على الصعيد المهني. هذا في الوقت الذي كان فيه ذلك العمل البطولي والمصنوع بدقة متناهية يتطلب امكانيات كبيرة. وهكذا عرف «وليام سميث» طريق السجن بسبب تراكم الديون عليه وعدم قدرته على اعادة المستحقات في مواعيدها. وعاش لفترة من الزمن بعيدا عن اسرته. وحاول عدد من العاملين في ميدان دراسات طبقات الارض ـ الجيولوجيا ـ انتحال عمله اثناء غيابه لكنهم كانوا يجهلون جميعا اليات عمله. ووصلت الظروف القاسية التي عاشها «وليام سميث» الى دفع زوجته الى حد الانهيار العصبي واعتبار انها مصابة بالجنون من قبل الاطباء بينما عاش هو فترة مرض طويلة. ولم يعرف «سميث» التكريم الحقيقي والخروج من الوضع المتردي الذي كان يعيش فيه الا في عام 1829 حيث اجتمعت ظروف عديدة يصفها المؤلف بأنها شبيهة بتلك التي تعرفها «قصص الاساطير والخرافات» وعاد «وليام سميث» الى لندن ليتم استقباله كأحد العباقرة في عصره وليعترف به اهل العلم بأنه واحد منهم. ان مؤلف هذا الكتاب «سيمون ونشستر» الذي يحمل ايضا شهادة عليا في علوم طبقات الارض ـ الجيولوجيا ـ يحاول الدخول في جلد «بطله» وليام سميث بحيث يبدو انه قد عاش فعلا هو الاخر، وعبر كتابة قصة حياة صاحب «الخارطة التي غيّرت العالم». ذلك البؤس والاذلال ولذلك يكتب بكثير من «الحميمية» عن ذلك الذي كان بمثابة احد نقاط الانطلاق الرئيسية في مسيرة علم طبقات الارض الحديث في بريطانيا ومنها في العالم اجمع. ويصادف نشر هذا الكتاب مرور حوالي قرنين على مشروع «وليام سميث» بإنجاز عمله الذي اكتمل عام 1815 بعد عمل دؤوب ومستمر حوالي عقدين من الزمن. ان مؤلف الكتاب، وعلى مدى الفصول السبعة عشر ذات الصفحات القليلة يستعيد مسيرة حياة «وليام سميث» وكأنها تنتمي هي ايضا الى الاساطير حيث يتحدث عن هربه نحو الشمال في «عربة يجرها حصانان» من اجل «ملاقاة الارض التي تنهض من ثباتها» و«البحث عن اسرارها الدفينة». لقد بدأ مشروع «سميث» ببعض الملاحظات السريعة ثم تحوّل شيئاً فشيئاً نحو فكرة انجاز «خارطة جيولوجية» لبريطانيا وجوارها، او «الخارطة التي غيرت العالم» والتي لاتزال تجد مكانها في كثير من معاجم «الاطلس» التي تعنى بتاريخ الجيولوجيا. وذلك باعتبارها شاهدا على منعطف حاسم في ميدان اهتمامها. ومن خلال قراءة هذا الكتاب تبدو عظمة «الخارطة التي غيرت العالم» تتماشى الى حد كبير مع «عظمة» صاحبها الذي خاض «كل المعارك» من اجل انجازها بدءاً من «الخروج» على الافكار الجامدة التي كانت تسود في الوسط البريطاني المحافظ الذي ولد ونشأ فيه ووصولا الى المعارك ضد العلماء الذين كانوا يعملون في المجال نفسه والذين لم يتوقفوا عن التشكيك به وبمشروعه كله. وتجدر الإشارة الى ان هذا الكتاب يضم عددا مهماً من وسائل الايضاح التي تشمل خرائط قديمة وصور مستحاثات تدل على عمر الارض في المناطق التي درسها وليام سميث وعلى طبيعتها الجيولوجية ونصوص تلقي الضوء على بعض النقاط في الشروحات المقدمة... الخ. «الخارطة التي غيّرت العالم» كتاب يروي مسيرة حياة، او بالأصح ملحمة حياة رجل عبقري كان قد لفّه النسيان.. رجل احب الارض و«مستحاثاتها» اكثر من اي شيء آخر.