بيان الكتب: وقفت على حافة الكثيب الرملي، كان يشبه قطعة حلوى الكراميل هلالية الشكل، اللذيذة، التي تنهض بنعومة وسلاسة عبر الاراضي المنبسطة، حدقت بعيدا، حيث تهب رياح الصحراء الجافة من الجنوب، على مرمى البصر، هناك حيث القفر المكان الذي يقع فيه سهل الاوباري الفسيح، ذو الرمال الساحلية المحرقة والحواف الصخرية البارزة التي تلوح في الافق مخترقة برؤوسها الرمل. وبعيدا جدا تتلاشى القمم الصخرية، فلا تبقى الا موجات من الكثبان الرملية اللا متناهية، المتدحرجة عبر المنحدرات الناعمة، المندفعة بسرعة نحو الافق الذي يحير البصر من شدة الضياء والى الشمال وعلى بعد عدة اميال من الاقدام اسفل القمة الترابية التي نقف عليها انا ومرافقي في الرحلة «ند» و «عبدالوهاب» دليلنا من قبيلة الطوارق الذي يسير دائما بمحاذاة القافلة المكونة من خمسة جمال. ومن على هذا الارتفاع كانوا يتراءون لي كأشكال دقيقة يحدها من الاسفل خط نظيف من الرمال الناعمة وتماما وكما تبدو لطخات القلم الملون المرشوشة في كبد السماء كانت تبدو لي واحة «ادري» محطتنا التالية على بعد 150 ميلا هناك حيث يمكن لجمالنا ان تأكل وتشرب ويمكن لنا ان نحصل على المؤونة، اما «الكفرة» الواحة البعيدة او محطتنا الاخيرة فقد كانت بعيدة حتى على مجرد التفكير فيها، كانت تستريح على بعد اكثر من1000 ميل الى الجنوب الشرقي. ومنذ المرة الاولى التي عرفني فيها والدي بمدينة طرابلس حين كنت في بداية العشرينيات لم يفارقني الحنين الى رؤية ليبيا مرة اخرى وبعدها التحقت بالعمل وقرأت عن اعضاء البعثة البريطانية الشمال افريقية «1918 ـ 1920» سيئة الطالع التي كان يتولى رئاستها جوزيف ريتشي وعاودني الحلم باجتياز «الصحراء» مرة اخري على ظهر جمل وباقتفاء آثار قوافل العبيد التي مرت من هناك وها انا ذا الان وبعد مرور ست سنوات اعود الى هنا. استغرقت رحلتنا من واحة «غدامس» التاريخية القديمة التي كانت في يوم من الايام احد اهم مراكز تجارة العبيد في منطقة «الصحراء الكبرى» وكانت الايام السبعة الاخيرة بمثابة الصدمة بالنسبة لي كنا نسير على اقدامنا جنبا الى جنب مع الجمال طوال تلك الايام وعلى الرغم من اننا كنا نتلهف على ركوب الجمال الا ان كبرياءنا كان يحول بيننا وبين البوح بهذا لعبد الوهاب، وهو رجل لطيف لايعرف التعب في منتصف العمر كان يشعر بمنتهى السعادة من الاستمرار في المشي على قدميه، ولأننا كنا نشعر بالانهاك بعد كل تلك الساعات التي كنا نتضور فيها جوعا، الساعات التي امضيناها في المشي الطويل المجهد وقطعنا خلالها رحلة طويلة مملة تتراوح بين20 و 25 ميلا عبر مساحات من السهول المغطاة بأحجار الصوان فقد ارتمينا ارضا فور اعلان الدليل في المساء ان الوقت مناسب للتوقف.