بيان الكتب: مأخوذاً بروح المغامرة ولذة الارتحال في الصحراء كما قرأ عنها في كتب الرحالة البريطانيين بدأ جستن ماروزي رحلة الـ 1500 ميل عبر صحراء شمال افريقيا قاطعاً هذه المسافة في قافلة من الجمال. وفي اثناء رحلته تلك تمكن من اقتناص مشاهد بعيدة حية للحياة في الصحراء الليبية. وحول هذه الرحلة والكتاب الذي أصدره عنها دار هذا الحوار معه: ـ لقد قمت برحلة لم يفكر الكثيرون منذ عقود في محاولة القيام بها الى ليبيا، وهو بلد معروف ان الولايات المتحدة قد فرضت عليه عقوبات. هل حركت هذه العوامل في نفسك اي خوف او اثارة في الأساس؟ ـ الاثارة بالتأكيد. وهذا ما حمل احد الليبيين على الاعتقاد ان شجاعتنا من النوع الذي لا يمكن تصديقه وبما ان ليبيا هي عدو لبريطانيا في النهاية فكيف لا نشعر بالخوف والهلع لدى قيامنا برحلة الى مثل هذه البلاد؟ فكانت اجابتنا هي «لا» بالتأكيد. انا شخصياً قمت بزيارات عديدة الى ليبيا وأحببتها كثيرا وكان اهلها مهذبين كثيراً في التعامل معي. ولا يمكن الخلط بين السياسة وبين التواصل مع الناس. ان الليبيين اناس محترمون، كرماء، طيبون ولهذا لم اشعر بالخوف على الإطلاق وكما قلت فإن شعوري بالبهجة كان اكبر بالتأكيد. وعندما فرضوا علينا الاقامة الجبرية في الفندق في واحة الكفرة شعرنا بأن ضابط الشرطة كان يريد التحقق من هويتنا وما اذا كنا جواسيس ام غير ذلك، شعرنا ان عمله في هذا المركز الصحراوي المنعزل كان يفرض عليه ان يقوم بهذا. ومع انه كان من الواضح له انه لن يعثر على شيء في النهاية الا انها كانت اوقاتاً مسلية تلك التي كان يتعقبنا فيها هؤلاء الناس، ولكني لم اشعر بالخوف على الاطلاق، بالعكس فقد كانت تجربة ممتعة لا بسبب وجودنا في بلد يكن العداء لبريطانيا وانما لانك لا تقابل الكثير من الاجانب هناك وكنتيجة لذلك تلقى استقبالا، حاراً من قبل المواطنين، وجميعهم كانوا يتعاطفون معنا بسبب تنقلنا طوال الرحلة على ظهور الجمال حتى انهم لم يصدقوا ذلك لانهم يرتحلون بالسيارات هذه الأيام. ـ هل تمثل مغامرتك تحدياً مادياً ام تحدياً روحياً؟ ـ لقد بدأت هذه المغامرة بالتحدي المادي واستغرق التفكير فيها ست سنوات ولعدة سنوات لم اتمكن من تنفيذ الفكرة بسبب ارتباطاتي العملية وتفكيري في انها غير عملية وكنت اتساءل احياناً عما اذا كنت سأقوم بها في يوم من الأيام. وعندما بدأت خاصة في الايام الاولى كنت اشعر بأنها مرهقة فعلا لانك لم تتعود على قطع هذه المسافات الطويلة سيرا على قدميك وبشكل يومي وان تقطع عشرين ميلاً في اليوم هذا امر عادي لكن ان تفعل هذا الشيء كل يوم وان يتراكم شعورك بالتعب فتجلس لتستريح وتعود الى المشي بسرعة.. لقد كنا نعاني في الاساس مما يعرف بانعدام اللياقة البدنية.. وكنا قد تجاهلنا نصيحة «مايكل اشر» بخصوص اللياقة البدنية اللازمة للقيام برحلة من هذا النوع وبدأنا الرحلة ونحن نعاني من الزيادة المفرطة في اوزاننا وقلة اللياقة البدنية، وكنا ندخن ايضا وقد دفعنا في البداية الثمن غالياً. لكن هذا الوضع سرعان ما تغير وبعد اسابيع قليلة استعادت اجسامنا لياقتها وبدت مسافة العشرين ميلا تافهة، ثم زادت لتصل الى خمسة وعشرين وثلاثين ميلا لقد عودتنا الرحلة على النوم والاستيقاظ باكراً لنبدأ يوما اخر من العمل كما عودتنا على هذا الايقاع. اما التحدي الروحي فقد تمثل في مغالبتنا الشعور بالضجر، فبقدر ما كانت الاراضي الساحلية مثيرة وممتعة للنظر كنت لا تجد ما تقوله لرفيق رحلتك، وانتما تقطعان الاراضي السهلية المنبسطة، كانت شديدة الحرارة، وكنت تشعر بالجوع وانت تسير فيها، ولذلك كنت تفكر في الاستمتاع بما حولك وبالرحلة في حد ذاتها. وبالتالي فقد كان هناك نوع من التحدي الروحي، كما اعتقد. ولكننا على اي حال كنا نقرأ الكتب ونلعب وندخن كثيرا ونتحدث الى بعضنا. وكان هناك مجال للتسلية وكنت اشعر بالسخط اثناء استماع زميلي الى جهاز الراديو فقد كان يباشر العمل فور استيقاظه في الصباح بنشرة اخبار عن أسواق المال وأشياء اخرى وكنت مقتنعاً بعدم الرغبة في سماع مثل تلك الاخبار كنت اقول له: «لا اريد ان اعرف عن هذه الاشياء، شكراً». ـ هل كانت للأهمية التاريخية للواحات التي قمت بزيارتها والطريق الذي سلكته القافلة اثار تحويل الرحلة الى شيء اكثر ثراءً؟ هل شعرت بالالم لدى اكتشافك ان اول واحة وطئتها قدماك كانت في الاساس مكبا للنفايات؟ ـ نعم، كان لها اثر كبير، لقد درست التاريخ في الجامعة، ولم اجد متعة في الانطلاق على ظهور الجمال والارتحال في الصحراء وكنت اهدف من وراء رحلتي تلك تحقيق امرين، اولهما اقتفاء اثار قوافل التجارة القديمة والوصول الى الاماكن نفسها التي وصل اليها اوائل المستكشفين الذين عبروا الصحراء الكبرى. ومن الواضح ان هذا ينسجم مع الرسالة التي كان يقوم بها بعضهم لان الكثيرين منهم كانوا ينظمون حملات ضد الانشطة اللاانسانية التي كان يقوم بها بعض التجار، ومن هؤلاء «جيمس ريتشارد سون» ولاشك في ان شيئا كهذا سيكون على جانب كبير من الاهمية. ولان هذه الاماكن كانت تتمتع بسمعة تاريخية ممتازة فقد كنت اشعر بالحزن لأنني اغادر غدامس ولانه لم يتبق الا القليل من ذلك التاريخ. لكن غدامس مكان رائع على اية حال واعتقد بأنها احدى الواحات الفريدة الموجودة في «الصحراء» وهي المكان الذي تمت المحافظة عليه الى الان. صحيح انه مكان يخلو من مظاهر الحياة لان سكانه اجبروا على النزوح الى اماكن اخرى تقام فيها بيوت حديثة جاهزة خارج المدينة القديمة لكنه مازال محتفظاً بطابعه المعماري الفريد الرائع. ان عمر غدامس يتجاوز الفي سنة او خمسة الاف سنة وما ان تغادرها الان حتى تشعر بأنه لم يبق منها الا القليل. وفي مرزوق لا توجد مدينة قديمة وكنا نريد ان نرى قبر «ريتشي» الذي تحدث عنه ريتشارد سون، لكننا سمعنا فيما بعد ان الجرافات ازالته وهو ما جعلنا نحس بخيبة الامل لكن زيارة هذه الاماكن شيء عظيم في حد ذاته لان احداً لم يزرها من قبل، وعلى وجه الخصوص «بزيما» لقد عرفتها من خلال الوصف الذي كتبته «روزيتا فوربس» التي وصلت اليها في سنة 1921 ثم اتضح لي بعد ذلك انه وصف دقيق، صادق، ففي وسط واحة رائعة الجمال مزدانة بالبحيرات الواسعة واشجار النخيل والصخور التي تنهض من الكثبان الرملية تأخذك روعة المكان. ـ لقد كان كتابك صدى مسليا لتجربتك فما هي اهمية الاحتفاظ بروح المرح والفكاهة في مثل هذه المغامرات؟ ـ اعتقد انها ضرورية، كما ان السفر مع «ند» كان قد جعل هذا امراً اكثر سهولة، ولو كنت اتنقل انا والدليل والجمال، فلن يتحقق هذا بالقدر المطلوب، حيث لن تزيد نكاتنا على الاشياء الخاصة بالعمل، مثل اطعام الجمال ورعايتها والدخول في حوارات قصيرة مع الدليل حول سيرته الذاتية. ولهذا السبب فإن السفر مع صديق قديم مثل «ند» يكون ممتازاً لانه يتمتع بروح النكتة ولذا فقد كنا نمضي الكثير من الوقت في تبادل النكات والمداعبة مع بعضنا ومع الدليل مع الجمال ففي مثل هذه الرحلات الطويلة التي تتشابه في نظرك ايامها اذا كنت لا تتمتع بهذه الروح فإن ذلك يعني حرمانك من الشعور بالراحة والتسلية. ـ قلت ان عواطفك كانت متأججة اثناء الرحلة. كيف تمكنت من الاحتفاظ بتلك الرؤية الى الاشياء حسب اهميتها الصحيحة؟ ـ أعتقد انك كلما انفصلت عن الاخرين فقدت هذه الرؤية. انك تنهمك في التعامل مع حياة الصحراء او في الرغبة في تجربة كل شيء من الالف الى الياء. واتصور ان مشاعرنا كانت ممغنطة وكانت تصعد وتهبط في حركة لولبية. واذا التقيت ذات يوم بأناس ينتمون الى المكان ثم قاموا بمساعدتك فإنك تكون قد حققت اموراً كثيرة. وما عليك في ذلك الوقت الا ان تدرك جيدا انك ربما كنت تقوم بتلك الرحلة الى ذلك المكان فحسب بينما هناك اناس يعيشون في هذا المكان ويعانون من صعوبة ظروف المعيشة فيه. لقد قمنا برحلتنا ولاشك بأننا كنا من المحظوظين لاننا تمكنا من القيام بها ولذا فمن الواجب علينا كرحالة مرفهين ان نتعامل بحذر مع السكان المحليين لانهم يسهلون مهمتنا لكونهم اناسا طيبين يرحبون بالاخرين، انهم اناس كرماء. ان ذلك من الامور التي يذكرها «ليون» في كتابه الذي يتحدث فيه عن الوقت الطويل الذي يستغرقه تبادل التحية فيما بينهم. انهم لا يزالون كذلك الى اليوم، كما انهم اشخاص ودودون مسالمون وهو ما يذكرني ايضا بما قاله «ثيسجر» من اننا لا نعرف حسن الضيافة وانه يتوجب على اي عربي يزورنا ان يعرف ان هذا لا يعني عدم احترام الاخرين وان ما يعنيه هو اننا لا نعرف شيئاً يسمى حسن الضيافة ولا نتعامل به مع بعضنا. وهذا ما لن يتمكنوا من فهمه لان العرب يستضيفون الغرباء في بيوتهم ويطلبون منهم البقاء معهم اطول مدة ممكنة ويرفضون اي مقابل مادي للطعام والاقامة على الرغم من ان ظروف احدهم المادية قد تكون في غاية الصعوبة. ـ الى اي مدى تلتقي هذه الرحلة مع توقعاتك؟ ـ لقد كانت الرحلة الافضل في حياتي ومازالت وهي الرحلة التي لا يمكن مضاهاتها، وربما كنت قد قللت من جاذبيتها في هذا الكتاب الذي يتحدث عن الصحراء وعن سحر المكان وروعته. ان ايقاع الحياة في الصحراء يمنحك بشكل او بآخر الشعور بأنك انما تعود الى الطبيعة بمعنى ان تأكل متى احسست بالجوع لا ان تلتهم وجبات سريعة وتمضي وليس اجمل هناك من وجبة الغداء، تأكل ما تحتاج اليه ولا يوجد منه الكثير بينما يتوجب عليك ان تتحرك وان تعمل. والواقع هو انني لم اتحدث كثيراً عن المناظر الطبيعية المختلفة لانني كنت مشغولاً بالتفكير في الناس فيما كانت الصحراء بالنسبة لي هي الكثبان التي تغطي مساحة محدودة فقط بينما هناك مناظر طبيعية متعددة لم يتطرق الى الحديث عنها او زيارتها احد. صحيح انك تمر في طريقك بأماكن مرصوفة معدة لمرور السيارات لكن وعلى الرغم من ذلك يداهمك الشعور بالتوحد وهو شعور صعب. لقد استمتعت بالتنقل بالاساليب التقليدية القديمة فقد كانت علاقتي بالدليل وكان اكتسابي مهارات جديدة كقيادة الجمال بمثابة المكسب او المكافأة. وفي البداية كانت الجمال تتوجس منا وكنا نخافها لانها بالطبع حيوانات جسيمة تستطيع ان ترفسك او تكسر ساقك وبمرور الوقت وعندما تعودنا عليها وكان ذلك لدى وصولنا الى واحة الكفرة اختلفت العلاقة بيننا. لقد كانت تلك العلاقة مجزية في حد ذاتها. انها تجربة مازلت اعيشها ومازلت اشعر بأنها تجاوزت توقعاتي. ومازال يراودني الحنين الى الصحراء لقد افتقدتها منذ اللحظة التي غادرتها فيها. مريم جمعة فرج