بيان الكتب: يدرك الذين يحركون خيوط قضية «الوجود السوري» في لبنان ان القضية تكمن في تدافع مصطلحين أحدهما ثوري والآخر اقتصادي، ففي الوقت الذي ترى فيه دمشق انه «لا صوت يجب ان يعلو على صوت المعركة» وهي طبعاً مواجهة العدو الاستيطاني الخطير، يذهب المنادون بالانسحاب السوري إلى تجاوز هذه اللغة الثورية، وبالتالي رفع شعار «انهم يأكلون خبزنا» وأمام التوجهات العالمية التي يغلب فيها طابع الاقتصاد، يصبح من الصعب الاقناع بشعارات الثورة والمعركة المصيرية. بهذه الكلمات يقدم الباحث اللبناني رمزي ديشوم كتابه الجديد « الذراع التي تلبس القميص كله حقيقه المطالبة بإنهاء الوجود السوري في لبنان » حيث يطرح أسئلة مهمة من قبيل من يحرك القضية ومن يتحرك بها ولماذا؟ فلبنان لا يأخذ مسماه الحقيقي إلا كما هو في الواقع بألوانه وتبايناته وتنوعه وحين نريد قصره على لون معين يموت، لأنه بقية الألوان في جسده وحين تلغى هذه الأطراف لن يبقى غيرها. ويرى الباحث اللبناني أنه بالقدر الذي كانت فيه الطائفية في لبنان تفرق فإن الجوع يوحد، لذلك بدأ ظهور الرهانات على ان المطالبين بالرحيل السوري لا يعبرون فقط عن طائفتهم بقدر ما يعبرون عن مجموع الشعب اللبناني الذي يفقد قوته أمام منافسة أو حرمان فرضه وجود الملايين من السوريين في لبنان جيشاً وعمالة. فهذا الخطاب الاجتماعي يخفي ولا شك في أعطافه مآرب سياسية وطائفية كثيرة وخطيرة، غير ان الشعب البسيط لا يمكن ان يفهم ازدواجية الخطاب، كما لا يترك الخطاب الذي أمامه للبحث عن الخطاب الذي لم يلق إليه. ويؤكد رمزي ديشوم في كتابه الجديد ان رفع طائفة ما لشعارها الطائفي لا يمكن إلا ان يثير غيرها من الطوائف ضدها، وبالتالي فإن حربها لن تكون مع «الوجود السورى» ولا مع «النظام» اللبناني بقدر ما تكون مع الطوائف الأخرى التي ستدفعها الاثارة والنخوة الطائفية إلى الاستجابة للاستفزاز الطائفي وبالتالي «المواجهة»، لذلك يحرص «صفير» ومشايعوه على إعطاء المطالبة بالانسحاب السوري طابعها الوطني وهو ما يبعده عن مواجهة الطوائف الأخرى في إثارة حساسيتها ويجعل فقط في مواجة السوريين والنظام اللبناني. فأمام سلبية أو استرخاء الحس الطائفي غير المشار عند الطوائف الأخرى سيتمكن المطالبون برحيل السوريين من أحد أمرين أولهما حشد مجموع الشعب أو غالبيته للوقوف صفاً واحداً تأييداً لهذا الطلب في حين يتمثل الأمر الثاني في عزل النظام والوجود السوري والاستفراد به أمام سكوت شعبي «متفرج» وبالتالي امكانية الضغط آنذاك بورقة «السكوت علامة الرضا» وذلك بالتحدث باسم مجموع الشعب الصامت. والحقيقة ان الأيام الماضية كانت قد شهدت حديثاً عن لبنان الذي يقف على فوهة البركان نتيجة لتنامي الحس الطائفي، مما يجعله في وضعية شبيهة بوضعية عشية تفجر الحرب الأهلية سنة 1975، وذلك ليس سوى تقدير خاطئ للموقف لأن الحرب الأهلية تستدعي وجود أطراف عدة متناقضة الأهداف والرؤى والتقديرات لحدوث المواجهة، ففي لبنان الآن ليس هناك تحفز طائفي عند مجموع الشعب، ولا يمكن اعتبار التصريحات النخبوية أو الفردية موقفاً شعبياً على حد تعبير الباحث اللبناني. فالقارئ الجيد لصور الحدث يمكن ان يلاحظ ان الخطاب الثوري قد بات فاقداً لتأثيره أمام الخطاب الاقتصادي والاجتماعي الذي يجد انتشاراً وقبولاً، لذلك يلاحظ اختلال توازن الاقناع حتى في الموائد المستديرة بين من يعزف على مصطلح الثورة والمواجهة مع اسرائيل وبين من يبرز الوضع اللبناني المتردي من جراء «الوجود السوري»، فالمشكلة ليست مشكلة المصطلح بذاته بقدر ما هي مشكلة مركبة من عدة مشاكل. وفي فصل «الضعط على الطائفي بالاقتصادي» يرى الباحث والمفكر اللبناني «رمزي ديشوم» انه ليس من اللازم ان نطلب من سوريا ان تكون دائماً كبش الفداء، أو اليد التي تعطي فقط، إذ ان اللبنانيين يحفظون لسوريا جميلها التي تراها هي واجباً فيما ينعمون فيه اليوم من الأمن. ومن ذلك الوقت وسوريا تدفع في لبنان الكثير، ومن ذلك دماء أبنائها التي سالت لتحقن دماء اللبنانيين، ولئن كان هناك مبرر يدعو لبنان إلى تدخل سوريا أو استبقائها بعد ذلك فهو هذه النعرات الطائفية التي يحركها بعضهم بين الحين والآخر، والكثير من اللبنانيين اليوم يفضلون ان يقاسمهم السوريون لقمة خبزهم على أن يموتوا أو يفقدوا أمنهم في حرب أهلية أخرى. كما ان الشعب اللبناني يدرك جيداً أو يجب ان يدرك ان المطالب الطائفية المشبوهة لن تقف عند حد المطالبة بإنهاء الوجود السوري في لبنان، بل ستستمر في لعب أوراق أخرى بعد استفرادها بالنظام، وهو ما سيجعل نشوب حرب أهلية في غياب التدخل السوري أمراً ممكنا جداً. بالمقابل تدرك سوريا اليوم تماماً كما يدرك معظم الشعب اللبناني وحكامه ان المطالب بالانسحاب ليس سوى مجموعة معينة وليس من العجيب ان يصدر عنها مثل ذلك المطلب أبداً لاعتبارات عدة، فالذي استدعى الوجود السوري هو الحرب الأهلية التي أثارها استفزاز المعطى الطائفي والاحتقان الذي سببه ذلك، واليوم بتزايد المطالبة المحصورة من طرف مجموعة ما من اللبنانيين ورفض مجموعات أخرى لهذا الطلب من اللبنانيين ذاته مثل ما كان من أمر حزب الله.. يكون الأمر متجهاً نحو الانفجار وهو ما يستدعي الوجود السوري ويرجح كفة المطالبين ببقائه، إذ ليس في مصلحة سوريا سياسياً ولا أمنيا ولا استراتيجيا ان يحدث في لبنان ما حدث من قبل، لذلك لا يمكن التفكير في لبنان محتقن بدون الوجود السوري، ذلك لأن لبنان ليس بلداً منعزلاً ذاتي المصالح والمضار. ويقول الباحث اللبناني في كتابه الجديد «الذراع التي تلبس القميص كله»: ولئن كان البعض قد يرضى بحماية اسرائيلية أو فرنسية بدل الوجود السوري ويرى ان الخطر الاسرائيلي لا يتطلب دخول سوريا فإن ذلك له، لكن يجب عليه ان يفهم ان اللبنانيين يرون ان قتال اسرائيل أوجب الواجبات الدينية والقومية وآنذاك فما لا يتم الواجب إلا به «وهو الوجود السوري» فهو واجب.. ومن هذا التباين في تقدير المعركة لا يمكن الحديث عنه رأي لبناني موحد في الأمور التي لا يمكن ان يجري فيها الخلاف، وآنذاك لا يمكن الحديث عن لبنان آمن، ومن ثم عن لبنان بدون وجود سوري. فلبنان بدون وجود سوري أمر يتطلب عدة واجبات أو التزامات أو ضمانات بينية داخلية، ثم بينية دولية بين لبنان وسوريا. ويؤكد رمزي ديشوم ان الارتباط بسوريا معناه الالتحام بجبهة المعركة الدائرة ضد اسرائيل، وقد أبرزت نهاية عملاء اسرائيل اللحديين بعد تحرر الجنوب ان أي حركة انفصالية ليس سياسياً أو جغرافيا بل في خوض معركة المصير سيكون وبالاً لأن اسرائيل ليست ولن تكون مستعدة لحماية أشياعها، ولئن كان قدر الأمة العربية والإسلامية ان تخوض حربها ضد اسرائيل إلى آخر نقطة فإنه من قدر كل طوائف المنطقة ان يخوضوا هذه الحرب مهما كان.. لأن الحرب لا تعني سوى أحد موقفين «في وجهي» أو «إلى جانبي». وعن حكومة الظل يرى مؤلف الكتاب الجديد انه في لبنان لا يمكن تجاهل ظاهرة حكومة الظل التي يقودها زعماء الطوائف أو رجال الدين والتي تعطي صورة عن هشاشة التكينن السلطوي حتى ذلك الذي حصل عبر عمليات انتخابية، إذ ان هذا التكينن يصبح مجرد مؤسسات دستورية صورية فاقدة لشعبيتها، فهذه الظاهرة تستدعي الملاحظة الدقيقة والتي يمكن من خلالها ان ندرك الدور الذي يلعبه مجموع الطوائف في الانتخابات، وبناء مؤسسة الدولة وهو دور قائم على «الحدثية» فهذه الحدثية هي أن يتحرك الشعب في الانتخابات مثلاً ظرفياً ليدلي بصوته بانتخاب أشخاص لتمثيله صورياً، في الوقت الذي تعتبر بيعته معقودة لزعماء آخرين دينيين، طائفيين يمارسون التحرك الفعلي المتواصل وفق قيادتهم له، وهذا لا يسمى تعدد ولاء، لأن هناك فرقاً بين التمثيل والولاء، فالتمثيل الصوري لا يعني شيئاً أمام الولاء الديني أو العرقي، وآنذاك فالقضية محسومة. كما ان تغييب الدولة المحلية معناه استدعاء عنصر خارجي يتطلب ايجاد الاستقرار ومصالح الناس وأمنهم تدخله، لذلك فأبناء لبنان مقتنعون ان سوريا تعد صمام أمان في لبنان ومتى تركوا لأنفسهم ولذاتهم فإن واقع الحكومات الكثيرة التي تعمل بالموازاة مع الحكومة المركزية ستجد في ضعف الحكومة المركزية فرصة لتجسيد شبه استقلال في مناطقها، وستعمل في ظل هذه الاستقلالية على خصخصة أنظمتها الداخلية وعلاقاتها مع أطراف خارجية وهي أمور قد تؤثر في الاستقرار العام ليس للبنان طبعاً لأن ذلك حاصل بمجرد هذه الاستقلالية المتعددة في اطاره بل للاقليم كله، وهو ما يؤثر سلباً على إدارة الصراع مع العدو الرئيسي للأمة وهو اسرائيل ويعيد إلى الأذهان معاهدة الطائف في عام 1989م والتي تقضي في فصلها الرابع والأخير بأنه يقتضي عدم جعل لبنان مصدر تهديد لأمن سوريا وسوريا لأمن لبنان، في أي حال من الأحوال وعليه فإن لبنان لا يسمح بأن يكون ممراً أو مستقراً لأي قوة أو دولة أو تنظيم يستهدف المساس بأمنه أو أمن سوريا وأن سوريا الحريصة على أمن لبنان واستقلاله ووحدته ووفاق أبنائه لا تسمح بأي عمل يهدد أمنه واستقلاله وسيادته. وعن البرجوازية السياسية يؤكد الباحث اللبناني رمزي ديشوم ان الثقافات يمكن ان تتعايش لأنها أفكار وقيم وأخلاق ولن تعدم القيم والأخلاق والأفكار وسيلة للتفاهم فيما بينها، لكن حين تتحول هذه الثقافات إلى خلفية وقواعد لتسننات سياسية، فثم يكمن الخطر لأن السياسية تستدعي التمايز كون الفوز لا يصح إلا لواحد أو لبعض من المتنافسين، لذلك لا يحتمل الأمر فوز الجميع أو ألفة الجميع قبل ذلك وبعده، ومن هنا يتحرك صاحب الطموح السياسي للعزف على وتر الطائفية لحشدها خلفه ومن ثم تلتقي إرادتان أو نيتان أودافعان على الحرية نية ودافع الشرائح التحتية في الطائفة والتي انطلقت من طائفيتها ونية ودافع رؤوس الطائفة ذوي المطامح السياسية والذين انطلقوا من طموحهم ومآربهم، لكن المسارين رغم تباين دوافعهما إلا انهما يلتقيان ، ثم يستفيد الزعيم من حركة طائفته التي أبرزته كلمة يحسب لها ألف حساب سياسيا وتستفيد الطائفة من حركة زعيمها اشباع غرورها واحساسها بأن لها ثقافتها المتميزة وكلمة قالتها وفرضت على الآخرين أن يسمعوها. غير ان الواضح هنا ان ظاهرة مثل هذه ستكون فيها عناصر طموحة متنافسة ومن ثم يظهر التدافع على الزعامة بين الرؤوس الطموحة من أبناء الطائفة ذاتها وبالتأكيد لن يكون الحسم في صالح الجميع لأن الزعامة المطلقة والمرجعية لا تحتمل أكثر من شخص وآنذاك إما ان ينضوي الآخرين تحت لوائه ويسلموا له بكونه المرجع أو ان ينشقوا عنه وآنذاك إما ان تنشق الطائفة تبعاً لذلك لتعدد الولاءات فيها بتعدد الرؤوس والزعامات ومن ثم يقضي الطموح السياسي على الطائفة، وإما ان تبقى الطائفة موحدة وراء الزعيم، المرجعية وليصبح بقية الزعماء حالات فردية لا تقول بما يقول المرجع وقد تقوم بالانضمام إلى صفوف فكرية أو سياسية أخرى. وتحت عنوان «هل سوريا تحتل لبنان» كتب رمزي ديشوم مؤكداً في كتابه الجديد ان الوجود السوري في لبنان وجود عسكري لمصلحة البلدين، وهو وجود عسكري يتطلبه استقرار لبنان وأمن سوريا. أما الدخول في متاهات اهتمام سوريا بكل نتائج انتخابات لبنان، وبأن يكون لها ممثلون تزكيهم فهو دليل على أن سوريا ملتزمة باللعبة وفق ما هي جارية في العالم برمته، وكيف لا تهتم سوريا بنتائج الانتخابات اللبنانية ولبنان ذاته بل والعرب كلهم يسهرون ليلة الفرز في الانتخابات الاسرائيلية مهمومين بمن سيفوز؟ الليكود أم العمل؟ لأن مصالحهم وأمنهم متعلق به بل ان عرب اسرائيل يعملون أحيانا على دعم مرشح ما على آخر ليس حباً فيه ولا لأنه «زلمتهم» فقط، بل لأنها اللعبة العالمية التي لا تتأخر دولة ما لها مصالحها الاستراتيجية في ممارستها. وفي المجال الاقتصادي أقدم لبنان مرات عدة على قرارات عدة لتحقيق الاقلاع الاقتصادي أو إحداث نمو من شأنها المساس بالاقتصاد السوري ومن ذلك تخفيض الضرائب والرسوم الجمركية أمام الواردات كخطوة لإدماج لبنان في الاقتصاد العالمي والتجارة الحرة وخصخصة المؤسسات، فهذا القرار يمس الاقتصاد السوري في الصميم لكن سوريا لم تتدخل يوماً بالقوة لتفرض على لبنان وصفة اقتصادية ما. أحمد أبو الحسن