بيان الكتب: الرحالة الغربيون يقولون ان العرب كرماء وطيبون، وليس حاتم الطائي من قال وفعل ذلك! هذا المدخل ضروري لنقول مرة ثانية ان كتابة التاريخ الخـاص بنا يتـولاها الاخـرون ، وها هو كتاب جستين ماروزي «جنوب باربري» يؤكد ذلك ثانية، فقد زار الكاتب ليبيا وتوغل في صحرائها وكتب عنها كتابه الذي نعرضه في صفحتي الوسط ونترجم ايضاً حواراً اجري مع المؤلف مؤخراً حول نفس الكتاب. يتحدث ماروزي عن المنطقة بعقلية السائح الذي يأتي من حضارة متقدمة الى بلد صحراوي، لديه مشاكل مع امريكا ـ ليس مع الامم المتحدة ـ وهذا يعني ان هذا البلد العربي يُشكّل لغزاً بالنسبة لكاتب مثل ماروزي وما سيقوله لاحقاً في كتابه سيكون مرجعاً لامريكا وغيرها لدراسة وتقرير حالة الشعوب المخلفة ومن ثم اختيار ما يناسبها من عقوبات لتركع وتخضع للكاوبوي سام. كتاب ماروزي واحد من تلك الكتب التي لا تتحدث عن تاريخ او حقائق تاريخية، انه كتاب مشاهدات، اقصى ما فيه جُمل بصرية التقطها الكاتب ووضعها في كتابه بطريقة من يتعامل مع الظواهر المرئية والملموسة وليس مع قضايا اجتماعية عميقة او حيوية. طبعاً لا يمكن لوم ماروزي على ذلك فهو كاتب مسفار يكتب عن ليبيا كما يكتب عن تشاد او نيبال او غيرهما وليس مطالباً ان يكون قاضياَ او محققاً يكشف الجناة ويزجهم في السجن لكن اللوم يقع على الانسان العربي ذاته الذي يترك شأن الكتابة والتعريف بوطنه الى الآخرين معتقداً ان مسائل كهذه غير مجدية او ليست مهمة كونها معروفة له ولغيره من العرب! ان التوجه الى الآخر بلغته ومخاطبته عبر اقنيته ذاتها يعطي لأصحاب الحق فرصة كبيرة في فهم الآخر لقضاياهم ومشكلاتهم، وهذا ما يجب ان يكون عليه الحال عندما تجور دولة كأمريكا على بلد عربي او بلد مسالم، فتحاول ان تلصق به التهم من موقع هذا هو عدو بلادنا، قاتل وارهابي ومنغمس في الملذات ولديه الكثير من المال! تلك هي الصورة التي يرسمها الآخر لنا ويقدمها للعالم ولأبناء شعبه فيكرهوننا ونتحول في نظرهم الى فزاعات وتصبح رؤوسنا مطلوبة احياء او امواتاً. لقد ادركت جميع شعوب العالم ان الحرب الدبلوماسية تحتاج الى تمهيد ابتدائي أوله أن يعرف الآخر من هي تلك الشعوب ولماذا تختلف مع امريكا وليكن ذلك بلغة الولايات المتحدة نفسها وعبر وسائل اعلامها وفي كتب في مكتباتها وليس بالصمت او التنديد او استجداء مواقف الاصدقاء في المحافل الدولية لدعم قضايانا. كتاب ماروزي لا يقدم وجهاً سلبياً عن ليبيا، بل على العكس يقدم وصفات جمالية استعذبها الكاتب، كان الاحرى ان يكون الكتاب بقلم عربي قلباً وقالباً وفيه حقائق الماضي ورهانات الحاضر وآمال المستقبل. حسين درويش