رجال مضربون ومحطمون. وليس هناك وصف أكثر استقطابا من هذا على خطوط التماس في الحرب بين الجنسين في أمريكا. لقد بات وجود رجال كهؤلاء في أمريكا تعرضوا للضرب والاعتداء الجسدي أحادي الطرف من نسائهم من الأمور المسلم بها والكل يؤكدها. أما كافة النواحي الأخرى للموضوع، بما في ذلك عدد الرجال المعتدى عليهم جسديا ومدى خطورة المحنة التي يتعرضون لها فهي موضوع جدل حاد. ويستشهد المدافعون عن الرجال المضطهدين بدراسات أكاديمية تشدد على أن النساء مع أنهن يستأثرون بالنصيب الأكبر من الخدمات المخصصة لدعم ضحايا الاعتداء الجسدي، لسن أقل ممارسة للعنف المنزلي من الرجال. وتتحدى هيئات نسائية والعديد من خبراء العنف المنزلي النواحي الرئيسية البارزة لتلك الدراسات. وتصر على أن احتمال التعرض للصدمات هو أكبر عند النساء مما هو عند الرجال. وتقول بوني كامبل التي كانت رئيسة المكتب الفيدرالي لمكافحة العنف ضد النساء في عهد الرئيس السابق بيل كلينتون: «هل تمارس النساء الاعتداء بالضرب؟ حتما. ولكن ليس كثيرا». وتضيف كامبل: «كلما أحرزنا نجاحا كمجتمع في إبراز العنف الممارس ضد النساء كلما تعرضنا للردات. واعتبر الكثير من هذا الكلام عن الرجال المضروبين جزءا مهما من هذه الردود». وتشعر كامبل والعديد من الناشطات في هذا الميدان بالاعتزاز بالشوط الكبير الذي تم قطعه خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية على صعيد تنمية الوعي بالعنف المنزلي الذي تتعرض له النساء. غير أن المدافعين عن الرجال يقولون ان الجمعيات النسائية عملت على تسييس الكثير من البرنامج، برزنامات عمل ضد الرجال. وقال فيليب كوكس، مؤلف كتاب «الرجال المضطهدون: الجانب الخفي للعنف المنزلي»: «إن ما نشهده هو تمييز جنسي برعاية الحكومة». ويضيف كوكس: «كان تركيز الخدمات والتوعية بالعنف المنزلي على النساء بالدرجة الأولى في السبعينيات والثمانينيات عملا مناسبا. والآن حان الوقت لتسليط بقية الأضواء على خشبة المسرح لنرى من يوجد هناك غيرهن». في ولاية مينسوتا أقامت جماعة رجالية دعوى أمام المحكمة الابتدائية طالبة إلغاء «قانون النساء المضروبات» في الولاية بداعي انه متحيز للرجال. وتصر كاثي يونج الكاتبة والمعلقة التي كثيرا ما تنتقد المنظمات النسائية أن الموظفين في الكثير من المآوي النسائية يركزن جهودهن على تنمية الوعي النسائي بدلا من التركيز على الخدمات العملية المجدية. وتضيف يونج: لا يخفى أن هناك حالات اعتداء بالضرب يمارسها الرجال من طرف واحد، وأحيانا يحدث العكس، وفي الكثير من العلاقات تقع حوادث عنف متبادل ولا يمكن توجيه اللوم فيها إلى طرف واحد، وهذا يشكل خطرا على سياسات قائمة على توجيه اللوم في كل شيء إلى الرجال. إن محاولة وضع احصاءات على أساس الجنس لأعمال الضرب في المنزل أمر صعب، وبوسع الناشطين في كل طرف من الجنسين الاستشهاد بدراسات وأبحاث تدعم آراءهم. وقد ذكرت دراسة نشرتها وزارة العدل في السنة الماضية بالتعاون مع مركز مراقبة الأمراض والوقاية أن ما يناهز المليون ونصف المليون امرأة و835 ألف رجل في أمريكا يتعرضون للاعتداء بالضرب سنويا من قبل «شريك حميم أو زوج حالي أو سابق أو صديق أو صديقة». إلا أن التقديرات التي جاءت في الدراسة التي حملت اسم «الدراسة الوطنية للعنف ضد النساء» واستندت إلى 16 ألف مقابلة لا تتطابق بالضرورة مع عبارة «مضروب» أو معتدى عليها بالضرب. فالاعتداءات تتضمن حوادث مفردة وأعمال دفاع عن النفس أو رد بالمثل. وكان ريتشارد جيلس خبير النزاعات العائلية في جامعة بنسلفانيا بين الخبراء الذين استنتجت دراساتهم في الثمانينيات ان النساء والرجال يضربون بعضهم البعض بأعداد متساوية خلال الخلافات العائلية. واشتكى جيلس لاحقا ان استنتاجاته قد أسيء استعمالها للإحياء زيفا ان عدد الرجال المعتدى عليهم بالضرب يساوي عدد النساء المضروبات. وهو قدر ان مئة ألف رجل يتعرضون لأعمال عنف من هذا النوع مقابل مليوني امرأة على الأقل سنويا. واليكم بعض الاحصاءات الأخرى: كانت نسبة النساء اللواتي تم اعتقالهن إثر وقوع أعمال عنف منزلية في ولاية وست فيرجينيا 15% حسب آخر الاحصاءات الحكومية. وفي كاليفورنيا بلغت النسبة 16% في 1998. بالنسبة للرجال من أمثال دايف نيفرز وجيد روبيك اللذين اتخذا قرراً غير اعتيادي بالحديث علانية عن الاضطهاد الذي تعرضا له خلال حياتهما الزوجية، ينبغي أن يتركز الجدل حول الانصاف اضافة إلى الأرقام. ويقول روبيك (28 سنة) انه تعرض للكثير من الاعتداء الكلامي والجسدي خلال زواجه الذي دام سنتين في مطلع عشريناته وانه في احدى المرات استعمل الهاتف للاستنجاد بمأوى لضحايا العنف المنزلي في يوجين بولاية أوريجون. ويضيف: «أظن ان المرأة في الطرف الآخر من الخط افترضت انه ينبغي أن تتعامل مع الأمر كمزحة ولكنني لم أكن أمزح. وكانت لطيفة معي وأبدت تفهما لوضعي ولكنها لم تعرف ماذا ينبغي أن تفعل». ومنذ ذلك الحادث أسس روبيك منظمة تدعى «أوقفوا الاضطهاد للجميع» وتعنى بمد يد العون للرجال الذين يتعرضون للعنف المنزلي. وهو يتمنى أن يتقبل المجتمع الرجال المعرضين لسوء المعاملة بصورة أكبر وتوسيع برامج المساعدة، مثل خطوط الهاتف الطارئة والاستشارات والخدمات المرجعية. وكشف نيفرز خبير الاتصالات البعيدة في هيلزويل بإيللينوي، النقاب عن انه أصيب بأضرار بليغة، منها الحروق والجروح وكسور العظام تطلبت نقله إلى المستشفيات مرات عديدة. وهو غاضب لأن المحكمة أعطت حق الوصاية على الأطفال لزوجته السابقة رغم شعوره بأن أدلة العدوانية بادية عليها. ويقول نيفرز: «إنني أواجه نظرات الدهشة لأنني رجل ضخم. أعتقد ان رجالا كثيرين تعرضوا للشيء نفسه ولكنهم لا يعترفون بذلك. موقع الرجال من هذه المسألة هو الموقع نفسه الذي كانت فيه النساء قبل 25 سنة». وتقول باتريشيا ايرلاند رئيسة المنظمة الوطنية للمرأة، إنها تستطيع أن تتعاطف مع الرجال الذين تعرضوا للاضطهاد على أيدي زوجاتهم. وتضيف: «لو كنت من الرجال الذين تعرضوا للضرب ولم يكترث بهم أحد فالأرجح أنني كنت سأغضب أيضا، إنك مهيض الجناح، وموضع سخرية من المجتمع وخدمات الدعم يصعب العثور عليها». ولكن إيرلاند تصر على أن النساء يتعرضن لحوادث العنف المنزلي أكثر مما يتعرض له الرجال، وتقول ان دعاة الحركات المناهضة للمرأة ومخططي السياسة قد «اختطفوا» الهموم المشروعة للرجال المعتدى عليهم بغية تسخيرها لأغراضهم السياسية الشخصية. ومن أكثر نواحي العنف المنزلي إثارة للجدل كيفية تدريب رجال الشرطة للتعامل مع مثل هذه الحوادث. ويقول الكاتب والمؤلف كوك ان رجال الشرطة والعاملين الآخرين في مجال العنف المنزلي يحتاجون إلى «صورة دقيقة ومتوازنة» لكي لا يفترضوا بصورة آلية أن اللائمة تقع على عاتق الرجال. وتبدي ريتا سميث، مديرة «الائتلاف الوطني لمناهضة العنف المنزلي» قلقا من التكاثر الواضح لـ«الاعتقالات المزدوجة»، أي الحالات التي يعتقل رجال الشرطة طرفي الخلاف إذا لم تكن هناك أدلة صارخة تضع المسئولية على أحد الزوجين. وتقول سميث: «إذا كان الرجل يحاول خنق المرأة وهي تخدشه لمنعه من المتابعة ـ ينبغي أن يكون هناك تمييز. إن الرجال يلجأون إلى العنف أكثر من النساء. وهذه حقيقة تكون خطرة إذا أهملتها الشرطة». وتزعم سميث أيضا ان بعض الدوافع وراء حركة الرجال المضروبين تأتي من رجال مارسوا الضرب وسوء المعاملة ضد شريكاتهم بأنفسهم وهم يحاولون أن يظهروا أن ثمة أكاذيب وتفسير خاطيء من قبل المدافعين عن المرأة. ويعتبر مري ستراوس عالم الاجتماع ومدير مختبر أبحاث العائلة في جامعة نيوهامشير أحد الخبراء الغارقين في الجدل. وقد أسفرت الدراسات التي أجراها قبل 20 سنة والتي انتجت أدلة على الكثير من حوادث العنف النسائية ضد الرجال، إلى «إلقاء الخطر» عليه من الحركات النسائية. ويقول سميث: «كنت أعتبر نفسي من المدافعين عن المرأة، إن التعرض لهجوم من الناس الذين أقف إلى جانبهم أمر مؤلم للغاية». ويضيف سميث انه لا ينبغي استخدام دراساته للايحاء بأن النساء لا يستحقن حصة أكبر من خدمات دعم ضحايا العنف. ولكنه يصر على معاملة الرجال بإنصاف حتى يتمكنوا من طلب المساعدة دون خوف والتعرض للتشكيك والسخرية. ويستطرد سميث قائلا: «العنف العائلي خطأ أيا كان مرتكبه ويجب أن يضع حد له. وإذا كانت النساء يردن أن تكون آمنات ـ بصراحة ـ يجب أن يتخلين عن العنف بأنفسهن أيضا. إنهن يعتبرن ذلك لوما موجها إلى الضحية، وأنا أعتبره واقعية».
