في أجواء يسودها الأمل والحماس والحيوية، تنشغل برلين في الوقت الراهن في تجديد نفسها لتتلاءم، وربما حتى تتخطى، كل الطموحات الألمانية والأوروبية. وفي الحقيقة أن البرلينيين يريدونها أن تكون عاصمة القرن الحادي والعشرين، كما كانت قبلها نيويورك في القرن العشرين وباريس في القرن التاسع عشر. برلين مدينة مميزة لا تقل في تعدد أوجهها ومظاهرها عن تعدد أوجه عمود المرايا في قبة نورمان فوستر الزجاجية بمبنى البرلمان الألماني الذي يعرف بـ«الرايخستاج». لقد عادت هذه المدينة مجددا لتكون العصب السياسي الرئيسي في البلاد (ليس حصرياً، لأن بعض الوزارات لاتزال في بون) وعلى صعيد آخر بدأت برلين تستعيد مكانتها الثقافية الطليعية أيضا. البعض يرى فيها مركزاً للموسيقى والفن الكلاسيكيين، فيما يعتبرها البعض الآخر ملاذاً بوهيميا استثنائيا. فالتسامح البرليني المشهور لايزال حاضرا هناك، ولذلك لا حرج من أي شيء. وبرلين لم تفتقد يوما لسبل الترف والرفاهية، واليوم تفتتح فنادق ومطاعم وحانات ومتاجر جديدة بإيقاع متسارع على جانبي جدار التقسيم القديم. ولاشك أن أفضل مكان يبدأ منه من يريد استكشاف برلين هو الرايخستاج. ففوق القاعة البرلمانية تنتصب القبّة الزجاجية فوق أسس راسخة قوية. والممشى الحلزوني فيها يعكس زي المدينة الموحدة الجديدة. وأكثر ما يثير الاهتمام، خصوصا للزوار الذين لم يأتوا إلى هنا منذ زمن الحرب الباردة، التغيرات التي حدثت في الجانب الشرقي في المدينة. والتسوق يتخذ طابعاً معقداً في برلين، حيث تنفرد كل منطقة بأسلوب خاص بها في التسوق. وعلى أي حال لابد لزائر المدينة من التجول في سوق «جندارمن»، وهو ميدان رائع الجمال تقبع فيه كنيستان قديمتان (الآن أصبحتا متحفين) تتوسطهما دار أوركسترا برلين وتحيط بالسوق من كل الجهات سلسلة من المقاهي التقليدية والعصرية التي ترضي جميع الأذواق. وتتجلى أمجاد الفخامة المعمارية في أبهى صورها على جانبي شارع «أونتردين لندن» الشهير، حيث تقع دار الأوبرا الألمانية «شتاتسوبر» ومقهى «أوبرن» الشهير وقصر «نويه فاخيه» والمتحف التاريخي الوطني بتماثيله المعبرة عن الماضي الألماني بشفافية تمس القلوب. لكن هذا كله لا ينسينا برلين الغربية القديمة، التي شهدت هي الأخرى قدراً كبيراً من التطور. ومن أبرز المعالم هنا البناء المدرع الذي يأوي مقر غرفة التجارة والصناعة البرلينية وسوق البورصة. وهناك أيضا حديقة الحيوان في تشارلوتنبورج، وهي مدينة ضخمة تتطلب من الزائر التحلي بالانضباط والدقة حتى يتسنى له تحقيق أكبر قدر من المتعة والفائدة في زيارته. فنادق برلين انتهجت طرازات متنوعة، فبعضها يوفر للزبائن فرصة العيش في ترف العصور المجيدة الماضية، فيما يتسابق البعض الآخر في تجسيد روح القرن الحادي والعشرين بجميع نزعاته التجديدية، وابتداء من الديكور وليس انتهاء بالتسهيلات التكنولوجية وخدمات المعلوماتية المتطورة التي يوفرها الفندق لنزلائه على مدار الساعة. ويفتخر فندق «أدلون» بموقعه في شارع «أونتر دين ليندن» ويتغنى بأصداء عصره الذهبي قبل قرن مضى، عندما كان أشهر فندق في المدينة. وتطل غرفه على بوابة براندنبرج التاريخية التي لاتزال شاهدة على أحداث الماضي، كما أن مطعمه «لورنس آدلون» يعتبر من أفخم المطاعم في برلين. وبالمقابل فإن فندق دورينت في ميدان «جندارمن» يعتبر بوابة الزائر إلى القرن الحادي والعشرين في ألمانيا. إن الأناقة العصرية المتميزة التي تشد المرء فور الدخول من بوابة الفندق تعطي العالم درسا في كيفية جعل اللون البني يبدو جميلا، وهو أمر ربما لا يستطيع القيام به سوى الألمان. وتلقى الفنون الكلاسيكية تمثيلا استثنائياً في برلين التي قطعت أشواطاً بعيدة في استعادة أمجادها الماضية أيام كانت الرئة الثقافية النابضة بالفن والجمال في ألمانيا. فهناك ثلاث دور أوبرا والعديد من المسارح الموسيقية التي اشتهرت بالأعمال المتميزة التي تقدمها على مدار العام. صخب الموسيقى وعراقة الفن وبهاء العمارة جميعها عناصر تذكر بتاريخ وحضارة هذه المدينة التي لن تمحى أصداء اسمها من ذاكرة الأوروبيين. لكن البرلينيين يسارعون للقول ان العشرينيات والثلاثينيات تسربت من ذاكرة برلين التي تبنت خط الاتجاه نحو العالمية. لقد كانت برلين في تلك الفترة مدينة خائفة متدهورة، أما الآن فهي حاضرة تسودها الطمأنينة ويعمها التفاؤل بالمستقبل. علي محمد

