عند مخارج محطات السكك الحديدية في جميع المدن اليابانية عادة ما يوجد كشك صغير يبيع علبا من الورق المقوى تضم وجبة غداء يابانية مقسمة تحتوي على الأرز المسلوق وبعض قطع المخلل وقطع من السمك أو اللحم، ويعرف الصندوق باسم بنتو، وهو وجبة سريعة وخفيفة وتقليدية في نفس الوقت، وتعد جزءا رئيسيا من المطبخ الياباني، ولكنها أيضا تمثل سوقا تجارية تقدر قيمتها بملايين الدولارات وحتى الآن، أو حتى أمس بالتحديد كان صندوق وجبة الغداء الخفيفة أو البنتو يابانيا مئة في المئة أي أن كل محتوياته كانت محلية. ولكن طرح بالأمس بالأسواق اليابانية أول علبة غداء مستوردة المحتويات، رغم أن كل مابها من أرز و سمك ولحم يشبه الياباني تماما ولكن المحتويات أمريكية المصدر وجميعها عضوية أي لا تستخدم فيها المبيدات أو المواد الكيميائية وهذا البنتو الأمريكي أثار ثائرة المزارعين اليابانيين الذين تجمعوا أمام مداخل المحطات يوزعون منشورات وأكياس من الأرز الياباني مجانا على الزبائن ويرفعون لافتة ضخمة كتب عليها بحروف كبيرة الأرز الياباني مكون أساسي لعلب الغداء. ويقول يوزو ناكامورا المتحدث باسم اتحاد تعاونيات المزارعين اليابانيين إن المزارعين اليابانيين لا يمكنهم القبول بهذا الوضع وقد أصبحت حرب البنتو أو علبة الغداء آخر ميدان يكافح فيه المزارعون اليابانيون للمحافظة على أرزاقهم بعد المنافسة التي شهدتها الأسواق اليابانية من الأرز الأمريكي والصيني والتايلاندي المستورد. والمشكلة أن اليابان بجزرها الجبلية وتربتها البركانية و مزارعها الصغيرة وأجور مزارعيها الباهظة تنتج أرزا يرتفع ثمنه بكثير عن المستويات العالمية ، هذا فضلا عن هجرة جيل الشباب من أبناء المزارعين إلى المدن بحثا عن مورد للرزق أسهل من الزراعة وحياة أكثر رفاهية من القرى الجبلية النائية في الوقت نفسه فإن كبار الدول المنتجة للأرز مثل الولايات المتحدة وتايلاند تنخفض فيها أجور المزارعين كما أن اتساع المساحات المزروعة بالأرز واستخدام تقنيات واليات متطورة تخفض تكاليف الإنتاج وبالتالي سعر المنتج في الأسواق. أضف إلى هذا هشاشة إيمان الجيل الشاب في اليابان بالمعتقدات القديمة، بقدسية الأرز الياباني التي كانت جزءا من العقيدة الشنتوية وتقديمه النذور من الأرز الياباني في الأضرحة والمعابد البوذية وكلها تقاليد آخذة في الاندثار أهم من ذلك كله النفوذ السياسي الذي يتمتع به المزارعون والذي لم يعد يتناسب مع انكماش أعدادهم ضمن فئات المجتمع الياباني، فهم لا يزالون يمثلون أحد أهم جماعات الضغط التي بإمكانها ترجيح كفة أحد الأحزاب في الانتخابات البرلمانية، وقد دأبت الحكومات المتعاقبة على حماية أسعار الارز، ودعم المزارعين ماديا لتعويضهم عن الفرق بين الأسعار العالمية وتكلفة إنتاجهم الباهظة وقد كانت أسواق الأرز اليابانية مغلقة تماما في وجه الواردات الأجنبية حتى عام ثلاثة وتسعين. إلا أن الضغوط المستمرة من منتجي الأرز في الولايات المتحدة أدت إلى فتح جزئي للسوق اليابانية واستيراد نحو ثمانية بالمئة من استهلاك السوق اليابانية أي ما يعادل سبعمئة وسبعين ألف طن سنويا كما أن الأمريكيين تمكنوا من استغلال فجوات في قوانين الجمارك اليابانية التي تعفي الأغذية المعالجة من الضرائب المفروضة على الارز الخام، فأصبحت تقوم بطهي الأرز والخضراوات واللحوم وتعبئتها وتجميدها في الولايات المتحدة ثم تصديرها إلى اليابان بسعر لا يتعدى ستمئة ين، أو مايعادل خمسة دولارات، أي نصف سعر البنتو المحلي أهم من ذلك كله النفوذ السياسي الذي يتمتع به المزارعون والذي لم يعد يتناسب مع انكماش أعدادهم ضمن فئات المجتمع الياباني. بي.بي.سي. أونلاين