منذ أن كتب الروائي السوداني الكبير الطيب صالح رائعته موسم الهجرة الى الشمال وأنا أرى ان لكل شئ موسما، بدِءا من الثانوية العامة التي تشغل الكون أياما إلى معارض التسوق الى موجة المسرحيات الهابطة. وفجأة تنبهت أن الأيام المقبلة هي أيام الحديث عن 23 يوليو. أو موسم الحديث عنها ولا مانع أن نتحدث عن الظواهر والاعلام بلا مناسبة، فلو أنني وجدت دراسة قيمة عن أحمد شوقي أو المتنبي أو يوسف أدريس فلابد أن اقرأها، وباستمتاع واذا كانت هذه الدراسة في ذكرى ميلاده أو وفاته لن يقلل هذا من قيمة الدراسة، وربما جملها، وجعلها أفضل. وأذكر أنني تعرفت في بداية حياتي مع الثقافة على رجل كان أعظم مؤهلاته انه جمع تواريخ ميلاد ووفاة كل المشاهير، وبعض المعلومات عنهم. ومن هذه المعلومات كان يكتب مقالة عن الشخصية ويذهب الى احدى الصحف ويقول لهم ان فلانا ذكرى ميلاده أو وفاته بعد أسبوع أو أسبوعين أو ثلاثة. وها هو مقال عن فلان. وفلان يكون شيكسبير أو بونابرت أو موليير أو حافظ ابراهيم أو هتلر الخ. وكانت هذه وسيلة ناجحة من وسائل ترويج مقالاته. وفي أيام قليلة اتصل بي عدد غير قليل يريدني أن أتحدث عن 23 يوليو في الاذاعة والتليفزيون حتى احداهن طلبت أن يكون الحديث على الهواء حتى يكون ساخنا تقصد طبعا الحديث لا الهواء. فالهواء في هذه الأيام في القاهرة ساخن الى حد يكتم الانفاس حتى انني فكرت في أن أرسل برقية الى الاستاذ خالد محمد أحمد أقول له فيها: اختنق من الحر. أنا عاجز عن الكتابة. لكن رؤساء التحرير ـ أن كنت لا تعرف ـ لا يهمهم الاختناق من الحر أو من البرد. فهم يريدون المقالة في موعدها، ويبدون امتعاضهم من الكتاب الذين يعيشون في عالم آخر. ولا أدري ماذا يقولون عن هاو مثلي يرسل احيانا بمقالة بعد أن يكون قد انتهى الطبع! وبعد يومين أو ثلاثة ـ فلست شاطراً في الحساب ـ تأتي ذكرى ثورة يوليو، وهي ليست أية ذكرى فهي الذكرى الخمسون. وأنا ـ وكثيرون لابد ـ لا نكاد أن نصدق أنه قد مرت على قيام ثورة يوليو خمسون سنة. فلقد مضت الأعوام سريعة وفي نفس الوقت ـ وهذا غريب جدا ـ نحس انه كما لو كانت ثورة يوليو تعود الى مئات السنين بما قدمته من انجازات ومناقشات. لقد كانت أكثر ثورة عربية ـ وربما في تاريخ العالم الثالث ـ قسمت بين نظامين وعالمين. وكنا شيئا فصرنا شيئا آخر. ومازال الحديث عن انجازاتها وخسائرها مستمرا: تحديد ملكية الأرض الزراعية وتوزيع الاراضي على المعدمين من الفلاحين ـ الغاء النظام الملكي ـ مجانية التعليم حتى الدراسة الجامعية - رفع الحد الأدني لأجر العامل ـ تحقيق جلاء القوات البريطانية عن مصر بعد أكثر من سبعين عاما من الاحتلال ـ الوحدة لأول مرة في العصر الحديث بين مصر وسوريا ـ ثم الانفصال الانقلابي ـ تأميم قناة السويس ـ العدوان الثلاثي في عام 1956 ـ بناء السد العالي ـ استصلاح اراض زراعية جديدة ـ احترام المرأة وادخالها الى الوزارة والبرلمان ـ السطوع الثقافي ـ التألق المسرحي والثقافي ـ تكوين كتلة الحياد الايجابي ـ نكسة 1967 وكل نقطة من التي أشرت اليها كتب فيها كتب ومقالات ودراسات تؤكد أن ثورة يوليو لم تكن مجرد حدث يمر بالأمة عابرا. وكان بطل هذه الفترة هو جمال عبدالناصر الذي ملأ زمانه وزمان غيره بصورته وأحاديثه وأفكاره. وسألتني الصحفية الصغيرة: أين كنت عندما قامت ثورة يوليو؟ قلت لها أنني كنت تلميذا في المدرسة. ولا أذكر متى سمعت بالخبر. ولم يكن الخبر بهول قيمته الحقيقية الآن. وكنت قارئا من الصغر ومشغولا بقضايا الوطن. وكنت أتابع الصحف التي يصدرها حزب مصر الفتاة. وعلى صفحتي الوسط من صحيفة بحجم التابلويد نشرت صدرا لشحاذين وفقراء كتبت تحتهم: هؤلاء رعاياك يامولاي! في رسالة الى الملك فاروق الذي بدأ حكمه في الثلاثينات محبوبا من الشعب كله، لكنه فقد بوصلته مع الشعب يوما بعد يوم حتى قامت الثورة فقال للضباط: ـ سبقتموني الى ماكنت أريد القيام به! أي أنه كان يرى الاخطاء البشعة التي تحيط حكمه، وكان يريد تغييرها، لكنه تأخر، أو تكاسل، أو أجل عمل اليوم الى الغد! وكنت قد قرأت كتاب خالد محمد خالد، من هنا نبدأ.. فزلزلنا جميعا، فهاهو أحد كبار العلماء في الازهر الشريف يمهد للثورة، ويخاطر باعلان التمرد على النظام، ويواجه الاعتراض عليه بكتاب آخر هو مواطنون لا رعايا كان بعضنا ـ وأنا منهم ـ منحازين الى الكتاب الأول، وكان بعضنا منحازين الى الكتاب الثاني. وكنا نتداول كتاب المعذبون في الأرض لطه حسين. وكان الكتاب مصادرا وقيل ان طه حسين وافق على المصادرة كشرط لدخوله الوزارة. وأنا بمعرفتي العابرة بطه حسين لا أعتقد أن هذا حدث، فالرجل كان من طبيعته الا يقبل شرطا أيا كان هذا الشرط. ولم أعرف أحدا يعتز بكرامته وكتاباته كما كان يعتز طه حسين بانتاجه وشخصه. ولقد قرأت منذ فترة قصيرة أن نجيب محفوظ أعلن أنه لن يوافق على طبع روايته أولاد حارتنا الا اذا وافق الازهر الشريف على طبعها وتوزيعها. وهو منطق غير صحيح. فالازهر الشريف.وأيضا أي جهة دينية أخرى ـ ليست رقيبا على الأعمال الأدبية حسب الدستور والقانون والعرف، رغم ان لها الحق طبعا في أن يكون لها رأيها الديني في أي عمل، وانها تسعى لوقف هذه من خلال القنوات الشرعية. وعودة الى كتاب المعذبون في الأرض الذي كان ـ من وجهة نظرنا ـ وثيقة ضد نظام فاسد، عندما قرأته فيما بعد بروية وبعيدا عن اثارة الفتن لم أجد بينه وبين الثورة أية صلة. ويبدو اننا فرحنا بالعنوان واسقطنا عليه أفكارنا، أما العميد فلم يكن يقصد شيئا ممافهمنا. لقد كانت هناك اشارات الى أن الثورة قادمة كان الناس يتحدثون عنها في كل مكان حتى المخادع والمقاهي، وكانت صحف المعارضة تبشر بالثورة القادمة. لكن معظم من تحدثوا عن الثورة أو بشروا بها لم يتوقعوا أن تأتي من الجيش ولذلك ظلت في غربة خاصة عن المثقفين. وعندما مات جمال عبدالناصر في 28 سبتمبر 1970 لم نكن نعرف أن ثورة يوليو قد بدأت النهاية، وانه كان فارسها وحاميها. وبدأ نظام جديد، ولكن الثورة نفسها ستظل دائما، بالضبط كما حدث في فرنسا. فالثورة الفرنسية قامت في يوليو 1798 وبعدها قامت انظمة مختلفة مع الثورة وضدها، بل عادت الملكية مرات. ومع ذلك ظلت الثورة الفرنسية هي النقطة التي اصبحت منها فرنسا التي نعرفها اليوم، بل أوروبا كلها، فلولا الثورة الفرنسية ما كانت أوروبا كما هي الآن. وبمناسبة موسم الحديث عن ثورة يوليو ستجد أفلاما تعلن كراهيتها لها. وذات يوم قال لي أحد رجال ثورة يوليو باهتمام شديد: ـ فسر لي لماذا يأخذ فلان موقفا من ثورة يوليو. هو من أسرة معدمة، ولذلك لا يستطيع أن يقول انه تعرض لتحديد الملكية أو التأمين. وتعلم على حساب البلد، وما كان أهله يستطيعون دفع المصاريف له. وفي عهد الثورة عمل في وظيفة متميزة لم يكن مؤهلا لها من قبل بحكم وضعه الطبقي. لماذا تهاجم ثورة يوليو الآن؟ تصنعت الحكمة وقلت له: - كل هذا صحيح لكن اذا ماهاجم الثورة وتحديد الملكية ظن الناس انه ابن أحد الباشوات. واذا هاجم الغاء الألقاب تأكد لهم هذا. ثم هذا تقرب من أي نظام آخر. فكل نظام يحب منك أن تهاجم الأنظمة الآخرى. وهز الرجل رأسه وبدا غير مقنع. ورسالة الى أبطال ثورة يوليو القلائل الباقين الذين لم يأكلهم الزمن: كل عام وأنت بخير، ولا تأبهوا بما يقال، فثورة يوليو ستظل أهم أحداث ثلاثة قرون أو أربعة.