بعد أربعة أعوام من أعمال الترميم والتجميل استعادت «وكالة بازرعة»، احدى اعرق الوكالات التجارية والسياحية في القاهرة والتي تعود جذورها الى القرن السابع عشر، رونقها وبهاءها القديم، وتم افتتاحها من قبل سوزان مبارك قرينة الرئيس حسني مبارك. وكالة بازرعة هي واحدة من 17 وكالة لاتزال باقية من أصل ثلاثة اضعاف هذا العدد من الوكالات التي اندثرت تحت وطأة الزمن. وقد تم ترميمها من اصل 111 أثراً اسلامياً انتهى فيها العمل. وثمة 142 أثراً مماثلاً يجرى فيها العمل على قدم وساق فضلاً عن الآثار القبطية والفرعونية. ويقول الدكتور جاب الله علي جاب الله الأمين العام للمجلس الاعلى للآثار ان «الوكالة» هي اسم مكان وجمعها وكالات او وكائل، وقد استعمل الاسم في مصر مرادفاً لكلمة «قيسارية» او فندق، او «خان». وهي تتشابه من حيث الاستخدام والغرض ولا توجد فروق في عمارتها، وتتكون من صحن اوسط مكشوف يحيط به ممر يصل الى المخازن، ويعلوها غرف الاقامة، وتضم الوكالة اماكن متخصصة لدواب القوافل التجارية. وقد اهتم سلاطين مصر في العصر المملوكي على حد تعبير عبدالله العطار رئيس قطاع الاثار الاسلامية والقبطية بتشييد الوكالات لاقامة التجار وعرض بضائعهم بعد ان ازدهرت حركة التجارة الداخلية بين الشرق والغرب قبل اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح. وتعتبر وكالة بازرعة من اهم وأجمل الوكالات في العصر المملوكي وتقع في مكان متميز بالحركة التجارية الشديدة حيث ان المنطقة التي تقع بها محصورة بين بابي النصر والفتوح شمالاً وجامع الاقمر جنوباً. وكانت منذ القرن الحادي عشر الميلادي منطقة تجارة متميزة وتم انشاؤها في نهاية القرن السابع عشر الميلادي حيث ورد ذكرها في «حجة» مؤرخة عام 1767م لصاحبها «الامير حسن كتخدا الكخيا» وظلت تنسب اليه حتى مطلع القرن التاسع عشر حيث نسبت بعد ذلك للتاجر المصري «محمد بازرعة» الذي اشتهر بتجارة الصابون والعطارة وكان اخر مستغليها. وبعد تضاؤل شأنها دخلت في طور الاندثار وتقع الان في شارع «التمبكشية خلف الجامع الأقمر بالجمالية». وكالة «بازرعة» في ثوبها الجديد تكلفت 5 ملايين جنيه وتمت المحافظة على جميع العناصر الداخلة في تكوين هذه الوكالة الضخمة سواء من ناحية المعمار او من ناحية الزخرف لكي تحتفظ بحالتها وطبيعتها التراثية الساحرة وتتكون من فناء مستطيل فضلا عن ثلاثة بطوابق سكنية تحتوي على غرف اقامة و22 جناحاً فاخراً وثلاثة طوابق للسكن بالاضافة الى 3 «حواصل» او غرف في مستوى الطابق الارضي تستخدم لعرض السلع التي جلبها التجار و«اسطبل» ملحق بالوكالة من الخلف لإيواء الابل والخيل التي كان ينتقل بها التجار من بلادهم الى مصر. وتبلغ مساحة الوكالة الان 1300 متر مربع وهي عبارة عن فناء مكشوف يبلغ 300 متر مربع غير منتظم الاضلاع وكان يخصص لعقد الصفقات التجارية. ويحيط بالفناء عدد من الحجرات المعقودة وأهم ما يميزها وجود ما يسمى حاليا بالفيلات الداخلية او «شقة» على مستويين وعددها عشرون فيلا. ويقول وزير الثقافة فاروق حسني: «ملخص الحكاية ان وكالة بازرعة استعادت حلتها الجميلة ودورها التاريخي كأثر تاريخي مهم نشأته تعود الى العصر الايوبي الا ان ازدهارها الحقيقي جاء مع بداية العصر المملوكي بقسميه البحري والجركسي من القرن السادس عشر حيث اتسعت حجم التجارة المصرية ولاسيما تجارة «الكارم» او «التوابل» الآتية من الهند على وجه التحديد. وكان كبير تجار الكارم او «الشهبندر» في مصر اعلى مكانة من سائر التجار بمن فيهم تجار الذهب. «لذا كانت الحجرات الكبرى تخصص لتجار الكارم والذين كانوا يأتون عادة تحت حراسة مشددة من بلادهم نظرا لان اسعار سلعهم كانت عالية فيبرمون صفقاتهم داخل الوكالة في سرية تامة». وفي القرن الخامس عشر استقبلت الوكالة المصرية مئات من عرب الاندلس الذين فروا من اسبانيا الى المغرب ومصر بعد سقوط اخر معاقل الاسلام في الاندلس اي امارة غرناطة عام 1492». وروعي في الوكالة ان تكون قريبة من المساجد ليقوم نزلاؤها بالصلاة في مواقيتها الخمسة دون ابطاء وان تكون قريبة من الحمامات حتى يتمكنوا من الاستحمام بانتظام لاسيما ان سمعة الحمام المصري كانت الافضل على مستوى الشرق العربي كله وخاصة في العصر المملوكي. وقد أقام بعض السلاطين المماليك وكالات تجارية في فترات حكمهم ليربحوا من وراء التجار الاجانب كثيرا وسمحوا للأهالي باقامة اسواق حول الوكالات لإنعاش التجارة بالبلاد. كما سمح بناة الوكالات بانشاء المقاهي حولها لجذب السائحين والترفيه عنهم. والحديث عن وكالة بازرعة يقودنا الى الحديث عن خريطة الوكالات بمصر والتي تم تأريخها بوكالة «قوصون» اقدم الوكالات الباقية والمنشأة سنة 1341 وتعرف بوكالة الامير «قوصون الناصري» وتقع خلف جامع الحاكم بأمر الله بالجمالية وبرغم ما يحدثنا عنه المقريزي في خططه من ضخامة هذه الوكالة ورقة زخرفتها غير انه لم يبق منها سوى كتلة المدخل والواجهة. يأتي بعد ذلك وكالتان بناهما السلطان الاشرف ابو النصر قايتباي الاول بالدرب الاحمر تم بناؤها سنة 1477م وكانت طبقا لبيانات الاثار تتكون من ثلاثة طوابق اندثر الثالث وبقي الاول والثاني ومعالمهما اخذت في الاندثار اما الثانية فبناها عام 1480م بالملية وهي محتلة باشغالات الاهالي. اما كبرى الوكالات المصرية الان هي وكالة السلطان الغوري التي شيدها السلطان قنصوه الغوري عام 1505 مع بداية حكمه في مصر وتمتد من الجامع الازهر وحتى منطقة سوق التبليطة بالباطنية وتعرف بمنطقة الغورية وعلى بعد امتار منها تقع قبة الغوري الشهيرة. أما باقي الوكالات فترتيبها الزمني كالآتي: وكالة الجلابة من القرن السادس عشر الميلادي بالجمالية وقد ضاعت معالمها ثم وكالة سليمان باشا 1541 ميلادية وأنشأها الأمير العثماني سليمان باشا بشارع السوق ببولاق ابو العلا ووكالة تفري بردي بشارع المقاصيص بالجمالية وتم انشاؤها عام 1508 ميلادية على يدي الامير ابن تفري بردي صاحب الكتاب الموسوعي الاشهر «النجوم الزاهرة في ملوك مصر القاهرة» وكان يشغل منصب «اتابك العسكر» او كبيرهم ووكالة، «وقف النقادي» 1618م ومنشئها غير معروف وتقع بشارع التمبكشية، ووكالة جمال الدين الذهبي لصاحبها «الذهبي» عام 1637 وملحق بها سبيل وكتاب وهي بحالة جيدة. ثم اخذ عدد الوكالات يزداد مع بداية القرن السابع عشر والخالدة حتى الان بداية وقف التوتنجي ووكالة عباس آغا ووكالة الصنادقية ثم وكالة بدوية نيتا شاهين بخان الخليلي ووكالة الكرواني ووكالة نفيسة البيضا ووكالة السلحدار، وان كانت جميعها في حاجة لاخراج السكان وإزالة الاشغالات التجارية الجاثمة عليها وإعادة ترميمها لئلا تتوارى في صفحات النسيان وحتى تظل شاهد عيان على عراقة تاريخنا وشموخ اجدادنا وتقدم للعالم مع كل من جامع عمرو بن العاص والكنيسة المعلقة ومسجد الغوري وبيت السنارى ومسجد حد غتمش وجامع الفاكهاني بالغورية والكردي بالمغربلين ومسجد شيخو بشارع الصلبية شاهد عيان لتاريخ على عظمة اجداد وايمان احفاد بتراث انساني تتوارثه الاجيال وتعمل على المحافظة عليه وتخليده كشاهد عيان على عراقة حضارة وعظمة اجداد قدموا للعالم واحداً من افضل الحضارات.