الفنانة الكبيرة سميحة أيوب صاحبة تاريخ طويل على خشبة المسرح المصري وعلامة هامة من علاماته خلال النصف الثاني من القرن العشرين، قدمت خلال مشوارها الذي قارب الخمسين عاما روائع فنية رسخت في وجدان المشاهد المصري والعربي واستحقت بجدارة إنتزاع لقب سيدة المسرح المصري، ولعلنا جميعا نذكر لها سكة السلامة، الفرافير، السبنسة، السلطان الحائر الوزير العاشق دموع على أستار الكعبة، الخديوي .. حتى عندما تولت إدارة المسرح القومي لمدة 14 عاما لم تبتعد كثيرا عن خشبته فكانت حريصة على تقديم عرضا كل ثلاثة أعوام، وكان لعودتها إلى خشبة المسرح القومي مؤخرا بعد غياب خمس سنوات بمسرحية «الناس اللي في التالت» أثرا كبيرا في إعادة الجمهور مرة أخرى إليه خاصة أن العرض اجتمعت له كل عناصر النجاح ورفع المسرح القومي لافتة كامل العدد فوق شباك التذاكر في توقيت يوصف دائما بأنه ميت نظرا لأنه موسم امتحانات، التقينا بالفنانة الكبيرة داخل حجرتها بالمسرح القومي وأجرينا معها الحوار. في البداية سألناها عن سبب غيابها طوال هذه الفترة عن المسرح القومي بعد آخر عروض الساحرة فقالت : الكل يعرف أن المسرح هو عشقي الأول ولايمكن أن أقف على خشبته إلا إذا توافر نص جيد أولا وتأتي بعد ذلك العناصر الأخرى المكملة للنص والحقيقة أنني خلال خمس سنوات لم أجد نصا جيدا يدفعني للعودة إلى خشبة المسرح بعد أن قدمت الخديوي لفاروق جويدة على مسرح البالون ثم الساحرة ليسري الجندي على المسرح القومي ولكني بمجرد قراءة نص الناس اللي في التالث وافقت على الفور على البطولة وفرحت جدا لوجود نص مسرحي بهذه القوة بعد أن أصبحت هذه النصوص الجيدة عملة نادرة . ـ الملاحظ عبر تاريخك الطويل أن معظم أعمالك المسرحية كان لها بعدا سياسيا فهل كان ذلك عن قصد؟ ـ طبعا بالتأكيد، فلابد أن أقدم للناس عملا له قيمة ويهمهم، يستفزهم ويستنفرهم، والفنان موقف ولابد أن يكون مسيس وليس مجرد شخصي يمشى فقط في شارع الفن، ومن وجهة نظري لابد أن يكون الفنان سياسيا وواعيا ومهتما بقضايا وطنه ومعبرا عنها لأنه جزء من هذا الوطن، وأنا شخصيا أفضل تقديم مسرحيات سياسية تمس هموم المشاهدين . ـ إذن أنت ضد شعار الفن للفن الذي يرفعه البعض؟ ـ أنا ضد أن يكون هذا الشعار مبررا للإسفاف ولكنه أحيانا يكون مقبولا عندما تقدم تحته مسرحيات جيدة لكنها لا تمس مشاكل عامة الناس ويمكن لهذه الأعمال أن تقدم في نوادي المسرح للخاصة وليس للعامة مثل مسرحية بعنوان عربة اسمها الرغبة لتينسي وليامز هذه المسرحية تعرض مشكلة سيدة عانس تتعرض لأزمة نفسية وطبيعي أن تقدم للخاصة لأن المشلكة ليست عامة ولا تهم الغالبية العظمى من المشاهدين الذين جاءوا إلى المسرح ليروا أنفسهم على خشبته، وجمهوري إعتاد أن أقدم له عروضا تعكس همومه وقضاياه، المشاهد يأتي إلى سميحة أيوب وهو يعلم تماما أنه لن يضيع وقته . ـ كيف ترى سيدة المسرح كتاب المسرح الآن؟ ـ على رأي المثل «يا جحا عد غنمك» المؤلف الجيد الآن أصبح عملة نادرة أما في الستينات مثلا فكانت هناك أسماء لامعة مثل نعمان عاشور وسعد الدين وهبه ولطفي الخولي ورشاد رشدي وميخائيل رومان وكان إنتاجهم غزيرا أيضا ومع ذلك فإنني أعتقد أن مسرحية «الناس اللي في التالث» التي أحدثت حالة مسرحية لم نعهدها منذ سنوات ستكون سببا في تحريك المياه الراكدة وستجعل الكتاب يعيدون النظر فيما يكتبون . ـ لكن هؤلاء الكتاب يفضلون التعامل مع القطاع الخاص لأنهم يحصلون على عائد مادي أكبر بكثير من القطاع العام؟ ـ أعتقد أن العائد الأولى الذي يحققه مسرح الدولة لا يقدر بمال، والنجاح الذي حققه عرض الناس «اللي في التالت» أعتقد أنه سيفتح شهيتهم للعودة إلى مسرح الدولة بعد أن كفروا به وارتمو في أحضان المسرح الخاص ليقدموا توليفة من النكت البذيئة والرقص والمغنى والعري فيما سمي بالمسرح السياحي، وأنا متأكدة الآن أن الغيرة من نجاح المسرح القومي سيدفعهم إلى المسرح الجاد مرة أخرى . ـ هل تعتقدين أن ما سمي بالمسرح السياحي قد إنتهى عهده؟ ـ بالتأكيد لأنه لايمكن لأسرة محترمة أن تذهب لتشاهد العري وتسمع البذاءات وأعتقد أن الكتاب الذين اتجهوا إلى عمل هذه العروض وأمسكوا بحبل القطاع الخاص شنقوا به أنفسهم بدليل أحجام الناس عن هذه العروض وفشل معظمها خلال المواسم الماضية وبدليل أن هذا المسرح لم يعد له موسما شتويا كما هو بالقطاع العام لأن الناس قرفت من هذه النوعية ومسألة إن الناس عايزة كدة مجرد أكذوبة أطلقوها هم وصدقوها ولكن الحقيقة أن الناس تريد فنا جيدا بدليل أن مسرحية مثل «الناس اللي في التالت» مسرحية جادة وسياسية تطرح هموم المواطن المقهور في العالم الثالث ومع ذلك حققت كل هذا النجاح في فترة الامتحانات وهي فترة معروفة لدى جميع المسرحيين بأنها ميتة ونحن نرفع لافتة كامل العدد على شباك التذاكر، الجمهور يريد من الفنان أن يحترمه ويحترم عقليته . ـ خلال تاريخك الفني الطويل لم نسمع إنك شاركتي في أي عمل بالمسرح الخاص لماذا؟ ـ الحقيقة أنني تلقيت عروضا كثيرة للعمل بالمسرح الخاص وبإغراءات شديدة لكني كنت أرفض تماما لأن هذا المسرح ليس مكاني وسأشعر بالغربة على خشبته لأن مكاني الطبيعي هو مسرح الدولة سواء كان القومي، بيتي الأول أو الحديث أو الطليعة، في هذا المسرح التزام بالنص ولكن في المسرح الخاص النص كله يتغير وكل واحد يقول كلام من عنده وأنا لا أستطيع العمل بعيدا عن مسرح يعرف الإلتزام بالنص ويحترم جمهوره . ـ بداياتك في السينما كانت قوية لكنك تراجعت ثم تركتي هذا المجال تماما لماذا ؟ ـ السينما ليست مجالي وقد إتخذت القرار بالإبتعاد عنها منذ فيلم فجر الإسلام، وطوال مشواري السينمائي لم أجد الدور الذي يسعدني ويشبعني وكنت أعتبر نفسي دائما في نزهة بشارع السينما لكني لم أسكن أبدا في هذا الشارع وبعد فترة من هذه النزهة قلت لنفسي لا داعي لهذه النزهة ورجعت إلى بيتي في شارع المسرح . نجمة سينمائية ـ هل كان للمسرح دور في إتخاذك هذا القرار؟ ـ بصراحة لو كنت وجهت إهتماماتي للسينما ما كنت أصبحت الآن سيدة المسرح، وحتى لو كنت أصبحت في يوم من الأيام نجمة سينمائية كان زماني الآن نجمة سابقة لأن نجومية السينما عمرها قصير، كام سنة وخلاص، لكن المسرح هو الأبقى وهو أبو الفنون، والذي لا يعرفه الناس أن بريق السينما لم يجذبني أبدا لكن لقاء الناس في المسرح والاحاسيس واللحم والدم لها طعم تاني لا يمكن أن يشعر به إلا من عاش للمسرح ووهب نفسه له. ـ لكن السينما نجومية وفلوس؟ ـ المسألة اختيار وأنا اخترت المسرح من البداية رغم إننا في معظم الاحيان ننفق عليه ولا نأخذ منه، المسرح أيضا كان له بريق وتوهج خاصة في فترة الستينات وكنت غرقانة فيه لأن المناخ وقتها كان ساحرا وكنا نعيش حالة وجدانية رائعة لا تعوض، وبعد الستينات بدأ المؤشر في النزول ولكننا لم نتخل عنه وكنا نقدم على فترات متباعدة ما يتوفر لدينا من عروض جيدة . ـ نعرف أن المسرح هو رقم واحد في اهتماماتك الفنية فكيف يمكن ترتيب بقية اهتماماتك؟ ـ التليفزيون يأتي في المرتبة الثانية بعد المسرح ولي أعمال كثيرة ومتميزة فيه، أما الإذاعة فهي مرحلة ماضية قدمت خلالها أعمال هي بمثابة علامات وبالبلدي كدة أحنا بنينا الإذاعة على أكتافنا لكن الحقيقة إن نشاطي الآن ينحصر في المسرح والتليفزيون فقط، حتى عندما يكون عندي مسرح أبتعد عن التليفزيون . ـ ألم يعطلك العمل الإداري للمسرح القومي لمدة 14 عاما وعملك كمنتج فني للتليفزيون عن التمثيل؟ ـ خلال فترة إدارتي للمسرح القومي كانت هناك حساسية بالنسبة للتمثيل لأنني كمدير له لابد أن أحقق مبدأ تكافؤ الفرص فكنت أقدم عرضا واحدا كل ثلاثة أو أربع سنوات أما مسألة الإنتاج للتليفزيون فهي نادرة لأنني قدمت مسرحية واحدة أعدتها لتصويرها تليفزيونيا وهي كوبري الناموس، وبقية العقود التي وقعتها مع التليفزيون لاعادة مسرحيتي الفرافير والسلطان الحائر لم تنفذ حتى الآن وبالتالي يعطلني الإنتاج عن التمثيل لأنني كنت بطلة أيضا لكوبري الناموس، التجربة الثانية هي مسلسل سالمة يا سلامة، وشاركت فيها بالتمثيل أيضا . ـ باعتبارك أحد رموز المسرح المصري هل تعتقدين أن صيغة الممثل الموظف صالحة للتعامل الآن مع مسرح الدولة ؟ ـ هذه القضية بالذات شائكة لأنها تمس كثير من الزملاء لكن من وجهة نظري لابد من إعادة النظر في هذه الصيغة لأنها لم تعد صالحة وأرى أن تكون فرق مسرح الدولة فرق معانة بحيث تحصل كل فرقة على إعانة من الدولة كما هو في فرق مسرح الخليج ويظل المسرح القومي فقط هو مسرح الدولة لأنه واجهة المسرح المصري، ولأن الوضع الحالي يقول أن كل ممثل يقوم على خدمته عشرة إداريين وبالتالي ميزانية الإنتاج تهدر على جيوش الموظفين، وتحويل هذه الفرق إلى فرق معانة سينهي هذه الصيغة ومن الممكن تحويل الإداريين إلى أي جهة حكومية أخرى لكي تتفرغ الفرق الفنية للفن فقط، وبالمناسبة فقد كان الهدف من تعيين الممثلين في فترة من الفترات هو الاستعانة بهم في الريبرتوار إعادة العروض أما وقد إنتهى هذا الغرض فمن الضروري البحث عن ضيغة أخرى كالفرق المعانة مثلا. ـ من خلال هذا المشوار الطويل داخل الوسط الفني ما هو رصيدك من الصداقات؟ ـ صداقاتي في الوسط الفني محدودة للغاية ولا تتعدى اثنين أو ثلاثة فقط وهم نادية لطفي وسميرة عبد العزيز وسناء جميل رفيقة المشوار والتي اعتبرها شقيقتي وليست صديقتي فقط، ومن الوسط الصحفي لي ثلاث صديقات فقط هم حسن شاه وآمال بكير ونعم الباز، هذه الصداقات مستمرة منذ حوالي ثلاثين عاما . ـ إنضمام ابنك علاء إلى قائمة أبناء الفنانين هل يسعدك؟ ـ بالتأكيد لأنني متوقعة إنه سيكون له طعم جديد لو حصل على فرصة كبيرة وأنا شاهدت له منذ أيام برنامج كان يتحدث فيه بقناة ART كمعالج نفسي وليس كممثل وشعرت خلال اللقاء الذي استمر ساعة بأن لديه حضور جيد وفوجئت بصديقتي نادية لطفي تؤكد نفس إحساسي. ـ ولماذا تأخر إتجاهه إلى الفن كل هذه السنين؟ ـ لأنه قضى حوالي 18 سنة في أمريكا عمل خلالها كمعالج نفساني ومارس خلالها الفن من خلال أدوار صغيرة لكنه عندما عاد إلى مصر قرر أن يخوض التجربة لتركيز أكثر وبالفعل شارك في بطولة مسلسل (سالمة يا سلامة) ـ كيف تشعرين الآن بعد سنوات من رحيل سعد الدين وهبة رفيق المشوار ؟ ـ سعد لم يكن زوج فقط لكنه كان الصديق والاستاذ والمعلم اشعر الآن إنني أفتقد كل هؤلاء وليس الزوج فقط. القاهرة ـ هشام الهلوتي:
