يواصل مسرح فرنسا الجوال مسيرته على طرق فرنسا ودروبها. ويهدف بعد أن أصبح مسرحاً وطنياً إلى إعادة الصلة بجوهر التراث المسرحي بالرغم من الأجواء الثقافية التي عصفت به. منذ أربعين عاما، انطلق جان داني على الطرق، مع بعض الشاحنات وعربتان وخيمة مسرح تتسع لنحو 400 مقعد، اشتراها بفضل ما ادخره كممثل بعد أن صممه بنفسه وسلط عليه أنوارا وجهزه بسيارة للصوت والضوء. كما حدد مهمته بتعريف المدن النائية بالمسرح،وهكذا ولدت عربة «تريتو» التي بدأت تجول في فرنسا ناقلة الحلم والتفكير لمن نأى عن أجواء المسرح الحميمة والساحرة. قدم في مايو 1960 أول عرض في مدينة سارسيل لمسرحية أنتيجون، من تأليف جان أنوي وشارك في التمثيل جان دافي. آنذاك حضر في القاعة مارسيل جوهاندو وجان كوكتو وموريس شيفالييه وجان بولان ذلك العرض. وبعد سنوات ثـلاث كان مسـرح «تريتـو» قد قطـع مسافة 30 ألف كيلومتر وقدم 500 عرض مسرحـي و50 حفلا موسيقيـا ومنوعـات غنائيـة ورقـص في 40 ولايـة فرنسية. وقد بيّن النجاح الذي حققته هذه الفكرة الجديدة والفريدة من نوعها في أوروبا على موافقتها لتطلع حقيقي عند الجمهور. فقام الفريق المؤلف من نحو 12 ممثلا و15 عاملا تقنيا لنصب خيمة المسرح بتشذيب أداة العمل المرنة والفعالة، هادفا إلى تلبية الاخراج المعقد في مختلف الأماكن، وكانت تلك طريقة لإعادة الصلة بالتراث السامي منذ فجر الزمن، مواجها العقبات والجمهور المتجدد دوما والمتنوع من منطقة إلى أخرى. وكان يعاد تصميم خيمة المسرح بشكل دائم لتسهيل بلوغ المشاهدين. وفي عام 1965، استبدلت الخيمة بواحدة من 800 مقعد في عهد وزارة أندريه مالرو وأضيف إليها عام 1968 خيمة أخرى من 1000 مقعد. كبرت اليوم فرقة «تريتو فرنسا»، ودارت هذه العائلـة الجميلـة المؤلفـة من خمسين شخصا ثلاث مرات حول العالم مقدمة سبعة آلاف عرض. أما جان داني فقد ودع تريتو فرنسا في احدى مسرحيات موليير في خيمة مسرح أقيمت على أرض مصانع رينو في مدينة بولوني بيانكور. كان وداعا رائعاً في ملابس السيد جوردان تحت هتاف الجمهور. وخلفه مارسيل اريشال، وهو شخص دينامي وصاحب حس رائد ومشروعات كثيرة. يقول إن «لفظة تريتو: منصبة، تناسب طلب الجوار والاتصال المباشر والأبسط مع الفنانين ومع المسرحيات». وفي كل أمسية، ينتظر الممثلون وراء ديكور بسيط وبارع، بملابسهم الجميلة، متوترين، أفواههم جافة، وعيونهم مقفلة لتركيز أدوارهم، وأيديهم منقبضة، مستعدين للقفز إلى حيث يقدمون أجمل أشعار المسرح الفرنسي. قدمت فرقة تريتو مسرحيات كلاسيكية وروائع أيضا مثل «دون جوان» و«عرس فيجارو» و«السيد» ومسرحيات أخرى لكتّاب غير معروفين. ولأنه مع بداية الألفية الثالثة تحتاج الشبيبة إلى الفعل والانفعال وإلى سمو الروح، أي إلى أبطال ونماذج، يقول جان داني: «نمر بجـوار مسرحيات كما نمر بجوار نصب تاريخية، وننسى روعتهـا لكـثرة مريديهـا ولا نقدمها لمن لا يعرفهـا. ويضيف، ليس هناك مشاهد صغيرة حـتى في المـدن التي لا تعـد أكـثر من 10 آلاف نسمـة». وتقوم الفرقة بزيارة ولايات فرنسية مثل كالفادوس وفينيستر ودوردوني ولوار وهوت فيين مرتين أو ثلاث في العام بين شهري مارس ويوليو وبين سبتمبر وديسمبر، وتزور مدينة كل يوم مجتازة نحو 50 كيلومترا في اليوم، لتغيير المناظر، وفي الأشهر الأخرى، تقوم بعروض مسرحية في المدارس والمـراكز الثقافيـة، كما تمثـل أيضـا في مسارح عادية لتغطية النفقات. ولا يخش المسئول على الصعيد الفني والمالي أيضا من قطع المسافـات ولقـاء رؤساء البلديات والمستشارين العامين للحصول على مساعدات لفرقة تريتو التي أصبحت مسرحا وطنيا منذ عام 1974. تستقبل جمهورا عاما ومتنوعا بأقل الأسعار وتظل أمينة لغايتها كمسرح معاصر وشعبي. عام 1973، قامت فرقة تريتو بجولة دولية وزارت مصر ولبنان وتركيا لمدة شهر في كل بلد. يقول مارسيل ماريشال ان «مشروع جولة في الولايات المتحدة الأمريكية وفي الصين بالتعاون مع الجمعية الفرنسية للعمل الفني هو قيد الدرس».