كانت كوبا في يوم من الايام مغناطيسا، ومقبرة للسفن التي غرق المئات منها في المياه الكوبية ضحية للقراصنة اوالحروب او الابحار السييء. واعتادت مراكب القراصنة على الاسراع في نقل غنائمها الى بر الأمان، لكن العديد من الحمولات غرق مع سفنها الى قاع البحر. وهذه هي السفن التي تبحث عنها اليوم كوبا التي جندت علماء الآثار المحليين وخبراء أجانب متخصصين في التنقيب التجاري عن الكنوز لهذه الغاية. علماء الآثار يبحثون عن التاريخ، وصيادو الكنوز يبحثون عن الثروة التي عليهم ان يتقاسموها مع الحكومة الكوبية، هؤلاء «الصيادون»، وهو الأسم الذي يطلق على الفرق المتخصصة البحث عن الكنوز الدفينة، يحصلون على حقوق حصرية للبحث في مناطق معينة، بمعنى ان لا احد غيرهم يستطيع سبر اعماق تلك المناطق. وتنال الحكومة 50 بالمئة من القيمة التقديرية للآثار التي يعثرون عليها . ومن الـ 50 بالمئة المتبقية يطرح هؤلاء قيمة نفقاتهم ثم تبرم صفقة لتقاسم الباقي مع الحكومة مرة اخرى. ويأمل صيادو الكنوز بالعثور على اثمن غنيمة في البحار الكوبية، وهي سفن اساطيل الكنوز الاسبانية التي حملت الذهب والفضة وجواهر العالم الجديد الى البلاط الملكي في اسبانيا. دخلت اساطيل الكنوز التاريخ والاساطير لاول مرة عندما ابحرت في القرن السادس عشر في اساطيل تحميها البوارج الحربية بأمر من مجلس التجارة الاسباني الذي يعمل بتوجيهات مباشرة من البلاط الملكي. وقانونيا لم يكن يسمح لسكان المستعمرات بالتجارة الا مع التجار المرخصين من مجلس التجارة .. ومعظم التبادلات التجارية المرخص بها كانت تحمل على الاساطيل التي تتراوح تعدادها من 30 الى 90 سفينة حسب حجم التجارة وحجم الحرس الملكي المرافق. وفي الاحوال العادية، كان يبحر كل سنة اسطولان بحريان الاول يغادر اسبانيا في الربيع ويدخل البحر الكاريبي بجوار جزيرة مارجريتا، قبالة السواحل الفنزويلية والتي تعتبر مصدرا هاما للؤلؤ وهدفا متكررا لهجمات القراصنة. وفي هذا المكان كان الاسطول ينقسم عادة الى اثنين يتبعان الطرق البحرية المحاذية للعالم الاسباني الجديد، احدهما كان يتوقف في الموانيء على طول الساحل الشمالي لامريكا الجنوبية والجزر الكاريبية. وكان سكان المستعمرات الممنوعين من تصنيع اي شيء مضطرين لشراء حتى الاحتياجات العادية مثل السكاكين والادوات والايقونات الدينية وكانوا مجبرين ايضا على الاعتماد على اسبانيا في الحصول على النبيذ والقماش والورق الاوروبي. اما الثاني الذي يحمل بضائع مشابهة كان يبحر الى كارتاجينا في كولومبيا ثم غربا الى بورتوبيلو في بنما وهي النقطة التي تتجمع فيها الفضة المتدفقة من المناجم في بيرو، وذات مرة عد راهب دومينيكاني هناك في يوم واحد 200 بغل محمل بالفضة التي كانت تكدس في ساحة السوق مثل «اكوام الحجارة في الشوارع». وفي نهاية المطاف كانت السفن التجارية تلتقي مجددا في كارتاجينا لتمضي الشتاء هناك في هذه الاثناء يكون الاسطول الثاني قد ابحر الى فبلاكروز في المكسيك، ليفرغ حمولته للبيع في سوق تجاري يجتذب الزبائن من جميع انحاء «امريكا الاسبانية». وكان البحارة يسوقون سفنهم الى الشاطيء لحجب الشمس الاستوائية الحارقة عن اكشاك البيع في المعارض التي يقيمونها هناك، وكان التجار يرتدون قبعات مرصعة باللؤلؤ وقمصان من الحرير، في حين كانت النسوة، من مختلف الطبقات، بما في ذلك الاماء، يعرضن الاقراط والاساور المرصعة بالجواهر واللؤلؤ. وخلال فصل الشتاء فيها يتم تجهيز السفن لرحلة العودة، كانت حمولاتها التالية تنقل على البغال عبر الاراضي المكسيكية من مناجم الفضة والذهب التي يعمل فيها السكان الاصليون المستعبدون. ومن فيلاكروز كانت السفن تحمل بضائع تجارة اسبانيا المربحة في الشرق الاقصى. وفي ذلك الوقت يكون الحرير والتوابل والاصبغة والاوعية الخزفية قد شقت طريقها على متن السفن الشراعية من هناك الى اكابولو بالمكسيك ثم على قوافل البغال الى فيلاكروز. وفي اواخر الصيف كانت السفن التجارية والسفن الشراعية الحربية تبحر الى ميناء هافانا المحصنة لتشكل اسطول الكنوز الذي كان في احيان كثيرة يتعرض لعواصف عاتية تنهك قوته وتضعف حراسه فتجعله فريسة سهلة لمراكب القراصنة التي تتحين مثل هذه الفرص للانقضاض على السفن التجارية الاسبانية لنهب حمولاتها. لكن في احيان عديدة كانت بعض السفن تغرق مع كنوزها قبل ان تطالها يد القراصنة وهو مادفع بعض المؤرخين لوصف المياة الكوبية بأنها مقبرة السفن ومدفن الكنوز. ورغم العثور على كميات كبيرة من تلك الكنوز من السفن التي وجدت في قاع البحر، لكن احدا لا يشكك انه لا يزال هناك اضعافها مخبأة في ظلمة الاعماق. ومن الطبيعي ان مجرد تخيل شكل اكوام الذهب والفضة بين ركام السفن الاسبانية كفيل بتحفيز الحكومة الكوبية وصيادي الكنوز الطامحين للمكاسب المادية للعمل ليل نهار للوصول الى تلك الكنوز التاريخية النفيسة التي تقدم مثالا حيا على الطريقة التي عمدت بها القوى الكبرى الى امتصاص ثروات الاماكن التي استعمرتها. علي محمد