بيان الكتب: اتسع الحديث عن العولمة، وشمل كل جوانبها، حتى غدا التكرار سمة العديد من الدراسات اللاحقة، وبات التنديد بها يشكل شعوراً معاكساً ومناوئاً.. إلا أننا نجد في الدراسة التي قدمها الاستاذ حكمة عبدالله البزاز: (العولمة والتربية) دراسة متأنية في باب لم تتم مناقشته بتفصيل.. على الرغم من تكرار ما ورد عن العولمة هنا وهناك.. ذلك ان الباحث لابد أن يعتمد المرجعية، ويقدم اضافته في الشأن الذي تخصص بدراسته. ومنذ البدء وتحت العنوان الأساسي لهذه الدراسة التي ضمها كتاب بعنوان (العولمة والتربية) يضع البزاز عنواناً آخر يحدده بـ (السؤال الصعب) ولا نعرف وجه الصعوبة فيه، ولماذا تحول البحث إلى سؤال، وهل أن الصعوبة تكمن في طبيعة البحث أم في العملية التربوية التي تتوجه نحوها العولمة؟ إن العولمة تطور لاحق للنظام الدولي الجديد الذي طرحته الولايات المتحدة الامريكية، تطور للنظام الرأسمالي، لما بعد الرأسمالية التي تريد أن تحظى بالسيادة على العالم، على قطبية احادية تمتلك القوة والتقنية معاً.. وتم اعتماد «قواعد القانون للضعفاء، أو سطوة القوة للأقوياء والعقلانية الاقتصادية والاصلاح الاقتصادي للضعفاء وقوة الدولة وحق التدخل والسيطرة للأقوياء» كما يقول نعوم جومسكي ـ نقلاً عن البزاز ـ ذلك ان طبيعة النظام الرأسمالي وفلسفته تقوم على أساس الربح محلياً وخارجياً، وهذا يعني بأبسط صورة، العمل على استغلال الآخرين محلياً أو (وطنياً) وتأمين الاسواق الخارجية والمواد الأولية رخيصة الثمن في الوقت نفسه بكل السبل المتاحة بما فيها (الشريرة أو غير الانسانية)» ومثل هذا الاتجاه، يعني سمة العمل الرأسمالي، سمة التربية فيه وطبيعة بناء المجتمع فيه، حيث ينشأ الفرد وهو منشغل بالربح بدلاً من الانشغال بالقيم النبيلة والتوجهات الانسانية العميقة. هذا المجتمع الرأسمالي، يرسخ حضوراً تربوياً يبني وجوده على أن القيمة الأهم في حياة الانسان، هي مقدار ما يحققه من أرباح، وهي مصدر سعادته ونجاحه وتفوقه عن غيره، وعن المجتمعات الأخرى. وعندما يترسخ مثل هذا الطموح في حياة الانسان، يصبح ظاهرة سلوكية عامة والخروج عنها يعد خروقاً على نمط (حضاري) تم التخطيط له.. ليكون مناراً تقاس بموجبه المباديء والقيم والاجتهادات المتقدمة التي تؤكد فاعلية العطاء. وإذا كانت العولمة قد أخذت مفهوماً من «ثورة المعلومات والتقنيات الحديثة من أجل أهداف انسانية» فإنها في جوهرها، تتخذ من المعلومات والتقنيات الحديثة وأجهزة الاعلام، سبيلاً من سبل انتشارها وتأكيد وجودها وانتشارها.. بحيث يظهر بمظهر جمالي ينشد الرخاء للجميع والعلم والمعرفة وسبل الحياة الأفضل.. لكن حقيقة أمر العولمة تكمن في الهيمنة على خيرات الشعوب، وتحقيق إدارة مركزية عالمية تحركها الادارة الامريكية تحديداً.. وهي بعكس العالمية أو الأممية التي تقدم تفهماً عميقاً للانسان في كل زمان ومكان.. وايجاد حوار مشترك وتجارب انسانية متفاعلة في كل ميادين الثقافة والابداع.. بينما نرى «العولمة رديف للأمركة، وان تقنعت بأقنعة العلم والتكنولوجيا، فنموذج الثقافة الامريكي يتسلل عبر الشركات عابرة القارات الى كل مكان في العالم وينتشر بسرعة مذهلة لا لأنه بالضرورة أصلح النماذج ولكن كما ينتشر وباء في العالم. الأمركة هنا أمركة مظاهر الحياة كلها، سواء في الاقتصاد أو العلوم أو القيم والتقاليد وحتى الألعاب والفنون والأمراض والجوع». وفي الايديولوجية «تقف العولمة في وجه الايديولوجيات الأخرى كالقومية والماركسية والثيوقراطية» ونحن نرى ان العولمة تحتويها وتذيبها، الى جانب نقد ذكري يسعى لإلغاء وجودها، والاعلان عن موت الايديولوجيا وربط العنصرية بالفكر القومي، وادارة المعطى الاخلاقي العميق للدين عن طريق ربطه بالارهاب تارة والتخلف والخرافة والسلفية تارة اخرى.. والعمل على ربط فكرة العولمة بكل ما هو جديد وغير مألوف في حياة الانسان، وإن هذه الجدة يراد بها تخفيف الأعباء عن الانسان بينما هي تسعى لاستغلاله وسلبه طاقة التفكير وطاقة امتلاكه الثروات التي من شأنها أن تحقق له الحياة الأفضل. صحيح ان العولمة «ظاهرة ديناميكية لها محركات ثلاثة : الثورة التكنولوجية وثورة الاتصال والتوحيد بين البلدان والحضارات والتغلب على العامل الجغرافي لتجعل من العالم قرية واحدة غير أنها في باطنها عالم صراع ودعوة الى سيطرة القوى على الضعيف والغني على الفقير وسبيلاً لهيمنة قوى عالمية كبرى محدودة» كما يقول د. عبدالله.. لكن العولمة تتجه نحو سوق عالمية، سوق تتحكم بالحاجات والاسعار والثروات.. انها «الوجه الآخر للاستعمار، وان ما يفعله الامريكان هو تذويب لثقافات الشعوب» كما يقول روجيه جاروي. ان العولمة ـ يقول البزاز ـ «اغتصاب فكري يمحو الذاتية ويشكك في الخصوصية » وإن «أدواتها الاقتصاد ومادتها جغرافية العالم» ويحدد البزاز معالم الصورة بـ: «سقوط الاعتبارات الاستراتيجية وهيمنة الطموحات التجارية». انها طراز جديد من الاقلمة المتسعة التي تريد بسط نفوذها على أكبر قدر ممكن من الشعوب والأمم، بحيث تصبح جميعا واقعة تحت نفوذ القطب الواحد ممثلا بأمريكا. ويرى المؤلف ان الآثار الاجتماعية والثقافية للعولمة هي الأكثر خطراً من سواها، باعتبارها تقوم بإحداث متغيرات في قوى الانتاج عبر الثورة التكنولوجية مما قد يتناقض مع قيم المجتمع، الى جانب انتشار البطالة واهمال البعد الاجتماعي والانساني، واضعاف النفوذ الاجتماعي بازدياد تفككه وخلق عادات واعراف اجتماعية جديدة وتقليص الخدمات الاجتماعية واضعاف مسئولية الدولة وخلق حالات من التوتر الاجتماعي والغربة واللامبالاة لدى الافراد. أما آثار العولمة الثقافية فتكمن في: صياغة ثقافة عالمية لها قيمها ومعاييرها هي ثقافة السوق ... وتجاوز الثقافة النخبوية وسلب الخصوصية الثقافية وقطع صلة الاجيال الجديدة بماضيها وتراثها وتدمير الحضارات والتأكيد على النجاح الفردي وتجميع الثروة وتهميش الثقافة الوطنية واحتكار الصناعة الثقافية ووضع حالة من الابهار امام المثقف الوطني وانهاء رقابة الدولة على وسائل الاعلام والتخلي عن الخصوصيات الوطنية. وفي تقديم المؤلف لمثل هذه الآثار، نجده يحرص على دور رقابي للدولة .. وهو الاجراء الذي لا يروق لعدد كبير من المثقفين والمفكرين والمبدعين، باعتبار ان حرية التعبير هي الرافد الأهم الذي يرقى بالفكر والابداع .. والثقافة الممنوحة للمثقف هي التي تجعله يحرص على تحمل المسئولية بدلا من ايجاد سلطة رقابية عليه. كذلك قد تكون الدولة في اجراءاتها واهمالها .. العامل المساعد والسلبي في انتشار ثقافة هامشية مسطحة بدلا من الثقافة المعمقة والمتخصصة والاصلية. كذلك فإن الحرية الفردية ليست وهما كما يعتقد المؤلف، إنها على العكس من ذلك .. منطلق ابداع وعمق وعي وارادة فكر ودراية ثقافية مزدهرة. وفي آثار العولمة على الجانب الفلسفي، يرى البزاز ان العولمة «لا ترى في الانسان سوى مصدر للربح» و «تكوين انسان جديد ذي هوية عالمية» وأنها تدعو الى «عدم التعامل مع كل ما هو غيبي أو ديني إلا إذا كان في هذا منفعة لهم»، وإذا صح أن العولمة تعتبر الانسان مصدر ربح، فإن تكوين هوية عالمية نهج قد يلقى قبولاً اسراً للكثيرين، في حين تريد العولمة لا عالمية الأفق الذهني بل خنق هذا الأفق وتضيقه حتى يكون في بوتقة آحادية.. ومثل هذه المسألة كان على المؤلف تمييزها وتوضيحها .. حتي يتبين القاريء عالمية الهوية من عولمة الهوية ... خاصة وأنه قد فرق بينهما في مطلع الكتاب. أما رفض ماهو غيبي، فهو طموح كل عقل نير، والغيبي غير الروحي ... الغيبي ميثولوجيا غير قائمة على عقل مادي، والروحي هو جوهر الاحساس الداخلي القناعات الصميمية للانسان. الغيبية .. وهم، ومثل هذا الوهم المفرغ من إرادة المادة، هو ما تريده العولمة. أما في الآثار السياسية للعولمة، فإن البزاز يرى أن العولمة تكرس الانقسام بين الدول الغنية والدول الفقيرة، وأن السيادة للنظام العولمي، واضعاف قوة الدولة على العمل الجماعي، واستغلال قيم الصداقة بين الشعوب .. لانصاف الدولة المعادية وتهميش دور النقابات والجمعيات، وتوجيه الاهتمام بالأحداث الدولية أكثر من الأحداث القومية وتقوية المنظمات غير الحكومية وتشجيع الصراعات الداخلية وظهور ردود أفعال القوى المحافظة والأصولية. ونحن نرى أن العولمة تحتوي الدول الغنية والفقيرة معاً، الغنية بما تملكه من ثروات، والفقيرة بما تملكه من قوى بشرية يمكن استثمارها في مشاريع كبيرة ينفذها نظام العولمة لزيادة من ضعف في مبادئها وقيمها وإرادة أبنائها .. من هامشية الانسان فيها وعدم تماسك المجتمع بكافة طبقاته وقومياته ودياناته .. وهذا لا يعني التوجه إلى التحفظ والأصول الجامدة التي لا تتفاعل مع متغيرات العصر .. بل أن الأمر على العكس من ذلك، يتطلب المزيد من التطلعات الجديدة. وفي الآثار التقنية نجد أن العولمة تحقق طفرات تكنولوجية عالية وفورات اقتصادية وتقليل استخدام الأيدي العاملة واعطاء أدوار قيادية للتقنيات العالمية، والكشف عن مصادر المعلومات لكل الناس والربط بين البلدان والحضارات والتغلب على الأبعاد الجغرافية. ومثل هذه المظاهر قد تشكل عامل جذب إلى العولمة، بينما تتوضح حقيقة أن هذه التوجهات مجتمعة يراد بها زيادة النفوذ والهيمنة والاتصال السريع بهدف احتواء كل شيء على عجل .. إنها تقنيات لخدمة سياسة العولمة، وليس العكس .. وهو ما كان على الباحث توضيحه ومناقشته. وفي حديثه عن الآثار التربوية للعولمة يلاحظ البزاز: اتساع الفجوة بين الدول المتقدمة الغنية والدول النامية والفقيرة، وزيادة البطالة والأمراض والحروب والتكتلات الاقتصادية والمنافسة في الأسواق والتفجر السكاني وعدم كفاية الغذاء، والتحكم في الأمن الدولي، وتحدي البيئة الطبيعية والبشرية، واستمرار النمو الصناعي ... وسيطرة الاتجاه المادي والنفعي الدولي، والتقدم السريع في الحياة العلمية والتقنيات، وتلوث البيئة، وتجزئة الدول. وجميع هذه النقاط يحتاج الى مايعززه علمياً. بالأمثلة والأرقام، بالأسباب والنتائج بالمناقشة والتحليل .. وتداخل هذه الآثار مع ما سبقها وعدم الانصراف كلياً للشأن التربوي.أ ما علي المستوى العربي فإن التحديات التي يرصدها المؤلف تكمن في: اتساع الفجوة بين التقدم التقني والعلمي، والتدهور البيئي ونقص الاتصالات والمعلومات ومصادر المياه وضعف استغلال الأرض وعدم كفاية الغذاء، وانتشار الأمية والتخلف والفقر والمرض والهيمنة الامبريالية والامريكية، ووجود الكيان الصهيوني وحقوق العرب مشاكل الاقليات وتعزيز القطرية والتأثر بالاتجاهات الغربية .. ومع أن المؤلف ـ كذلك ـ لا يوثق حقيقة النتائج التي توصل إليها . مما يجعلها تبدو كوجهات نظر أكثر منها نتائج منطقية موضوعية .. إلا أنه يرسخ معلومة ثم ينفيها .. فالتقدم العلمي ليس نقيضا مع التقدم التقني.. وباعتقادنا فإن كليهما يعملان سويا، كذلك فإن الكيان الصهيوني قائم والعولمة تساعد في بقائه وعوامل التدهور دائمة الحضور بل ويزداد عامل الفقر، مثلما يزداد الغني غناً.. وكل ما جاء به البزاز، لا يلمس الجانب التربوي إلا متداخلاً مع جوانب أخرى، في حين حمل العنوان تسمية: (العولمة والتربية).. فهل كان المؤلف يرى في جميع تلك الآثار آثاراً تربوية؟ إذا كان الأمر كذلك، فما حاجة بحثه إلى هذه التقسيمات المحددة؟ إن مجمل الآثار التي أوردها البزاز تم حصرها بـ: إضعاف البعد الفلسفي للتربية، وتوجيه المعرفة العلمية بحسب القوى التي تمتلكها، والتأثير في اتخاذ القرار التربوي، وربط العلماء والباحثين بولاءات معينة للشركات المستغلة، وتقلص الخدمات للطلبة، وإلى نخبوية التعليم، ونشر مفاهيم براجماتية، وممارسة أعمال خارج التخصص وازدياد حجم الزمية الوظيفية والثقافية، وازدياد الطلب على التعليم مع ضعف مشاركة القوى الاجتماعية، وتنامي الانفاق على التعليم بشكل يجعل الدولة عاجزة عن الايفاء بمتطلبات تكافؤ الفرص التعليمية، وتغير أساليب التعليم، والاهتمام بالمعاقين والتوسع في التعليم الخاص، وتعاظم مسئوليات المؤهلات العليا، واهمال الدراسات الانسانية، واضعاف الشعور الوطني والقومي، والشعور بالدونية، وتدجين العلماء!ا ن هذه الآثار التي يرصدها المؤلف، لا يوجد ما يعزز صواب الوصول إليها ولا دقتها ولا يمكن أن نسلم بها مجتمعة، بسبب عدم ما يؤكدها من أدلة وبراهين.. إضافة إلى ضعف منطوقها، فزيادة التعليم لا يمكن أن يكون بمعزل عن وعي المجتمع ومشاركته في تعزيز وإغناء هذه الزيادة، كما لا ينسجم مع تقلص الخدمات التي تقدم للطلبة. كذلك فإن عدم قدرة الدولة على الانفاق على التعليم، سيحول دون زيادة التعليم، والعمل خارج التخصص من شأنه تزويد المرء بخبرات جديدة.. واكساب مهارات تتلاءم وامكاناتهم مما يعني اعدادهم اعداداً سليماً.. والاعتماد على المهارات أمر يتناقض تماماً مع الطرح القائل بإهمال الدراسات الإنسانية.. إضافة إلى ذلك، نرى أن العولمة ليست ايديولوجيا كما يعتقد المؤلف: «إن العولمة كأيديولوجيا يجسدها نظام عالمي وليس نظاماً دولياً» ـ كما يقول المؤلف ـ الايديولوجيا فكر، ينشد الثبات في الغالب، عقائدية راسخة، بينما النظام العالمي الجديد (العولمة) نظام محكوم بالمصالح السياسية والاقتصادية أكثر من أي شيء آخر.. وليس بوسعنا الحكم على ظرفية (العولمة) ـ كما يعتقد المؤلف ـ إن المسارات: السياسية والفلسفية والتخطيطية والعلمية والتقنية والتربوية والمالية ومسار المرونة والتحصين.. كلها مجتمعة لا يمكن أن تتم إلا بالادراك التام لأهداف العولمة وما الذي تريد تحقيقه وانجازه.