بيان الكتب: مازال في وسع عبارة «لا» أن تفعل الكثير، نعم، إنها غير قادرة على اجتراح المعجزات وعلى تحويل الاختلال الاستراتيجي إلى توازن استراتيجي. لكنها ـ بكل تأكيد ـ قادرة على إرباك النصر الاستراتيجي السهل . غير أن هذه الـ«لا» لن تكون بديلا مع استراتيجية سياسية وبرنامج عمل للصراع مع الواقعة الصهيونية. فهذه الـ«لا» ليست أكثر من موقف رفض، والموقف لا يجيب سوى عن ظرفية طارئة وانتقالية، فيما صراعنا القومي مع العدوان الصهيوني أكبر من مجرد واقعة ظرفية مباشرة، إنه صراع من أجل البقاء بالمعنى الدارويني الكامل للكلمة. ويأتي كتاب «الانفاق والآفاق.. رؤية مستقبلية للصراع العربي الاسرائيلي»، للمؤلف عبدالإله بلقزيز كمحاولة للتفكير في السياسات والخيارات البرنامجية القائمة، كما يأتي كمحاولة اختراق للمستقبل محاولا رسم استراتيجية مستقبلية مطلوبة. دخول العرب طرفا في عملية التسوية السياسية للصراع العربي ـ الصهيوني، التي أطلقها «مؤتمر مدريد» لم يكن أول عهدهم بالتعاطي السياسي مع قضية التسوية، قبل ذلك بعقد ونصف، وقعت مصر على معاهدة «كامب ديفيد» مختارة التسوية السياسية بدل المواجهة العسكرية. وقبل هذا بسنوات، وقعت كل من مصر وسوريا اتفاقات لفض الاشتباك على جبهتي سيناء والجولان. ومعنى هذا أن صلة العرب بمسألة التسوية تعود إلى ما قبل مدريد بعقدين. وليس من سبيل الشك في سلامة الاعتقاد بأن قبول طرف من أطراف الصراع ـ أي صراع ـ بالدخول في عملية التسوية والمفاوضات رهن بقدرته على تحقيق شيء في تلك المفاوضات. وغني عن البيان أن تحصيل ذلك الشيء المراد من المفاوضات لا يعود إلى كفاءة المفاوض وحنكته ودهائه، فهذه أدوات عطف في الحملة السياسية، أما «بيت القصيد» في معركة التفاوض فهو مقدار القوة التي يتمتع بها المفاوض، والتي يأخذها خصمه في الاعتبار عند التفاوض. ولعل القول المتواتر بأن السياسة حرب بأدوات أخرى غير قابل للتفسير وحيد الجانب الذي يبجل حنكة المفاوض ويراهن عليها، بل هو لا يستقيم إلا متى أمكن اعتبار السياسة طريقة في ممارسة الحرب من دون وسائل الحرب. «نفق أوسلو»: لم يكن سرا أن قيادة منظمة التحرير الفلسطينية فتحت قنوات اتصالات سرية مع مسئولين في الدولة الصهيونية منذ فترة بعيدة، فقد كشف الاعلام الغربي ـ الصهيوني ـ عن ذلك في مناسبات عدة، وكان ذلك في جملته فصلا من فصول حوار لم يتوقف مع قوى الكيان الصهيوني بدأ منذ عقدين بالحوار مع «القوى الديمقراطية اليهودية في دولة إسرائيل» بمبادرات منفردة، قبل أن يتكرس سياسة رسمية من خلال إجازته في دورات المجلس الوطني الفلسطيني خلال عقد كامل. على أن الذي لم يكن ـ ربما ـ واردا في الحسبان، أن تتمخض تلك الاتصالات عن اتفاق بين المنظمة والحكومة الصهيونية أنجز سريعا وعلى حساب التزامات وطنية وعربية لقيادة منظمة التحرير، بل وحتى ضد المسار السياسي الذي قطعه عمل الوفد الفلسطيني المفاوض في إطار مفاوضات التسوية في واشنطن. من هنا كانت مفاوضات «أوسلو» إخراجا سياسيا لهذا الاتفاق الهزيل. أما المعطيات التي صنعته، فقد تهيأت سلفا قبل إبرام هذه الصفقة السرية. وكان ذلك يعني أن بذور غزة ـ أريحا «أولا» بذرت قبل عشرين عاما، منذ خروج «برنامج النقاط العشر»، البرنامج الوطني المرحلي، إلى الوجود، وبداية انعطاف العقل السياسي الفلسطيني نحو خيار التسوية السياسية. وأهم ما نستطيع أن نسوقه على صفقة «أوسلو» ثلاث ملاحظات رئيسية هي: ـ إن هذا الاتفاق أجيز فلسطينيا خارج إطار الشرعية الديمقراطية، إذ لم تجر إحالته إلى المجلس الوطني الفلسطيني للبت فيه، بل ولم يعرض حتى على المجلس المركزي قبل توقيعه. وحين جرى بحثه في اللجنة التنفيذية ـ وهي هيئة لا تملك صلاحية التقرير ـ لم يحظ بالإجماع أو التوافق ومحاولة تبرير هذا الاغتصاب الإداري غير الشرعي بالقول إن اللجنة التنفيذية حصلت على تفويض من المجلس الوطني بإدارة عملية التفاوض لا يستند إلى أي أساس ذلك أن «التفويض» المزعوم كان مشروطا بتمسك المنظمة بالثوابت الوطنية، ولم يكن مجرد توقيع على بياض. وما قام به فريق التسوية في قيادة المنظمة شيء أقرب إلى تدمير تلك الثوابت وإلا ما تفسير عدم عرضه على المجلس الوطني أو حتى المجلس المركزي. ـ لا يشبه اتفاق غزة ـ أريحا اتفاقية الحكم الذاتي المبرمة في إطار «كامب ديفيد» لأن الأول جزئي والثانية أشمل! لعل وجه الشبه الوحيد بينهما هو كونهما معا حلا منفردا للصراع العربي ـ الصهيوني. ـ لم يتبلور اتفاق أوسلو في سياق مفاوضات التسوية في مدريد وواشنطن، بل أتى ثمرة صفقة سرية على هامش عمل الوفد الفلسطيني وعلى حساب رصيد معركته السياسية ولكل هذه الأسباب، نعتقد أن شرعية الاعتراض الديمقراطي على الاتفاق شرعية مطلقة. فمن حق فصائل المقاومة أن تعلن مناهضتها ـ الديمقراطية ـ لـ«اتفاق» تجاوز المؤسسات الشرعية للمنظمة، وانتهك الأعراف والتقاليد الديمقراطية للثورة. ومن حق القوميين والماركسيين والإسلاميين، العرب، أن يرفعوا صوت الاحتجاج ضده لأنه حل منفرد يرتد سلبا على مجمل الصراع العربي ـ الإسرائيلي. ومن حق بعض قيادي الوفد المفاوض في واشنطن أن يجهر بالرأي المعارض ضده ومن حق بعض أعضاء اللجنة التنفيذيه أن يستقيل منها لأنه اتفاق أساء إلى سمعتهم الوطنية لدى شعبهم. ـ إما عن جوهر الخلاف فكيف أن نعين ونشير إلى ما التزم به رئيس م .ت.ف بوقف الارهاب، المقصود الكفاح المسلح والانتفاضة استطرادا، من دون أن يحصل على التزام من رابين بإنهاء الاحتلال! وهو مبرر قيام عمل وطني فدائي وانتفاضي. ـ أما الالتزام الثاني وفيه تعهد ياسر عرفات بإعادة النظر في الفقرات التي تطعن في حق إسرائيل في الوجود ضمن «الميثاق الوطني» الفلسطيني، وعرضها على المجلس الوطني للتعديل، من دون أن يحصل ـ في مقابل ذلك ـ على التزام من رابين بالتخلي عن مشروع «إسرائيل الكبرى!». الالتزام الثالث وفيه يعترف أبو عمار بحق إسرائيل في الوجود من دون أن يقابله اعتراف من رابين بحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولة وطنية مستقلة. ـ كما أن «الاتفاق» يعيد تعريف القضية الفلسطينية كقضية سياسية بين الدولة الصهيونية و«أقلية» سكانية لها مطالب وحقوق داخل إطار السيادة الإسرائيلية، وليس بوصفها قضية وطنية لشعب اغتصبت أرضه ويملك حق المطالبة بجلاء الاحتلال وتحقيق الاستقلال الوطني في دولة ذات سيادة. ـ بالإضافة إلى أن هذا الاتفاق لم يتناول القضايا الجوهرية وهي: القدس، المستوطنات، اللاجئين، بل تركها معلقة لمفاوضات الوضع النهائي. ـ ولعل السؤال الواجب طرحه الآن، بماذا خرجت منظمة التحرير الفلسطينية من هذا الاتفاق؟ وماذا كسب معها الوطن العربي؟ إنها خرجت ـ وخرج معها الوطن العربي ـ بخمسة خسائر فادحة. أول الخاسرين في اتفاق «غزة ـ أريحا» هو الديمقراطية الفلسطينية التي تعرضت لمذبحة سياسية هي الأولى في عنفها منذ ربع قرن، أطاحت بكل ثروات الثورة. وثاني الخاسرين هو الوحدة الوطنية التي ظلت أفعل أداة في مقاومة مشروع التجزئة الصهيونية. وثالث الخاسرين الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني والحقوق القومية للأمة العربية فالاتفاق كرس الاغتصاب الصهيوني للأرض، والهضم الصهيوني للحقوق. ورابع الخاسرين سمعة وشرعية منظمة التحرير الفلسطينية في تمثيلها للشعب الفلسطيني وفي مصداقية دعوتها للتحرير الكامل للتراب الفلسطيني. أما خامس الخاسرين فهو الأمن القومي العربي الذي سيقدم له الاتفاق فرصة لاستجابة تاريخية غير مسبوقة من خلال التطبيع العربي ـ الصهيوني. هذا كل ما تحصل لدينا من صفقة أوسلو. في نقد الانعزالية الفلسطينية: حين انطلقت حركة التحرير الوطني الفلسطيني، فتح، وأطلقت معها شرارة العمل الوطني المسلح، نشأ انطباع عام ـ بأن حقبة الوصاية العربية على الشعب الفلسطيني آيلة إلى زوال، وهكذا جرى تثمير هائل للشخصية الوطنية الفلسطينية، وفجأة، بداو كأن هذا الشعب المقتلع واللاجئ بات قادرا على تجهيز جيش من الفدائيين يقوى على اجتراح ما أخفقت الجيوش العربية فيه. نشأ سريعا مناخا فكريا حادا لدى من أطلقوا الثورة، يضع العوازل بين العامل الفلسطيني والعامل العربي وقام على قاعدة هذا المزاج خليط هائل من الشعارات ذهب إلى حد تحويل الثورة الفلسطينية من مجرد ثورة وطنية ضد الاحتلال الصهيوني إلى رافعة لحركة التحرير الوطني العربية. كانت الناصرية على ذلك العهد تلخص ـ أو تكاد ـ خط العروبة المناضلة، وكانت، فتح تمثل عنفوان الوطنية المقاتلة. وقد نهل الفكر السياسي الفلسطيني من معطيات هذه المعادلة منتصرا للوطنية الفلسطينية بصفتها انبعاثا جديدا لشعب، وتقلدا مباشرا لمسئولية مصيرة، وبديلا نوعيا لما سلفه من المقاربات القومية للصراع مع الصهيونية، وقد شملت مسيرة الوطنية الفلسطينية ثلاث محطات كانت أولها علاقة صراعية مع العامل العربي (مجازر الاردن في عامي 71و1972)، وما قبلها أي قبل بزوغ حركة «فتح» ثم انطلاق الكفاح المسلح والتي عبر فيها التضادين الفلسطيني الوطني وبين الناصرية والبعث كمشروع قومي. وقد انتهت هذه المحطة بإعلان المجلس الوطني الفلسطيني عن برنامجه المرحلي في العام 1974 القاضي بوجوب بناء سلطة وطنية على أي شبر يجري تحريره من التراب الوطني. والمحطة الثانية لازدهار الوطنية الفلسطينية هي تلك التي تقع بين بداية الحرب الأهلية اللبنانية واندلاع ونمو الانتفاضة بين أواسط السبعينات ونهاية الثمانينات وفيها رفعت شعار «استقلالية القرار الوطني الفلسطيني». أما المحطة الثالثة، فهي التي تقع زمنيا بين الدورة العشرين للمجلس الوطني الفلسطيني ـ قبيل انعقاد مدريد للتسوية وبين التوقيع على اتفاق أوسلو، وفيها ستذهب الوطنية الفلسطينية إلى مداها: إلى حيث الانعزالية والتفريط في الحقوق وإلحاق الضرر بالأمن القومي. ويقدم لنا الباحث رؤية مستقبلية لتوظيف الموارد العربية غير المستثمرة في الصراع مع إسرائيل، ويركز في ذلك على التنمية العلمية والاقتصادية والديمقراطية، في إطار وعيا ثوريا وعلميا معا لطبيعة الصراع العربي ـ الصهيوني كصراع ممتد وطويل وتاريخي. أمين اسكندر