بيان الكتب:'' «الرجل/ الذي أحتاجه للحب/ ولا أجده على وسادتي/ اعتدت الإخلاص له/ كأنه لي» ومن قرأ لهالا محمد سيعرف ان الأبيات السابقة لها، فالشاعرة السورية منذ إطلالتها الأولى أواسط التسعينيات مع مجموعتها ، «ليس للروح ذاكرة» استطاعت ان تتلمس أبعاد خصوصية ابداعية ذات تفاصيل شعورية ولغوية وتعبيرية، جعلت لصوتها الشعري ذبذباته المتفردة التي يمكن تمييزها بين الكثير من الأقلام الشعرية التي ظهرت في ذلك العقد، فهي شاعرة المفردات البسيطة وتفاصيل اليوم العادي، التي تزهو وتتفتح في ظل حساسية وزاوية نظر تستند إلى الحفاظ على مسافة التأمل بين الذات والموضوع، كأنها العين حين تعيد ترتيب مشاهداتها من خلال عدسة، أو لكأن هالا قد استفادت من دراستها للإخراج السينمائي في صياغة صورها الشعرية لتقول هذه انا كما أراني وهي لا تخرج عن هذه الخصوصية وإن كانت حفرت عميقاً في مداراتها في مجموعتها الثالثة التي صدرت مؤخراً عن دار الريس ببيروت «قليل من الحياة». «لم أنجح في ادخار المال/ ادخار الأصدقاء/ ادخار الأحباب/ وكل ما في خزانتي من ألوان/ معد للحداد». قصائد المجموعة التي تتوزع على 170 ص قطع متوسط، وتتلون بين الومضة الشعرية والقصيدة المتوسطة الطول، تأتينا عارية بلا عناوين، كأنها تستعجل البوح ورسم الحياة حين تأتي ولا تأتي، وحين تأخذ أكثر مما ينبغي، قصائد ترسم ملامح امرأة، تفاصيل يومها، مشاهداتها تأملاتها، قلقها، حاجاتها، أحزانها، فرحها القليل.. امرأة تسعى لأن تكون وأثناء سعيها هذا تخوض معاركها، وتكبر أحلامها وخيباتها أيضاً، وهنا تختلف هالا عن مثيلاتها من الشاعرات إذ استطاعت ان تستبدل هاجس التحقق وفكرة العداء الظاهر أو المستبطن للرجل باستعداء خفي للأسباب التي تعيقنا عن تحقيق ذواتنا وانسانيتنا نساء كنا أم رجالاً: «على هذه الأرض / الآهلة بالقبور/ أقدام / لم تنم بعد». تفضل هالا الأسماء على الأفعال تحديدا عند البدايات كأنها بذلك ترغب في ترسيم هدفها أو موضوعها ومن ثمة الاشتغال عليه، كذلك تفضل المفردات المقطوفة من قاموس يومنا والصياغات المقتضبة التي تذهب مباشرة إلى المعنى دون تورية أو كثير من التشابيه والكنايات، فالجملة لديها قصيرة رشيقة محكمة السبك والمعنى عميق متعدد الظلال والصورة الشعرية واضحة مرسومة بأناة ونعومة والكل يشي بحساسيات مرهفة في الإدراك والتعبير: «الآخرون/ لم أختلط بهم كثيرا/ خلية.. خلية/ كنت أقبع في جسدي/ وكنت/ من وراء جلدي/ أصغي وأرى». في قليل من الحياة تنتشر مفردات اليوم العادي حارة وطازجة بدءًا من فنجان قهوة الصباح مروراً بأعباء المنزل والغسيل والجيران، فالشارع والصراع من أجل لقمة العيش وبعض الحب، ودائماً تقف الخيبة خلف الكلمات والمعاني، خيبة تحيلها الشاعرة إلى مزيج من السخرية المرة وتعالي الأنا لأنها مازالت تعيش وتقاوم: «الرجال/ الذين عاشرتهم/ كالأوطان/ التي أحمل جنسياتها/ للجميع» وللصباح والسرير أمكنة تتكرر في المجموعة وتنسج مشاعر وصوراً مختلفة لبدء اليوم والعلاقة العاطلة مع الطرف الآخر: «هذا الصباح/ لا يحتاجني/ لم يحرك في سريري جسدي/ وفي جسدي/ قلبي لم يرن»، ومع هذا القليل من الحياة يأتي الصوت خفيضاً وهادئاً، لكنه واثق من تفرد كينونته التي صقلها ألم البحث عن الذات والتجارب الخائبة: «بقصبتين نحيلتين/ بحذاء صغير مفرفط/ خرجت من طفولتي/ دون زوادة/ دون قبلة/ دون عنوان/ كم يواجه أحلامه غدا». تهامة الجندي