بيان الكتب: تنبعث من مكتبتها الخاصة روائح الأزمنة الثقافية التليدة وتمتزج بالحديثة والمعاصرة ووسط هذه الروائح تقف الدكتورة يمنى طريف الخولي حفيدة الشيخ أمين الخولي صاحب مدرسة الأمناء الفكرية التي كان لها اسهامها الفعال ودورها التنويري، في المجتمع، والدكتورة يمنى أستاذة الفلسفة بكلية الآداب جامعة القاهرة وهي صاحبة رؤية متميزة في قضايا الفكر الإنساني والعقل العربي والفلسفة الاسلامية تعلمت من جدها أمين الخولي تقدير الكتاب واحترامه الى حد التقديس، وتعلمت من والدها طبيب الأسنان أن خير جليس في الزمان كتاب، وسارت على النهج وكانت شغوفة منذ طفولتها بالقراءة واقتناء الكتب حتى أصبح لها مكتبتها الخاصة التي تضم العديد من الكتب في مختلف مجالات المعرفة. أضافت الدكتورة يمنى طريف الخولي للمكتبة العربية العديد من الاصدارات المهمة مثل فلسفة كارل بوبر وهو أول كتاب في المكتبة العربية عن كارل بوبر أهم فلاسفة القرن العشرين والذي أصبح مرجعا لكل الباحثين عن شخصية كارل بوبر، ومن اصداراتها ايضا الحرية والإنسانية والعلم.. مشكلة فلسفية، فلسفة العلم من الحتمية الى اللاحتمية بحوث في تاريخ العلوم عند العرب، الوجودية الدينية الزمان في الفلسفة، أمين الخولي والأبعاد الفلسفية للتجديد فلسفة العلم في القرن العشرين، د.رشدي راشد في الرياضيات وفلسفتها عند العرب، ج، ج كرواثر.. قصة العلم دون مالكون هورن.. ماوراء العلم، الطبيعيات في علم الكلام.. اضافة الى المقالات والدراسات الأخرى التي تدور حول أهمية الفلسفة والعلم. أمام مكتبتها الزاخرة كانت هذه حكايتها مع الكتاب: ـ بدأت علاقتي بالكاتب منذ الصغر، والشيء الوحيد الذي مازالت أتذكره ويكمن في أعماق الوعي هو ذهابي في الطفولة لشراء الكتب فقد قضيت شطرا من طفولتي في لندن وشطرا في القاهرة كانت نزهتي الوحيدة هي الذهاب الى المكتبة وكان هناك ما يسمى بالمكتبة المركزية في لندن والمكتبة الأمريكية في منطقة جاردن سيتي بالقاهرة، كما كنت حريصة وأنا مازلت صغيرة على أن تكون لي مكتبتي الخاصة وشدني في كتب الأطفال في تلك الفترة أنها كانت ألوانها زاهية وجميلة، هناك كتب مجسمة وكنت أشعر بسعادة غامرة وأنا أضع وأنظم الكتب في شكل مستعرض ثم أعيد ترتيبها من جديد وهكذا، غير أن الفضل يعود لوالدي في علاقتي بالكتاب فوالدي كان طبيب أسنان ولكنه كان مهموما بالواقع الثقافي حريصا على التفاعل مع طبقة المثقفين والمهتمين بالكتاب وكان يأخذني معه أحيانا الى المنتديات والجلسات الثقافية، وكان والدي يردد على مسامعي دائما.. خير جليس في الزمان كتاب.. فعشت هذا الشطر الشعري وأدركت منذ سن مبكرة أن الجواهر الحقيقية التي يمكن أن امتلاكها هي الكتب وهي الثراء الحقيقي. ـ ولكن كيف تشكل اتجاهك ورؤيتك الأدبية؟ وماهي أبرز الكتب أو الكتاب الذي أثر في هذا التشكيل والوعي؟ ـ مرحلة تشكيل الرؤية والاتجاه الأدبي جاءت بعد مرحلة القراءات الواسعة والشاملة فبعد تجاوز مرحلة الطفولة والمراهقة جاءت مرحلة النضج والوعي وكان يغلب على قراءاتي في تلك الفترة الكتب ذات الطابع الأدبي مثل ثلاثية نجيب محفوظ وأعمال توفيق الحكيم وطه حسين وبعض أعمال جدي أمين الخولي - أقول بعض أعماله لأن أعماله كانت صعبة ومتخصصة وأنا في هذه السن المبكرة، كما قرأت أعمال كامل الكيلاني وأعتقد أن قصص كامل الكيلاني واحدة من أكبر الانجازات القومية التي بها الخيال دون افراط وهي انجاز جاد، والأطفال حاليا غير قادرين على الاستمتاع بهذه القصص. إلى جانب ذلك قرأت العديد من الكتب الفلسفية وكانت تشدني كتب الدكتور زكريا ابراهيم بعنوان مشكلات فلسفية ومع توالي قراءاتي شدتني الكتب الفلسفية وبدأت التفكير في اعادة النظر في فلسفة العلوم الغربية بعد ذلك. ـ عشت في لندن جزءا من طفولتك فإلى أي مدى تأثرت بالثقافة الانجليزية؟ ـ هذا الجزء من حياتي ترك تأثيره علي بالطبع، ومن أبرز الشخصيات التي تأثرت بها راسل وهو عالم رياضيات فذ ومن أعظم فلاسفة القرن العشرين وقد وضع بمشاركة زميل له كتاب أصول الرياضيات وقد أحدث هذا الكتاب ثورة عظيمة في التفكير الرياضي، وقد اتضح تأثيره في كتابي فلسفة العلم، وأتذكر عندما كنت في لندن كان راسل من أعلام الحضارة الغربية وكان اسلوبه من آيات النشر الانجليزي، وعندما كنت في سن المراهقة لم أكن مثلهن يضعن على الحوائط صور الممثلين والممثلات ولكن كنت أعلق صور راسل، فهو له تأثير عميق في تفكيري. ـ ولكن ماهي ذكرياتك مع جدك أمين الخولي؟ ـ ذكرياتي الشخصية مع جدي أمين الخولي ضعيفة وباهتة فقد قضى نحبه وأنا طفلة في حدود العاشرة فضلا عن انني قضيت شطرا كبيرا من طفولتي في لندن ولكن بقي لي منه العقيدة التي نفيء بظلالها جميعا وهي عقيدة الكتاب والقراءة..عشق الكتاب واجلاله واحترامه. ـ وماهي رؤيتك لمدرسة الأمناء التي أسسها أمين الخولي ودورها في اثراء الحركة الثقافية؟ ـ مدرسة الأمناء كان منطلقها الأدب، اهتمت بتحديد علاقة الفن على العموم وفن القول على وجه الخصوص بالحياة من ناحية وبالنص الديني من الناحية الأخرى، والمتخصص في فقه اللغة وأصول التعامل مع النص الديني أقدر مني على التعريف بمدرسة الأمناء، وعلى العموم تلاميذ أمين الخولي فيالق مازال منهم الصناديد المنتشرون في شتى مواقع حياتنا الثقافية. ـ وكيف تفسرين اختفاء المدارس الفكرية التي كانت سائدة في الماضي؟ ـ المدارس الفكرية لم تختف، حيث توجد مدارس أعمق جذورا من مدارس العصر السالف، يوجد الآن مفكرون يحرصون على التنظير لواقعنا وتأسيس مدرسة متكاملة منهاجا وتطبيقا وكتابة وتأليفا وعلاقات حية مع الأجيال الأخرى في الفلسفة والفكر والأدب، والذي اختلف هو بنية الواقع والقيم المتحكمة فيه وتوجهات الجماهير ووسائل الاعلام الحديثة التي استسلمت للتجارة والربح على حساب القيم وقامت بدور كبير في تسطيح وعي الجماهير. ـ باعتبارك استاذة للفلسفة كيف ترين مأزق وأزمة العقل العربي؟ ـ أولا المشكلة الأولى في حياتنا الثقافية هي افتقاد التواصل والعلاقات الايجابية بين المنتجين للثقافة ، فالكثيرون يتباهون بأنهم لا يقرأون لزملائهم ولا يهتمون بهم وأزمة العقل العربي ليست بالطبع أزمة وجود ولكنها أزمة تكاتف وتواصل وتحديد للمنطلقات وللهدف وأزمة اجواء حضارية وأنظمة سياسية يستحيل أن تتسع للعقل من حيث هو عقل، قصارى مايمكنها أن تقبل منه هو التأكيد لتوجهاتها، كما أنها أزمة جماهير انصرفت عن العقل وعن الثمين الى الغث في الفكر وفي الفن الذي أصبح مرادفا في أذهان العامة لكل ما هو مبتذل، وأيضا أزمة أنظمة تعليمية تحول دون استغلال القدرات الحقيقية في المواقع المناسبة. ـ في عودة لمكتبتك الخاصة كيف ترين أهم ملامحها؟ ـ مكتبتي الخاصة كونتها وحدي كتابا كتابا وقد بدأت بكتب قليلة وكنت أحلم يوما بعد يوم أن تكتمل هذه الرفوف ويتراص عليها الكتب، ويوجد بها حاليا العديد من الكتب والموسوعات في مختلف المجالات فيوجد بحكم تخصصي كتب في تاريخ العلم عبر الحضارات والثورات العلمية وملامح الثورات العلمية المعاصرة، وكتب في الفكر الشرقي القديم، الفلسفة الاسلامية، والفلسفة الحديثة والمعاصرة فلسفة العلم وتاريخ العلم، ومناهج البحث، كما يوجد كتب وموسوعات في العلوم الإنسانية والتاريخ والجغرافيا وحركة الأديان المقارنة كما يوجد كتب في فقه السنة والأحاديث، كما يوجد أمهات الكتب العالمية وأعمال كبار الروائيين والمبدعين المصريين والعرب وعدد كبير من السلاسل والدوريات مثل سلسلة دار المعرفة، وسلسلة المشروع القومي للترجمة وكتب أساتذتي زكي نجيب محمود والدكتور فؤاد زكريا، كما يوجد ركن خاص لاصداراتي الخاصة. ـ وهل تهدين كتبك لأحد؟ ـ أنا أقوم كل ستة أشهر بعملية جرد واعادة تصنيف وتنظيم للمكتبة وأقوم بإخلاء الكتب التي لا أحتاجها كثيرا أو الكتب المكررة وأحتفظ بها في صناديق أو أهديها لأحد طلابي من طلبة الماجستير أو الدكتوراه وعادة لا أهمل أي كتاب ويحدث ذلك فقط في الكتب الأدبية التي لا تقرأ سوى مرة واحدة أو مرتين الا اذا كانت أعمالا معجزة مثل شعر أمل دنقل وأعمال بهاء طاهر