بيان الكتب: مؤلف هذا الكتاب «ميكائيل. ت. كلير» هو مدير برامج تخص دراسات الحرب والسلام في معهد همتشاير في «ماساشوزتا» بالولايات المتحدة الأمريكية. وهو مؤلف عدد من الكتب حول الحروب وتغيير طبيعتها من بينها «الأمن في العالم» و«سوبر ماركت الأسلحة الأمريكية» و«الأسلحة الخفيفة والحرب والاهلية» و«البحث الأمريكي عن سياسة خارجية جديدة و«الأمن في العالم: تحدي القرن الجديد»... الخ. يبحث «ميكائيل. ت. كلير» في هذا الكتاب الجديد: «موارد الحروب» الاسباب العميقة والعوامل الحاسمة في صياغة السياسات الخارجية للأمم. وتتمثل هذا العوامل بشكل رئيسي في عدة موارد طبيعية ومواقع استراتيجية ذات أهمية خاصة لتأمين قدر أكبر من السيطرة على العالم. وتتراوح من حقول النفط غير المثمرة كثيراً في آسيا الوسطى حتى اراضي الدلتا المصرية الخصبة إلى جانب الممرات الواقعة في جنوب بحر الصين ومناجم اليورانيوم والماس في مناطق جنوب الصحراء الافريقية... هذه العوامل ـ الثوابت هي التي يرى بها «ميكائيل. ت. كلير موارد الحروب في «المشهد» الجديد للعالم، وذلك من موقع المحلل الاستراتيجي للمسائل المتعلقة بالأمن والاستقرار الدوليين. ثم ان هذا العقد الأول من القرن الحادي والعشرين ومن ألفية جديدة قد شهد تحولاً كبيراً في مسائل تحديد الحرب والسلام، ويتمثل هذا التحول في انتقال «مركز الثقل» في التوترات الدولية من الخلاف القائم على أساس الايديولوجيا إلى التطلع فهو السيطرة على «السلع الطبيعية» هكذا يمكن لمسألة السيطرة هذه ان تكون عاملاً حاسماً في اثارة الحروب بين الدول ذات المصلحة الاستراتيجية، أو المباشرة حيال هذه «السلع»، ويرى «ميكائيل. ت. كلير» بان الانقاسامات السياسية التي شهدتها فترة الحرب الباردة دفعت إلى نوع من التزاحم الشديد للوصول إلى الموارد الطبيعية الاساسية مثل النفط والاخشاب «الغابات» والمياه والمعادن المختلفة. ثم ان الجيوش في مختلف بقاع العالم اعادت صياغة استراتيجياتها بحيث أصبحت مسألة حماية «أمن الموارد الطبيعية» بمثابة المهمة الأولى بالنسبة لها: اذ ان «عدم الاستقرار» يشكل أكبر الاخطار اليوم. وفي فصل تمهيدي يربط المؤلف بين الثروة ووفرة المصادر والسلطة وما تنتجه العلاقة بين هذه المعطيات على صعيد التبدلات المستمرة للمفهوم الشامل للأمن. وعلى هذا الاساس برزت أهمية الاستعدادات لمواجهة أية «أزمات اقليمية قد تستجد في المستقبل». ان مثل هذه الاستعدادات لم تكن بعيدة عن المناورات التي شارك فيها عدة مئات من الجنود الأمريكيين خلال شهر سبتمبر من عام 1997 في جنوب قزخستان وتم فيها التدرب على كيفية التعاون مع القوى الصديقة في قزخستان وقرغستان واوزباكستان ضد «القوى المرتدة» المعارضة لاتفاق السلام الاقليمي، وذلك عبر تنفيذ بعض الخطط في معارك «وهمية»، ومن جهة اخرى يرى «كيلر» في التأكيد على الاهتمام الأمريكي بمنطقة آسيا الوسطى، خاصة بالبلدان التي تمتلك البترول فيها، انما يعود الواقع ان استمرار مخاطر نشوب صراع في منطقة الخليج دفع القادة الامريكيين إلى التفكير بمنطقة البحر الكاريبي كمصدر بديل للطاقة يمكن ان يسد الاحتياجات الغربية إلى هذه الدرجة أو تلك في هذا الميدان. هكذا برزت في سياق فترة ما بعد حرب الخليج الاخيرة الطبيعة الاستراتيجية لاهتمام أمريكا بمنطقة البحر الكاريبي، لاسيما في ظل تبني الولايات المتحدة لمبدأ «اعادة النظر» في مسألة الأمن بميدان الطاقة ضمن اطار «منظور شامل لتبدل سياسة الأمن القومي الأمريكي إلى حد كبير» بعد نهاية الحرب الباردة بحيث ان «حماية الموارد الاستراتيجية وطرق مرورها» قد تعززت كحجر أساسي في سياسة الأمن القومي الامريكي وأصبح تأمين مثل هذه الحماية موضوع اهتمام خاص في الخطط العسكرية الأمريكية. ومن هنا أيضاً يأتي التصميم الأمريكي على زيادة وتطوير الوجود الامريكي في أوروبا وآسيا عبر الحلف الاطلسي وعبر خطط انتشار أمريكية خاصة. كما تم الربط ضمن نفس الاطار بين «الأمن القومي» ومستلزمات الاقتصاد العالمي الشامل «بحيث ان العالم يشهد منذ بداية عقد التسعينيات في القرن الماضي «العشرين» نوعاً من صبغ مفاهيم الأمن الدولي بـ «صبغة اقتصادية» لها علاقة مباشرة مع حماية الموارد الطبيعية وطرق التجارة. وبالتوازي مع التحول الكبير في المنظور الاستراتيجي الأمريكي للأمن برزت مواقف قوى دولية اخرى عدلت من سياساتها الأمنية على ضوء الاولويات الاقتصادية الجديدة. وهذا ما عبر عنه بوضوح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بتاريخ 21 ابريل عام 2000 عندما حدد احدى مهمات القوات المسلحة الروسية بـ «خلق شروط أمن النشاط الاقتصادي وحماية المصالح القومية للفيدرالية الروسية في بحارها الاقليمية وعلى اراضيها وفي المنطقة الاقتصادية الخاصة بالفيدرالية وأيضاً في البحار العليا». ان مثل هذا التحديد يعني ان منظور السياسة الامنية الروسية المباشرة يشمل منطقة البحر الكاريبي التي تهم بدورها، المنظور السياسي الأمني الامريكي في السياق الدولي لما بعد حرب الخليج. وهذا الاهتمام الثقافي يمكن ان يكون ذات يوم احد مصادر المنافسة المتنامية... والنزاع. كما ان الصين واليابان قد عدلتا بدورهما من رؤيتهما للسياسة الأمنية تبعاً لاولوياتهما الاقتصادية ولمصالحهما القومية العليا. وبنتيجة التحليلات المقدمة تبدأ بوضوح الأهمية المتزايدة للموارد الطبيعية والاخطار المحدقة بالبيئة في السياسات الامنية الدولية لاسيما في ظل استمرار اخطار نشوب النزاعات على «السلع الحيوية» وأيضاً في ظل تنامي الهوة بين اغنياء العالم وفقرائه. ثم ان التاريخ الانساني نفسه كان بصيغة ما، سلسلة من النزاعات على الموارد الطبيعية منذ بداية الحضارات الزراعية. لكن وإلى جانب الاخطار التي تحملها المنافسة على الموارد والثروات الطبيعية من امكانيات قيام نزاعات عنيفة في القرن الحادي والعشرين، هناك أيضاً عدة عوامل «اخطار» اخرى تلقي بظلها على صياغة السياسات الامنية وفي مقدمتها النزاعات الاثنية والظلم الاقتصادي والمنافسات السياسية. ويكرس مؤلف هذا الكتاب قسماً كبيراً منه لدراسة العلاقة بين «النفط» والجغرافيا و«الحرب» ان «النفط» شكّل منذ ان اصبح المصدر الرئيسي للطاقة احد مصادر النزاع التي شهدتها الانسانية بل ولا يتردد كلير في القول أن السيطرة على المناطق البترولية تشكل احد مفاتيح فهم الحرب العالمية الثانية، ولم تكن هذه السيطرة ايضا بعيدة عن حسابات الاطراف الرئيسية في حرب الخليج الاخيرة هكذا تصبح «الجيولوجيا» و«الجغرافيا» احد مصادر خطر اندلاع الحروب والنزاعات اذ يبدو بوضوح ان مناطق التوتر في العالم والبؤر التي تهدد بحروب جديدة انما هي التي تشهد خلافات ونزاعات حول الموارد الطبيعية في مقدمتها النفط ثم المياه والثروات الاخرى النادرة. وهكذا يؤكد كلير دراسة ما يسميه بـ «سياسات الامن النفطي» وحيث انه ومنذ الحرب العالمية الاولى بدا هناك ترابط وثيق بين النفط والسياسات العسكرية حيث ان الآليات المقاتلة وغيرها كانت تستخدم المشتقات البترولية في تسيير «آلة الحرب» وتحديد الخطط العسكرية. ولم يكن النفط بالطبع بعيداً عن المطامع ثم الحروب الاستعمارية التي قامت بها القوى الاوروبية وخاصة انجلترا وفرنسا، بعد الثورة الصناعية الكبرى واختراع الآلة البخارية والمحرك الانفجاري والكهرباء ويؤكد المؤلف ايضا ضمن هذا السياق على اهمية النفط في رسم السياسات الامريكية الخاصة بمنطقة الشرق الاوسط لاسيما بعد «الصدمة النفطية» الاولى اثر حرب 1979، ان احد العوامل المحددة لآفاق «النزاع حول النفط» يتمثل في العلاقة بين العرض والطلب في الاسواق البترولية، وتشير احصائيات نشرتها مراكز البحث المختصة الى ان زيادة الطلب على العرض كما يبدو في آفاق عام 2020 يمكن ان تشكل احد مصادر النزاع والحروب لكن مثل هذا الخطر لايزال بعيداً او مستبعداً اذ ان العرض لايزال اكبر وبهامش هام من الطلب في اسواق النفط، كما ان قانون العرض والطلب له آثاره المباشرة على مسألة تحديد سعر النفط، بكل الاحوال هناك ثلاث مناطق في العالم لها اهمية استراتيجية في ميدان الانتاج النفطي هي منطقة الخليج التي تحتوي على 65% من الاحتياطات البترولية المثبتة في العالم ثم منطقتي حوض البحر الكاريبي وشرق آسيا. وتكتسب منطقة الخليج ضمن هذا السياق اهمية كبيرة في منظور تحديد السياسات الامنية الدولية باعتبارها تمتلك ما يقارب ثلثي الاحتياطي النفطي العالمي، ولا يتردد مؤلف هذا الكتاب في القول ببداية فصل مكرس لـ «النزاع النفطي في الخليج» إن «منطقة الخليج تتشكل من بين مختلف مناطق انتاج النفط الكبرى في العالم الاكثر تعرضا لخوض تجربة الحرب خلال القرن ـ الحادي والعشرين، هذا لاسيما وان المؤشرات كلها تدل على ان الطلب على البترول سوف يزداد خلال العقود المقبلة. كما ان تاريخ القرن الماضي العشرين، وتحديداً اعتباراً من عام 1908 عندما قامت أول خطوة مهمة في مجال الاستثمارات النفطية في ايران، يدل على زيادة تواتر وحدة النزاعات في هذه المنطقة من العالم، وحيث كانت بريطانيا قد لعبت دوراً أساسياً إلى ان دخلت منطقة الخليج بقوة في الحسابات الاستراتيجية الأمريكية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. ان مؤلف هذا الكتاب يكرس عدداً من صفحاته لدراسة «تطور الاستراتيجية الأمريكية» حيال منطقة الخليج وحيث ان القادة الامريكيين كانوا قد أكدوا باستمرار وباسم «المصالح القومية الحيوية» للولايات المتحدة الأمريكية استعداد بلادهم لاستخدام القوة العسكرية اذا دعت الضرورة لتأمين استمرار وصول نفط الخليج إلى الأسواق في الغرب» وضمن هذا الاطار شكلت حرب «عاصفة الصحراء» عام 1991 منعطفاً مهماً في تعزيز الحسابات الاستراتيجية الأمريكية حيال منطقة الخليج والتأكيد على أهمية زيادة قدرات «القوى الصديقة» التي يحددها المؤلف دولاً بـ «السعودية» و«الكويت» والحد من قدرات «الدول المعادية» أي العراق وإيران. وفي نهاية التحليلات يقدم المؤلف ثلاثة «سيناريوهات افتراضية» للحرب في منطقة الخليج من منظور الاستراتيجية الأمريكية. السيناريو الأول في امكانية نشوب الحرب يتمثل في «قيام غزو عراقي جديد مثل ذلك الذي عرفه عام 1990 على حقول النفط في الكويت والمملكة العربية السعودية». والسيناريو الثاني هو «محاولة ايران اغلاق مضيق هرمز أو بروز مصادر خطر اخرى تهدد شحن النفط في الخليج نفسه» اما السيناريو الثالث والاخير فيحدده المؤلف بـ «قيام ثورة داخلية ضد العائلة الملكية السعودية». وعلى أساس هذه السيناريوهات الثلاثة تقيم الولايات المتحدة الأمريكية استراتيجياتها على أساس قدرة التدخل في كل حالة من الحالات، وحدها، أو ضمن تحالف ما. ويرى المؤلف أيضاً بأن الولايات المتحدة قد واجهت «واقعياً» بمعنى ما هذه التحديات عبر استمرار «التصادم» مع الوحدات العسكرية العراقية، كما ان السفن الحربية الأمريكية متواجدة بشكل مستمر في مياه الخليج تبعد حماية شحن النفط: كما ان واشنطن تقوم بـ «تنسيق حملة دولية ضد اسامة بن لادن واعداء آخرين محتملين للنظام السعودي». وبعد ان يقوم المؤلف باستعراض المعطيات الاولية لكل سيناريو من السيناريوهات الثلاثة يشير إلى بعض «مصادر النزاع الاخرى» وفي مقدمتها المسائل الحدودية والمسائل المتعلقة بالسيادة على بعض المناطق المتنازع عليها لا سيما جزر ابو موسى وطمب الكبرى وطمب الصغرى. ومن هنا يصبح الاستقرار في منطقة الخليج «هدفاً مطلوباً» في مواجهة الشروخ السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تواجهها المنطقة. وفصل آخر في الكتاب يخص «النزاعات على الطاقة في منطقة حوض الكاريبي» التي يتحدث عنها المؤلف وكأنها «الدورادو نفطية جديدة حيث تبلغ احتياطاتها ما يقارب ثلث احتياطات منطقة الخليج. لكن هناك «لعبة كبير» تظهر ملامحها في حوض الكاريبي يطلق عليها المؤلف تسمية «اللعبة الكبرى الثانية» التي تدخل فيها روسيا بمنافسة «جديدة» شديدة مع الولايات المتحدة الأمريكية والغرب، وحيث يبدو بوضوح بأن روسيا والولايات المتحدة قد كرستا جهوداً كبيرة لتحسين مواقعهما العسكرية في هذه المنطقة من العالم، الامر الذي يمكن ان يكون مصدرا لمواجهات مستقبلية ولحرب «باردة او ساخنة». لا سيما وان مؤشرات عديدة تدل على تنامي حالة عدم الاستقرار في المناطق المحيطة بخطوط انابيب نقل النفط وهناك اوضاع مشابهة اخرى في منطقة جنوب بحر الصين حيث يتحدث المؤلف عن «حرب البترول» هناك بالاعتماد على تحليله للاوضاع الجيوسياسية في القارة الآسيوية وتناقض مصالح الدول الاساسية مع نزوع الصين نحو فرض هيمنتها في المنطقة التي تعتبرها بمثابة مجالها الاستراتيجي ومصدر اساسي لتزودها بالطاقة. واذا كان النفط هو احد موارد الحرب في منظور عدة عقود مقبلة فإن مؤلف هذا الكتاب يؤكد ايضا على مورد اخر للحرب هو الماء.. وخاصة في ثلاث مناطق اساسية هي حوض النيل وحوض نهر الاردن ثم حوض دجلة والفرات ويتضمن هذا الكتاب فصلا اخير عن الحروب الداخلية حول المعادن والثروات الخشبية.