بيان الكتب: في سنة 1888 كتب تشيخوف لأحد الصحافيين (أ.ن. بليتشيف) رسالة قال فيها: انني أشعر بالخوف من هؤلاء الذين يبحثون بين السطور عن أشياء تدل على توجهات معينة، أولئك الذين عقدوا العزم على النظر إلي كليبرالي أو كمحافظ، والواقع انني لست ليبراليا ولا محافظاً ولا حتى من المؤمنين بنظرية التدرج ولا راهباً أو لا مباليا، وكل ما أريده هو ألا أكون أكثر من فنان حر وكم أشعر بالأسى لأن الله لم ينعم علي بهذه الموهبة، انني أكره الزيف والاجبار على الطاعة بكل أشكالها، في المواقف والخلق التي يتميز بها المراءون (الفريسيون) وفي الغباء والاستبدادية ليس في حوانيت التجار ومراكز الشرطة فقط، وإنما تلك التي أراها في مجال العلوم والآداب وبين فئات الشباب، ولهذا فإنني لا أطمح على الاطلاق لأن أكون شرطياً أو جزاراً أو عالماً أو كاتبا، أو حتى من هؤلاء الشباب، كما انني اعتبر التصنيف والتلقيب ضرباً من ضروب التحيز. ان جل ما احترمه هو الانسان، صحته وذكاؤه ومواهبه والتحرر من القهر والزيف أيا كانت أشكالهما، هذا هو البرنامج الذي سأوقع عليه لو أنني كنت فناناً عظيماً، على الرغم مما تركه الكاتب الروسي الكبير انطون تشيخوف من ثروة ابداعية ضخمة تفوق التوقعات إلا ان المعروف أيضاً ان الكثير من أعماله لم تترجم عن اللغة الروسية، وان هذا يعود في الأساس إلى انه لم يتم جمعها في مجلدات، وكان تشيخوف قد كتب وهو في السادسة والعشرين أكثر من 400 قصة قصيرة واسكتش ومقالة قصيرة بالاضافة إلى مجموعتين قصصيتين. ضمن ممتلكاتها المتنوعة تحتفظ مكتبة «نيويورك العامة» بكل المجلات الصادرة من «موسكو وسان بطرسبرج» التي نشر فيها تشيخوف أعماله الأولى خلال مرحلة مبكرة من حياته، من هذه المجموعة وقع اختيار «بيتر كونستانتاين على 51 قطعة من بينها 43 قصة قصيرة كتبت بين عامي 1880 ـ 1887 وتتميز معظم هذه الأعمال بالقصر الشديد حيث يتراوح طول بعضها ما بين صفحة أو خمس صفحات. وترتبط هذه المجموعة من الأعمال القصصية والنثرية في أشكالها بالتعبير عن أجواء البيئة الريفية البسيطة حتى وهي تنفذ إلى أعماق المدينة، وتسلط الضوء على مشكلاتها مثل مشكلة العلاقات العاطفية والزوجية البائسة والبيروقراطية التافهة والمحتالين وعلى حياة الطيش والعربدة والليل والفراغ والفوضى والغوغائية. ان العناصر التي تجمع بين الـ 43 عملاً التي يعيد كونستانتاين تقديمها للقارئ هي انها كلها من الأعمال القصيرة شديدة التكثيف وثانياً انها من الأعمال المبكرة لتشيخوف التي تظهر من خلالها عبقريته وأسلوبه الكتابي المميز بوضوح وبالاضافة إلى ذلك فهو يقدم ترجمة سهلة ممتعة وأمينة، ومن بين القصص التي تشتمل عليها المجموعة قصة «اسعافات أولية» التي تعالج مشكلة تردي الخدمات الصحية وظهور شريحة من الناس من مدعي الطب الذين يخاطرون بأرواح الناس كما يفعل أحد النبلاء عندما يصف الدواء لرجل غريق ينقذه المارة ليقتله بوصفته تلك. وفي قصة أخرى بعنوان «من مذكرات مساعد كاتب حسابات» تطالعنا حكاية عادية مألوفة عن الأمل في الحصول على الترفيه في العمل القائم في الأساس على ترقب انتقال الوظيفة إلى البطل بموت احدهم أو استقالته من المؤسسة. وفي بقية قصص المجموعة يتواصل القارئ مع العديد من القصص التي يبدو فيها المؤلف وكأنه يطرح السؤال التالي: لماذا يتصرف الناس على هذا النحو، ففي قصة «أسئلة عالم رياضيات» يقدم تشيخوف صورة واقعية لأسوأ المخاوف التي يمكن ان يتعرض لها المرء عندما يواجهه اختبار في الرياضيات يكون قد وضعه متخصص كما في هذا النموذج، إذا هاجمني ثلاثون كلباً، سبعة منهما باللون الأبيض وثمانية باللون الرمادي والبقية باللون الأسود، فأي واحدة من رجلي الاثنتين عضتها هذه الكلاب، الرجل اليمنى أم اليسرى؟ وفي قصة «الاعتراف» يشرح الراوي وهو رجل أعزب في رسالته أسباب عزوفه عن الزواج أو «الكوارث» كما يسميها وكلها مبررات مضحكة، الحازوقة التي تفاجئه في كل مرة يقابل فيها فتاة ويعرض عليها الزواج. ان كل ما تميزت به أعمال تشيخوف الأخيرة من نضج هو في الواقع ما يظهر بوضوح في هذه المجموعة التي كتبها في مرحلة مبكرة من حياته بكل مواصفاتها الفنية والابداعية ومعالجتها للجوانب النفسية بشيء من حدة الذهن وطرحها تساؤلات معاصرة حول السلوك الانساني. ما يقدمه بيتر كونستانتاين في ترجمته هو بالتأكيد ما يرضي نهم قارئ تشيخوف إلى التعرف على شخصية الحقيقة أيضاً فعلى العكس من العديد من الكتاب الروس الكبار الذين عاصروه ومنهم «ديستويفسكي» و «تولستوي» و «بوشكين» لم تكن أصوله لتنحدر من طبقة النبلاء، وكان تشيخوف ابنا لبقال عاجز عن دفع ديونه، ثم التحق بكلية الطب وصار ينشر أعماله القصصية في المجلات لينفق على أفراد أسرته الفقيرة، أما نظريته الثورية في الأدب فقد اتضحت منذ البداية، ففي قصة «سارا برنارد تزور البلدة» على سبيل المثال يلجأ تشيخوف إلى استخدام تقنية فريدة تبدو من خلالها القصة وكأنها بالفعل رسائل قصيرة سريعة موجهة إلى القارئ بدلاً من الشكل القصصي التقليدي المتعارف عليه، وفي قصة سارا برنارد يكتب برقية، لقد كنت أشرب نخبها طوال الأسبوع! رائع! انها تؤدي لحظة الموت واقفة كالأشجار، لا يمكن لممثلينا ان يضاهوا الباريسيين، ان من بين التقنيات الأخرى التي لم تكن معروفة على نطاق واسع خلال القرن التاسع عشر هذه التقنية التي يظهر فيها واضحاً عدم استخدام الحبكة القصصية المعقدة. وإذا كان تشيخوف قد ترك بصمة مميزة في الأدب الروسي وفي التراث الأدبي الانساني، فقد كان ذلك جزءاً من الجهد الحقيقي الذي بذله منذ البداية فقد كان بعد تخرجه من كلية الطب موظفاً ملتزماً وطبيباً يمتلك من نفاذ البصيرة ما جعله يفني حياته في خدمة أفراد أسرته ومجتمعه وكان قد تجاوز في عمله حدود موسكو ليصل إلى المناطق البعيدة النائية (سخالين) ويكتب في أثناء تنقله في تلك الأصقاع. مذكراته التي لا تزال إلى اليوم جزءاً من التراث الأدبي الكلاسيكي المليء بالثورة الصامتة والعاطفة التي لم تهدأ حتى لحظة رحيله متأثراً باصاباته بمرض السل، وهو في الرابعة والأربعين. وعلى الرغم من تلك الحياة العبثية القصيرة، إلا ان تشيخوف استطاع ان يقدم مجموعة من الأعمال المتميزة في مجال المسرح من بينها ثلاثة من المؤلفات الرائعة التي أحدثت تغييراً حقيقياً في تاريخ الحركة المسرحية الروسية والعالمية، ومما خلفه تشيخوف من تراث أدبي قصصي يصل إلى 600 قصة قصيرة يصل حجم بعضها إلى حجم الرواية القصيرة وكلها مما يدخل في عداد الثروة الأدبية الكلاسيكية الانسانية التي تمت ترجمتها إلى العديد من اللغات. تزامت عبقرية تشيخوف مع تلك المرحلة التاريخية الرهيبة التي شهدت موت الامبراطورية القيصرية التدريجي وكان نجمه قد بدا بالصعود في بداية مرحلة شهدت موجة من الاضطرابات السياسية ذات العناصر التراجيدية الكوميدية، أما موته فقد جاء في مرحلة أكثر حسماً في تحديد مصير الأزمة السياسية الروسية (1905) إذ تبعتها بعد ذلك مرحلة الثورة. ومرة بعد مرة فإن ما يميز أعمال تشيخوف المسرحية هو تلك النبرة التي يمكن مقارنتها بأعمال موزارت الموسيقية في طابعها المبتسم الحزين التي تمسك باللحظة العابرة التي يتعذر رفضها أو الاعتراض على الواقعة ما بين الفترة الزمنية الماضية بعبثيتها وطيشها ومن مرحلة العاصفة التي تعيد تشكيل المواقف والأشياء، ولكن اعادة التوازن إليها لا تستعصي على قلم تشيخوف الذي يظل محتفظاً بقوته ومفرداته القادرة على التحرك بالقارئ باتجاه المزيد من من الوعي بالاحتمالات الكثيرة المختلفة التي تصاحب الخروج من اللحظة الماضية بكل ما كان يكنه لها من الحميمية. مما يضاف إلى عوامل الازدهار الادبي التي ساهمت في اثراء الساحة الأدبية الروسية بكتاب من أمثال تشيخوف وتولستوي وديستويفسكي، تلك الأجواء الثقافية التي شهدت صدور المجلات والصحف والدوريات الأدبية المتخصصة التي تأهلت من خلالها أنواع أدبية مختلفة كالقصص والأعمال النثرية والكاريكاتورية للصعود بسبب ما تميزت به من تقنيات ابداعية مميزة وهي المرحلة ذاتها التي شهدت ظهور «موباسان» أو «هنري» و «مارك توين» من كتاب الطراز الأول. ان تشيخوف وعلى الرغم من انتمائه إلى الثقافة وتاريخ مختلفين ما زال يترك أثراً قوياً على الملايين من قرائه والذين يكتبون عنه في مختلف أنحاء العالم، ولعل أكثر ما يجذبك كقارئ لتشيخوف هو أسلوبه الذي يمزج بين الفكاهة والتراجيديا على نحو يجعلك قادراً على التعرف إلى ما يمكن ان تسميه بالتركيبة النفسية الداخلية للانسان الروسي أو «الشخصية» الروسية التقليدية، كما عرفها في القرن التاسع عشر، فتلك الشخصيات التي يرسمها قلمه هي في الواقع شخصيات تحتل مساحات مهمة كبيرة في بنية المجتمع الروسي، في ذلك الوقت، تلك الشخصيات من ملاك الأراضي إلى الفلاحين ومن المثقفين والمتعلمين إلى التجار ومن الطيبين إلى الأشرار والمتملقين والمخادعين هي ما يشكل التركيبة الاجتماعية في روسيا القرن التاسع عشر، كما ان تشيخوف بخلفيته العلمية التعليمية والثقافية كطبيب كان قد نجح في السيطرة على موضوعاته على نحو يمكنه من الموازنة بين النظرة الموضوعية والنظرة التخيلية للأشياء والأشخاص الأمر الذي يجعل تلك الشخصيات تنمو بشكل تدريجي كما يحدث على أرض الواقع. هذه المجموعة المترجمة من القصص التي يحتوي عليها كتاب الجانب المجهول من تشيخوف، هي في الواقع نموذج للانجاز القصصي الرائع الذي ضمنه تشيخوف تعليقه ومشاعره وتقديره لمشاعر الآخرين، أولئك الأشخاص العاديون الذين يصارعون من أجل البقاء على الرغم من كل شيء وعلى الرغم من تفاهة مشكلاتهم، فهناك هذه الشخصية المادية المحببة للمظاهر وهناك نساء يبعن أنفسهن لرجال طاعنين في السن وهناك المدمنون القلقون والأهم من ذلك هناك كاتب قصصي مثل تشيخوف هو في طريقه إلى النضج. كما ان هذا التقمص العاطفي الذي يجعلك تدرك للوهلة ان تشيخوف كان يرثي بل ويحتج بالفعل على الأوضاع البائسة التي كانت تعيشها المرأة في روسيا في تلك المرحلة، هذا التقمص الذي يعرف القارئ انه كان قد بلغ ذروته في قصة «الخال فانيا» كان قد ظهر واضحاً في هذه الأعمال المبكرة سواء في قصص النساء المتهافتات على الزواج من رجال أثرياء أو في حكايات هؤلاء اللاتي كن يتعرضن للضرب على أيدي أزواجهن من الرجال الذين يشعرون بدورهم بالظلم على أيديهن، «أيتها النسوة انهن متشابهات» هكذا كان يقول لنفسه وهو يتوجه إلى مطعم لندن. إن ماقاله فلاديمير نابوكوف عن تشيخوف يبدو شديد الواقعية في تصويره تشيخوف ولإبداعه الأدبي والمسرحي، ان ما يجذب القارئ الروسي إلى تشيخوف هو انه يرى فيه الفنان المثالي.. الانسان الذي يزاوج ما بين الحشمة التي يتمكن من خلالها المرء من وضع مبادئه موضع التنفيذ، الانسان يكرس حياته للجمال الاخلاقي ولخير مجتمعه والانسانية جمعاء على الرغم من انه لم يتكمن من عمل ذلك لنفسه فأفنى حياته في لحظة حلم بتحقيق اصلاحات يوتوبية خيالية، وعلى الرغم من انه كان يعرف ما هو مفيد بالنسبة له وما يستحق ان يعيش المرء من أجله إلا انه كان في الوقت ذاته يغرق شيئاً فشيئا في وحل هذا الوجود الانساني، فلم يكن سعيدا في حياته العاطفية وكان عاجزاً على نحو ميئوس منته عن القيام بأي شيء.. كان إنساناً طيباً لكنه عاجز عن تحقيق الخير لنفسه.. إنها تماماً تلك الشخصية التي تقابلك في هيئة طبيب أو تلميذ أو معلم في قرية وأشخاص آخرون يعملون في مهن مختلفة يمتليء بهم عالم تشيخوف القصصي. ولد القاص والكاتب المسرحي انطوان بافلوفيتش تشيخوف في يناير 1860 في تاجا نروج في روسيا، وتؤرخ أعمال تشيخوف القصصية لميلاد القصة القصيرة بمفهومها الحديث المعاصر، من حيث تميزها بالايجاز والكثافة والغوص في أعماق الشخصيات على نحو متقن شديد الذكاء. ومن الناحية الفنية تشتهر هذه الأعمال خاصة الأعمال المسرحية بتقنياتها الابداعية البعيدة عن التقليدية وعدم احتوائها على حبكات معقدة أو حلول نهائية اضافة إلى تسليطها الضوء على وقائع الحياة العادية التافهة في أغلب الأحيان القادرة على خلق أجواء خاصة تبرز على نحو مزعج أو مقلق أو مثير للعاطفة والتضامن معها في أحيان أخرى. كما يؤرخ تشيخوف لميلاد تيار الواقعية القصصية الذي اشتهرت به روسيا في القرن التاسع عشر. توفي تشيخوف في 2 يوليو 1904 في ألمانيا متأثراً بمرض السل. من أعمال تشيخوف المسرحية الشهيرة «النورس» سنة 1896، و «الخال فانيا» 1896 و «الأخوات الثلاث» سنة 1901 و «بستان الكرز» 1904. مريم جمعة فرج