بيان الكتب: «جان فرانسوا كان» مؤلف هذا الكتاب هو مدير مجلة «ماريان» الاسبوعية الفرنسية، وكان قبلها مديراً ورئيس تحرير لعدة دوريات فرنسية. نشر حوالي ثلاثين كتاباً من بينها «الفكر الواحد» و«حول الثورة» و«اشعار سياسية»، و«كل شيء كان مزيفاً، بمثابة وداع قرن من الاكاذيب». و«المتمردون» كان «بيان الكتب» قد قدّم هذا العمل في احد اعداده السابقة. هذا الكتاب هو محاولة للاجابة على سؤال جوهري يطرحه المؤلف ومفاده: «ضمن أية شروط تقرر مجموعة من الافراد، تشكل جسداً اجتماعياً، العيش المشترك او التناحر، هذا ويقدم المؤلف اجابته حسب ثلاثة مشارب اساسية هي: الاعتراف بالآخر يشكل الوسيلة الوحيدة للتعرف على الذات والاعتراف بها، الاعتراف بالذات وحده يسمح بولوج طريق قبول الآخر، قبول الاخر وحده هو السبيل لتحقيق التعايش الاجتماعي عبر «تنظيم المجتمع السياسي». احدى المقولات الاساسية التي يعتمدها المؤلف في تحليلاته حول مفهوم الآخر تتمثل في القول بأن الايديولوجيات الكبرى تعتمد دائماً على مفهوم لـ «الاخر» في مقابل «الانا»، وبالاصح في العلاقة مع «الأنا». وبالوقت نفسه يضع المؤلف «كونية الانسان» في صميم «فلسفة سياسية لا تلقي جانباً» خصوصية الافراد والجماعات. وهي فلسفة تتركز بشكل اساسي على «العلاقة مع الاخر»، او ما يسميه بـ «مخطط لسياسة العلاقة مع الاخر، مع الغير، او الغيرية، كما جاء في العنوان الفرعي لهذا الكتاب. ويؤكد المؤلف ضمن هذا السياق، على ان «الغيرية»، اي العلاقة مع الغير الاخر، انما هي ذات طبيعية سياسية وليست «ميتافيزيقية». وحيث ان هذه العلاقة هي التي تحدد الى درجة كبيرة نمط السلوك اليومي للناس في مجتمع معيّن. وضمن هذا السياق يكتسي «التأمل الفلسفي» اهمية خاصة من حيث انه يمكن ان يؤسس واحيانا يوضّح، الخيارات السياسية التي تتخذها السلطات المعنية بها وتحديداً التأمل الفلسفي بمفهوم العلاقة مع الاخر. ويرى المؤلف بان الفلسفة «من منظور انها تأمّل عميق حول العلاقة بين «الانا» و«الاخر» تتكشف، اي الفلسفة، بانها ذات مدى «واقعي» و«فعلي». وذلك بمعنى انها تؤسس لاي فكر سياسي يمكنه ان يتجذر في الواقع. «الفلسفة» هي اذن، والى حد كبير، في اصل «السياسة»، الامر الذي يجعل هذا الكتاب بمثابة بحث في «اخلاقيات» السياسة. ونقطة الانطلاق في أية «سياسة جيدة» تتمثل في الاعتراف بحق الاختلاف، كما يؤكد المؤلف بأكثر من صيغة في تحليلاته، ويضيف باستمرار بانه ينبغي ايضا عدم نفي «كونية» الشرط الانساني. بل انه يمكن القول بأن هذا الكتاب يرمي بالدرجة الاولى الى تحديد نمط «نموذج» العمل الاقتصادي والاجتماعي والثقافي الذي تتطلبه اية مسيرة تقوم على اساس التعايش بين اولئك المعنيين بها وبحيث يمكنها ان تكون قادرة على «توليد» علاقات «مسالمة» و«غيرية»، اي «لا تقلّص الاخر الى مجرد دوره الاجتماعي والى لون جلده او الى اي نعت اخر يدل على اختلافه». ان رؤية «الاخر» على اساس «اختلافه» تشكل الخطوة الاولى في مسيرة تهميشه واستبعاده. لذلك يغدو «قبول الاخر» بمثابة حجر الزاوية فيما يحتاجه المجتمع لتأمين قيام علاقة صحيحة بين ابنائه، وليس ان يكون «الانسان ذئباً بالنسبة للانسان»، كما جاء في عنوان فصول هذا الكتاب. لكن «قبول الاخر» ليس مجرد مقولة «فلسفية» يتم الاخذ بها بسهولة وتبنيها كأساس للعلاقة بين «الأنا» و«الاخر»، وانما هو نتيجة مسار تطوري يتطلب «تكسير» العديد من «الافكار الجاهزة» بل و«الاساطير»، مثل «اسطورة الجزيرة المعزولة»، كما جاء في عنوان فصل اخر. ويقدم المؤلف «براهينه» النقدية على ان «الفرد» لا يمكنه ان يدرك ذاته دون ان يمر اولا بـ «الغير»، اي ان يمر بـ «الاخر» على اعتبار انه فرد له خصوصيته و«تفرده» وبـ «الاخرين» على اعتبارهم مجموعة اجتماعية. «ان الاخر ضروري من اجل ادراك ذاتنا وشخصيتنا»، هذا ما يقوله المؤلف ويضيف بان «الانا ـ الشخصية ـ تبقى غير مدركة لذاتها دون تأكيد الاخر لكن هذا لا يكفي، ولا يمكن لمثل هذه الغيرية ان تؤسس لمسيرة ثابتة اذا لم يكن الاخر المقصود يجمع في ذاته كثيراً من الاخرين»، اي ما يعني التأكيد على انه اذا كانت العلاقة مع الاخر ضرورية من اجل تشكل «الذات الشخصية» فانه ينبغي ايضا ان تكون هذه العلاقة «جماعية» و«اجتماعية». ان مثل هذا النقاش حول العلاقة بين «الانا» و«الاخر» تذكر الى حد كبير بالنقاش الفلسفي الذي كان قد أثاره العديد من الفلاسفة والمفكرين حول هذا الموضوع، وخاصة مقولات جان بول سارتر الشهيرة «الاخرون هم الجحيم» لكن «الاخرين هم طريق التعرف على الذات». تجدر الاشارة هنا الى ان «جان فرانسوا» كان يطالب بالتحرر من «التهويمات» في فصل يحمل عنوان «لاسارتر ولا لوفيناس» «لوفيناس هو فيلسوف فرنسي ـ ايمانويل لوفيناس ـ ركّز مقولاته واطروحاته حول معنى «الذات» الانسانية في علاقتها مع الاخرين ومع العالم. ان هذا الاستبعاد لما يسميه المؤلف بـ «التهويمات» يقابله التأكيد على «الاعتراف الاصيل ـ ذي المصداقية. المتبادل «بين ابناء اي مجتمع من المجتمعات. وصفة «الاصيل» هذا تعني في المفهوم المستخدم في مختلف التحليلات المقدمة وفي منهجها الفكري ايضا، التأكيد على ان «الاخرين» الذين يؤسسون لـ «الانا» الشخصية ليسوا «ذوات مجردة» بل هم يشغلون «وظائف اجتماعية» ويتميزون بخصائص مختلفة تتعلق بالوضع المهني وبالموقع في اطار السوق وبالانتماء الايديولوجي والديني.. الخ. ذلك ان الافراد يحققون وجودهم الفعلي عبر الحياة الاجتماعية نفسها. وضمن هذا النهج من التحليل جاء رفض «جان فرانسوا كان» لـ «المعضلات المزيفة» التي تطرحها «مثالية لوفيناس» و«تشاؤم سارتر» الذي يميل الى القول بان العلاقات بين البشر لا يمكنها ان تكون سوى ذات طبيعة «تنازعية». ويرى «كان» بان الاخر ليس جحيماً ولا فردوساً، وانما تتحدد طبيعة العلاقة به «هامش الحرية» التي يمتلكها الانسان. وضمن السياق نفسه ايضا يرفض المؤلف الى حد كبير نظريات «التحليل النفسي». التي قال بها «سيجموند فرويد»، والتي صبغت بطابعها بشكل دكتاتوري احياناً، جزءا كبيرا من المقولات الفكرية في القرن العشرين، خاصة فيما يتعلق بالعلاقات وطبيعتها بين «الانا» و«الاخر» وعلى صعيد العلاقات الاجتماعية. وما يطالب به المؤلف بالمقابل هو «الاعتراف المتبادل» و«الاصيل»، وذلك على خلفية دحض الفكرة التي قال بها الفيلسوف «هويس» القائلة بان «الانسان هو ذئب بالنسبة للانسان. ويؤكد بالوقت نفسه على ان «حرية الانسان» لا تجعله بالضرورة «ذئباً بالنسبة للانسان» وبالتالي لا تقوم العلاقات بين البشر، بالضرورة ايضا على اساس «القتل والعدوان». وفي فصل يحمل عنوان «الحالة الطبيعية والحالة الثقافية» يدرس المؤلف بعمق وبالاعتماد على مسيرة التطور الانسانية العلاقة بين «ما هو طبيعي» و«ما هو ثقافي». وهذا البحث يمثل صدى للدراسة الشهيرة التي كان «كلودليفي ستروس» مؤسس البنيوية، قد قدمها تحت عنوان «النيء والمطبوخ»، وحيث «النيء» يدل على «الطبيعي» اما المطبوخ فهو «ثقافي بفعل تدخل العمل الانساني. ويؤكد جان فرانسوا كان في بحثه عن العلاقة بين «الحالة الطبيعية والحالة الثقافية». انه ليس هناك «طبيعة انسانية» او «طبيعة حيوانية» ذات نزعات عدوانية بذاتها و«مضادة للنوع الذي تنتمي اليه، هذا لاسيما وان الحيوانات التي تنتمي الى النوع نفسه لا تتقاتل بالتعريف بين بعضها البعض لكن بالمقابل ان الثقافة ذاتها (على قاعدة الايديولوجيات والانتماءات العقائدية» وليس «الحالة الطبيعية» وبعد الانتصار على العقبات الطبيعية امام البقاء، هي ـ اي الثقافة ـ التي يمكنها ان تثير الاعتداءات والحروب من اجل تأكيد القوة والبحث عن الهيمنة وكـ «تعبير عن رفض الاخر». وفي الصفحات الاخيرة من هذا الكتاب يتعرض المؤلف لـ «العمل الثقافي» المطلوب من اجل ايجاد نوع من «التمفصل» بين «الحرية» و«التسامح» في العلاقات الانسانية، اي ما يمكن ان يعيد «الطبيعة الانسانية» الى حقيقتها، الى الحالة السابقة لـ «التشوه» الذي سببته «الايديولوجيات» التناحرية. ويخلص «جان فرانسوا كان» الى نتيجة نهائية تقول بان الافراد لا يمكنهم التفتح والازدهار الا ضمن اطار الاعتراف بـ «اختلافاتهم» وبـ «بعدهم الكوني» بالوقت نفسه. وضمن هذا النهج من التحليل يقوم «كان» بنقد «العولمة» في السياق «الليبرالي الجديد». والتي يرى بانها قد اختزلت «الذات الانسانية» الى مجرد «دور اقتصادي» والى «سلعة» او الى «مصدر للدخل». ان «التمرد العفوي»، او «الاجابة العفوية» على مثل هذا الاضطهاد يتمثل في «انكفاء الافراد على هويتهم». بالمقابل يؤكد المؤلف بان «الرد الحقيقي على العولمة هو ايجاد ثقافة تشمل الكونية والاختلاف وبحيث يتم تجاوز «المعضلة المزيفة» التي تحصر الخيارات القائمة بين «الليبرالية الاقتصادية» و«الاشتراكية التسلطية»، وهذا يتطلب الحرية على المستوى الانساني والفردي واحترام الخصوصية الثقافية والمنفتحة على مختلف المجموعات المتنوعة التي تشكل مصدر ثراء حقيقي للمجتمعات المعنية بها. ان «الاقتصادية الليبرالية» تعطي الفرد فرصة الاعتراف به لكنها تحطم المجموعات الاجتماعية او تتجاهل حقوقها، اما «الاشتراكية التسلطية» فإنها تعترف بالمجموعات والطبقات ومصالحها ولكنها «تلغي الافراد». لذلك يقترح المؤلف في مواجهتهما رؤية فلسفية واخلاقية سياسية تتلخص بإيجاد علاقة صحيحة بين «الخاص» و«الكوني» عبر «اكتشاف الاخر، والاخرون بواسطة الاخر، والاخرون في الاخر، والاخرين الاخرين... وهكذا يتم اكتشاف الذات». «الأنا» و«الاخر» و«الذئب» الايديولوجي فينا