بيان الكتب: كتاب عن الرئيس الفرنسي جاك شيراك وعن الحياة السياسية الفرنسية فيه الكثير من القسوة والسخرية المرة .. لكنه كتاب حميم بنفس الوقت تيير دوجاردان هو نائب مدير صحيفة «الفيجارو» الباريسية الف العديد من الكتب ونال جائزة «البير لوندر» الادبية. كما نال احدى جوائز الاكاديمية الفرنسية عن اهم مؤلفاته «مئة مليون عربي» و «مع رهائن التشاد» و «ميتران اشتراكي ديجولي» و «اوقفوا ازعاجكم للفرنسيين» حول نظام الضرائب في فرنسا» و «رجل مجهول اسمه شيراك» .. الخ. «شيراك استيقظ» هو كتاب فيه الكثير من القسوة، و «المودة» بنفس الوقت، ولا يتردد المؤلف منذ الاسطر الاولى في هذا الكتاب عن التأكيد بثقة كاملة بان الرئيس الحالي جاك شيراك سوف يفوز في الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقبلة التي سوف تجري في شهر مايو من عام 2002 تجدر الاشارة هنا الى ان «تيير دوجاردان» مؤلف هذا الكتاب كان من بين القلائل جدا الذين كانوا قد راهنوا خلال الانتخابات الرئاسية السابقة في فرنسا عام 1995 بان شيراك سوف يفوز، هذا على الرغم من ان شعبيته عند انطلاق الحملة الانتخابية لم تكن تتجاوز 7% من الاصوات كما دلت استطلاعات رأي عديدة هذا في الوقت الذي كانت تدل فيه الاستطلاعات نفسها على ان ادوار بالادور رئيس وزراء فرنسا خلال فترة 1993 ـ 1995 سيفوز بنسبة ساحقة .. وقد كان بالادور احد اقطاب حزب شيراك «حزب التجمع من اجل الجمهورية» الذي كان الرئيس الحالي قد شكله عام 1974 على اساس التوجه الديجولي واحد الاصدقاء التاريخيين لشيراك منذ اكثر من ربع قرن من الزمن، لكنه تنكر له عندما لاح في الافق احتمال انتخابه للرئاسة. السؤال الكبير الذي يطرحه مؤلف هذا الكتاب منذ البداية ايضا، يتعلق بالاسباب التي دفعت الرئيس جاك شيراك الى ارتكاب الكثير من الاخطاء بل وبانخداعه مرات ومرات منذ انتخابه رئيسا للجمهورية الفرنسية في شهر مايو من عام 1995 ولكن بالمقابل يؤكد «تيير دوجاردان» بان الفرنسيين لايزالون يحبون الرئيس ويولونه ثقتهم، رغم كل ما اقترفه من اخطاء. لكن اين انخدع الرئيس جاك شيراك؟ في فصل يحمل عنوان «من احلام مايو الى وقائع اكتوبر» يعتبر المؤلف بانه بعد فترة نشوة الانتصار اثر فوز شيراك بالانتخابات الرئاسية عام 1995 بدأت فترة من التلكؤ كان قرار شيراك نفسه حل الجمعية الوطنية الفرنسية في شهر مايو من عام 1997 بمثابة منعطف حاسم فيها. اذ ان قرار الحل ذاك حرمه من الاغلبية البرلمانية التي كان يتمتع بها والتي كان يمكنها ان تسمح له بتحقيق خططه للحكم، ذلك ان انتخابات شهر يونيو من عام 1997 اوصلت الى الجمعية الوطنية اغلبية يسارية ما ترتب عليه تأليف حكومة يسارية برئاسة ليونيل جوسبان لتبدأ فترة تعايش جديدة هي الثالثة في ظل الجمهورية الخامسة التي كان الجنرال ديغول قد اسسها عام 1958 وذلك بعد فترتي تعايش سابقتين خلال فترة 1986 ـ 1988 عندما كان جاك شيراك نفسه رئيسا للوزراء في ظل حكم الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران، وخلال فترة 1993 ـ 1995 عندما كان ادوار بالادور رئيسا للوزراء في ظل حكم ميتران نفسه. ويصف «تيير دوجاردان» الفترة الحالية القائمة في فرنسا بوجود رئيس وزراء اشتراكي هو ليونيل جوسبان ورئيس جمهورية يميني (ديجولي) هو جاك شيراك بانها فترة «تعايش سلس» اذ بدا بوضوح ان الرجلين وكل منهما من موقعه، يريدان ان يظهر صوت فرنسا «موحداش»على صعيد مختلف القضايا الدولية هذا على الرغم من قناعة شبه جماعية بان «جوسبان» و «شيراك» سيكونان الخصمين الرئيسيين في الانتخابات الرئاسية المقبلة خلال شهر مايو في عام 2002 تجدر الاشارة هنا ايضا الى ان مؤلف هذا الكتاب يقدم مختلف تحليلاته ضمن منظور هو الانتخابات الرئاسية وبكل الاحوال، ورغم القضايا العديدة التي يواجهها الرئيس جاك شيراك وليس اقلها شأنا ما يسمى بـ «فضيحة بلدية باريس» والخاصة بقضية فساد وتلقي عمولات وممارسات مالية تنقصها الشفافية، وهذا كله عندما كان جاك شيراك رئيسا لهذه البلدية قبل ان يصبح رئيسا للجمهورية الفرنسية، وحيث ارتفعت اصوات عديدة للمطالبة بضرورة ان يقدم شهادته امام القضاء كأي مواطن عادي. ولكن بكل الحالات يبدو جاك شيراك بمثابة المرشح الاكثر مصداقية في مواجهة يسار «عفى عليه الزمن». ان فترة رئاسة جاك شيراك تصل الآن الى سنتها السابعة والاخيرة. وفي نظرة من المؤلف الى حصيلة السنوات الست الماضية يقول بانها «اسوأ فترة رئاسية في ظل الجمهورية الخامسة»، اي منذ عام 1958 واذا كان يركز بالمقابل علي الدور الكبير الذي لعبته الظروف في مثل هذا الواقع فانه يؤكد ايضا على الارث الهام الذي خلفه ثلاثة من رؤساء هذه الجمهورية الخامسة السابقين، هم الجنرال شارل ديجول الذي ارسى اسس الدستور ومباديء الحرية واسس لدولة على «قياسه» لكنه اعطى لفرنسا دورها الهام على المسرح الدولي وفي مواجهة الولايات المتحدة الامريكية حيث كان قد اخرج بلاده من البنى العسكرية للحلف الاطلسي واكد على ضرورة ان تبني ترسانتها النووية الخاصة بها بحيث انها تستطيع ان تؤمن دفاعها الذاتي في وجه احتمال اي عدوان خارجي (سوفييتي آنذاك). يبدو ديجول في تحليلات هذا الكتاب وكأنه بشكل ما هو «صانع فرنسا الحديثة» وينقل المؤلف عن الرئيس جاك شيراك نفسه قوله عندما كان مجرد رئيس للحزب الديجولي عام 1994: «عندما كنت طالبا في كلية العلوم السياسية كان اساتذتنا يقولون لنا بان فرنسا لا تستطيع ان تصبح بلدا عظيما ويشرحون الاسباب التي كانت تدعوهم لمثل هذا القول، لكن عندما وصل الجنرال شارل ديجول الى السلطة، استطاع وخلال عدة اسابيع فقط القيام باصلاح النظام الاداري وثبت الاستقرار في البلاد، وفهم الجميع خارج فرنسا وداخلها بان كل شيء قد تغير وهذا كله يعود لوجود الجنرال ديجول وايضا لتوفر الارادة السياسية. اما الرئيس جورج بومبيدو، خليفة الجنرال ديجول في الرئاسة فقد استطاع نقل فرنسا من موقع «الامبراطورية» الذي احتلته خلال عهد الجنرال شارل ديجول من خلال الدور العالمي الذي لعبته آنذاك الى موقع «القوة الصناعية» اذ شهدت البلاد ازدهارا اقتصاديا كبيرا لم تشهده قبل ذلك منذ الحرب العالمية الثانية ولا يزال الفرنسيون يذكرون بكثير من الحنين فترة تلك السنوات المزدهرة دون ان يتوقفوا طويلا امام بعض القضايا و «الفضائح» ذات الطابع الشخصي او التي تتعلق بخلافات الرئيس بومبيدو مع رئيس وزرائه. اما الرئيس الثالث للجمهورية الخامسة «فاليري جيسكار ديستان»، الذي تلقى فترة حكمه الكثير من اشكال النقد العنيف حيث انه لا يزال في مخيلة الرأي العام الفرنسي مرتبطا بحكاية «اللاليء» التي اهداها له الامبراطور «بوكاسا» رئيس جمهورية افريقيا الوسطى آنذاك وايضا الرئيس الذي تضاءل وزن فرنسا على الساحة الدولية خلال عهده هذه الآراء والمقولات كلها حول جيسكار ديستان لا تلقى التأييد الكبير لدى المؤلف الذي يميل على العكس، الى القول بان التاريخ سوف يعطي ذات يوم «جيسكار ديستان» موقعه و «سيعيد اعتباره». بالمقابل يصدر تيير دوجاردان حكما قاسيا ضد فترة رئاسة فرانسوا ميتران ويعتبرها من الفترات الاكثر اظلاما في تاريخ الجمهورية الخامسة وهي الفترة التي ازدهرت فيها ثروات الشركات متعددة الجنسيات وزادت المحسوبيات وحيث كانت «المكيافيللية» هي القاعدة السائدة في توجهات قصر الاليزيه لكن المؤلف يعتبر بان الرئيس الراحل فرانسوا ميتران كان الرئيس الفرنسي الاكثر «ديجولية» حول عدد من القضايا وخاصة فيما يتعلق بمفهوم «الدفاع الاوروبي» وعلاقة فرنسا بالحلف الاطلسي، هذا على الرغم من الايديولوجية «الاشتراكية» التي كان قد اعلنها ووصل تحت رايتها الى الرئاسة. ويكرس المؤلف فصلا لتحليل الاخطاء، الخدائع، التي شهدتها مسيرة جاك شيراك منذ انتخابه رئيسا للجمهورية ومن هذه الاخطاء تصريحه في شهر فبراير من عام 1996 في سنغافورة، عندما كان يقوم بزيارة لها، ضد النظام المصرفي الفرنسي ووصفه بانه «عاجز عن تحمل المسئولية حيال المؤسسات والشركات الوطنية» وذلك دون ان يطرح حتى مجرد تساؤلات حول دور الدولة ويؤكد المؤلف بان مثل هذا التصريح اثار فضول آسيا كلها. وفي شهر مايو من نفس السنة دعم في لندن الحكومة البريطانية برئاسة توني بلير فيما اسماه بـ «ملف جنون البقر»، وذلك دون ان يكون على ادراك حقيقي بهذا الملف وفي سبتمبر من نفس السنة تحدث عن انضمام هنجاريا وبولندا الى الاتحاد الاوروبي ضمن اطار خطة توسعية، وذلك قبل نهاية عام 2000، لكن عام 2000 قد انتهى ولم تزل هاتان الدولتان خارج الاتحاد الاوروبي، وفي نفس السنة ايضا موقف معاد و «مجاني» لكل من بلجيكا وايطاليا بسبب موقفهما من التجارب النووية التي كان الرئيس شيراك نفسه قد اعطى الضوء الاخضر للقيام بها في جزيرة موروروا. وعود كثيرة لم تتحقق ومواقف مجانية واستخدام مفاهيم دون ادراك كامل بمضمونها وتفاصيلها .. هذه هي محصلة السنوات السابقة من حكم الرئيس شيراك الذي «يندفع» بكثير من العفوية في تصريحاته ومواقفه امام ضيوفه الذين يعلنون حبهم لفرنسا .. لكنه ينسى دائما بان «الدبلوماسية «فن صعب». كما ان السنوات الست السابقة قد شهدت الهزيمة امام اليسار في الانتخابات التشريعية ثم في الانتخابات المحلية وبعدها الانتخابات الاوروبية .. وفي المحصلة «الامور واضحة، ان كل شيء مختلط» هذا في وقت لم يعد هناك سوى عدة اشهر تفصلنا عن الانتخابات الرئاسية ويقول المؤلف بصدد هذه الانتخابات «ليس هناك من يعتقد لثانية واحدة بان الفرنسيين يمكن ان يختاروا رئيس دولة اشتراكي شيوعي وحتى لو كان يزين نفسه باللون الاخضر» ـ اشارة الى مشاركة حركة الخضر في الحكم، ويؤكد المؤلف ايضا بان نسبة من الفرنسيين تتراوح بين 5% و 6% ينتمون الى الطبقات الوسطى، هم الذين سيقررون من سيكون الرئيس المقبل بينما «ان الفرنسيين ليسوا سعداء، لقد ارهقهم النظام الذي يعيشون بظله هناك شيء ما لايسير على ما يرام في مملكة فرنسا. بل هناك ماهو اكثر ،هناك ازمة». يضيف المؤلف الى اللوحة السابقة كلها واقع المستجدات الجديدة التي ليس اقلها تحقيق الاتحاد الاوروبي وتبني عملته الموحدة اعتبارا من مطلع عام 2002، وهناك العولمة بكل ما تفرضه من قواعد في «لعبة السوق» .. وهناك ايضا ثورة المعلوماتية وخاصة «شبكة الانترنت الرهيبة» ونتيجة لتفاعل هذه المكونات كلها انتفت الحدود ولم تعد هناك دلالة كبيرة لما المح العديدون في تسميته «بالاستثناء الفرنسي» .