بيان الكتب: كارين. أ. مينجست هي أستاذة العلوم السياسية في جامعة كنتوكي. ومرجريت. ب. كارنس هي أستاذة العلوم السياسية في جامعة دايتون. هذا الكتاب يتم نشره ضمن إطار سلسلة «معضلات سياسات العالم» الصادرة عن دار نشر «وست فيو» في كولورادو واكسفورد. وتتعرض مؤلفات الاخصائيتان بالعلوم السياسية، فيه إلى دور الأمم المتحدة في سياسات العالم، مع التركيز بشكل خاص على فترة ما بعد الحرب الباردة وتحدياتها ومعضلاتها. وفي مقدمة هذه التحديات والمعضلات هناك تلك المتعلقة بمسألة «السيادة» «السيادة الوطنية» التي يبدو عمل منظمة الأمم المتحدة بمثابة «خرق» لها في بعض الحالات التي مورس فيها «حق التدخل» باسم المجموعة الدولية والسلام العالمي. وقد كانت أحداث منطقة البلقان وقبلها حرب الخليج الأخيرة بعض الأمثلة على ممارسة مثل هذا «الحق» خلال عقد التسعينيات الماضي. كما ان مسألة «السيادة» قد تتعارض أيضا مع ميل بعض القوى الكبرى على الصعيدين الدولي والاقليمي إلى فرض هيمنتها. ان هذا الكتاب يحتوي في الواقع على كم ضخم من المعلومات حول الدور الذي لعبته الأمم المتحدة في بعض الحالات العيانية مثل عمليات «التفتيش» على التسلح والسلاح العراقي بعد حرب الخليج. وعمل الأمم المتحدة أيضا في الحملة ضد منظومات التمييز العنصري «ابارتهايد» وأيضا نشاطها فيما يتعلق بمسائل حماية البيئة. تركت نهاية الحرب الباردة خلال العامين اللذين أعقبا سقوط جدار برلين عام 1989 صوراً لاتزال، وربما ستبقى لفترة طويلة، عالقة في الذاكرة، مثل أولئك الطلبة الألمانيين الشرقيين الذين كانوا يقفزون فوق جدار برلين وهو يتهاوى قطعة وراء قطعة.. وصورة بوريس يلتسين، الرئيس الروسي السابق، وهو يقف على ظهر دبابة في أحد شوارع موسكو ليعلن عملياً نهاية الاتحاد السوفييتي، احدى القوتين العظميين اللتين سادتا العالم بعد الحرب العالمية الثانية.. وصور أخرى كثيرة عرفتها أحداث العالم الكبرى مثل حرب الخليج ومسيرة مفاوضات السلام في الشرق الأوسط.. هذه الأحداث كلها وكثير غيرها تدرسها مؤلفة هذا الكتاب على ضوء نهاية الصراع الايديولوجي والسياسي والاقتصادي والعسكري بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي، أو بين «الديمقراطية والشيوعية» كما تريد المؤلفتان أن تؤكدا القول وكما شاع في القاموس الغربي عامة، والأمريكي خاصة. وضمن هذا السياق وجدت منظمة الأمم المتحدة نفسها أمام مهمات عالمية جديدة، كان دورها فيها «هامشيا» في واقع الأمر خلال ما يزيد على أربعة عقود من أجواء الحرب الباردة. لكنها اليوم تبدو معنية بشكل مباشر، بل وتلعب أحيانا دورا حاسما بشأن القضايا الخاصة بالأمن والسلام في العالم وبمسائل التنمية والسكان والكوارث الانسانية..الخ. وتضع تحليلات الكتاب في «رصد» نشاط الأمم المتحدة أعمالا مختلفة تتراوح من «إعادة تعمير كولومبيا» بعد الزلزال الكبير الذي أصابها إلى التدخل في بعض الجبهات المسلحة ومروراً بالاشراف على تنظيم الانتخابات في بلدان مختلفة مثل نيكاراجوا وناميبيا أو العمل على احترام حقوق الإنسان..الخ. لكن في عام 1955 تضاءل كثيرا التفاؤل حول دور الأمم المتحدة بسبب ما اعترضه في كل من الصومال والبوسنة ورواندة وحيث تعثّر أيضا مجلس الأمن في اتخاذ قراراته بشأن الامكانيات العسكرية والمادية والمالية لمواجهة مثل تلك الأوضاع المعقدة. وبدت الأزمة أكبر على الصعيد المالي عندما رفضت بعض الدول الأعضاء في المنظمة الدولية دفع التزاماتها التي كانت قد ازدادت مع ازدياد نشاطاتها. من هنا ارتفعت في عام 1995 أيضا، وبمناسبة احتفال الأمم المتحدة بعيد ميلادها الخمسين، أصوات كثيرة تطالب بضرورة إعادة النظر في بنيتها واجراء اصلاحات ادارية ومالية عميقة. وفي عودة إلى تاريخية منظمة الأمم المتحدة يتم التأكيد على أن إنشاءها غداة نهاية الحرب العالمية الثانية إنما كان بمثابة تأكيد الرغبة بإيجاد هيئة دولية يمكنها أن تساعد على «كبح» امكانيات نشوب حروب جديدة وفي الوقت نفسه تشجع التعاون الدولي على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي بشكل خاص. وكان ميثاق الأمم المتحدة قد استوحى الكثير من روحيته من الدروس التي تم استنباطها من تجربة «عصبة الأمم» التي قامت عند نهاية الحرب العالمية الأولى. هكذا وضعت الأمم المتحدة ومنذ تأسيسها عام 1945 هدفا رئيسيا لها يتمثل في تأكيد امكانيات الوصول إلى تسويات أمنية على مستوى العالم كله وإيجاد الشروط الاجتماعية والاقتصادية لتعزيز السلام في المعمورة كلها. لكن بالمقابل عرفت منظمة الأمم المتحدة ومنذ انعقاد الجمعية العمومية الأولى عام 1946 «شرخاً» داخلياً بسبب واقع أن الحلفاء الذين انتصروا في الحرب العالمية الثانية وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي ـ السابق ـ وبريطانيا وفرنسا والصين، كانوا منقسمين إلى معسكرين في الواقع مع كل ما كان يحمله هذا من تضارب في المصالح. هكذا وجدت الأمم المتحدة وبعدها مجلس الأمن الدولي نفسيهما أمام أوضاع اشكالية معقّدة عندما تدخلت الولايات المتحدة في الحرب الفيتنامية وعندما اجتاحت الدبابات السوفييتية تشيكوسلوفاكيا ـ ربيع براغ ـ وهنجاريا لقمع حركات احتجاجية ضد أنظمتها آنذاك وحيث لم يبد عندها أي دور فاعل للأمم المتحدة. ان مثل ذلك المنطق في الثنائية الدولية التي سادت طيلة الحرب الباردة أدّى في الواقع إلى «تعطيل كبير لدور المنظمة الدولية نفسها». وقد اقتصر هذا الدور على نشر «قوات دولية لحفظ الأمن» في عدد من مناطق العالم على رأسها الشرق الأوسط. وقد بلغ مجموع العمليات التي نشرت فيها الأمم المتحدة قوات لحفظ السلام في العام ما بين عامي 1948 و1988 ثلاثة عشر عملية». كذلك لا يمكن فهم تأسيس الأمم المتحدة وآليات عملها بمعزل عن معطيين أساسيين استجدّا في سياق العلاقات الدولية وهي «الثورة النووية ونهاية الحقبة الاستعمارية وبروز مجموعة من الدول الجديدة». كما برز في السياق نفسه نوعا من النظام الدولي الاقتصادي الجديد، تميّز بالانقسام شبه العمودي بين الشمال والجنوب، وقد شكلّ هذا الانقسام مسألة مركزية في سياسات العالم إلى أن تضاءلت حدته كثيرا اعتبارا من مطلع عقد الثمانينيات مع بدايات الاهتمام الجدّي بمسائل البيئة على صعيد العالم كله، كما بدا في «مؤتمر ستوكهولم» حول البيئة الإنسانية عام 1972. وجاء مؤتمر «كيوتو» عام 1997 حول التغيرات المناخية في العالم «بمثابة صدى» للاطروحات التي كانت تتردد عمليا منذ سنوات الستينيات خاصة حول مسئولية الدول الصناعية المتقدمة في ميدان «تخريب» البيئة، ولذلك دعا مؤتمر كيوتو إلى تنفيذ اجراءات أولية تكتفي بضرورة تقليص هذه الدول الصناعية لكمية غاز الكربون السام الصادر عن صناعاتها. ان تبدلات مهمة قد شهدها العالم بعد نهاية فترة الحرب الباردة، كما تؤكدا مؤلفتا هذا الكتاب. ذلك ان سياق مطلع هذه الألفية الجديدة مختلف بشكل عميق عن السياق الدولي الذي أعقب نهاية الحرب العالمية الثانية الذي تأسست فيه منظمة الأمم المتحدة. ان المرحلة الراهنة من تطور الإنسانية تتسم بالتسارع الكبير في إيقاع التجارة الدولية وبتوسع نشاط المجموعات متعددة الجنسيات وببروز أسواق مالية دولية، مما أدّى كله إلى ظهور ما يسمّه بـ«العولمة»، عولمة «الإنتاج» والتسويق والعمل» بشكل كبير. لكن في الوقت نفسه «يتسم عالم ما بعد الحرب الباردة بتنامي النزاعات الاثنية وبافلاس عدد من دول القارة الافريقية وبالعنف ضد اللاجئين والمهاجرين في أوروبا وآسيا والولايات المتحدة الأمريكية وأيضا بظهور عدد من أشكال الاحتجاج ضد نتائج «حرية التجارة والعولمة»، وفي المحصلة تشهد فترة ما بعد الحرب الباردة توجهات صبّيانية نحو «التعامل» و«التداخل» و«التجزئة» و«لبررة الاقتصاد» و«النزوع نحو الديمقراطية» و«تنامي دور المنظمات غير الحكومية».. وفي ظل هذا كله بروز دور جديد لمنظمة الأمم المتحدة التي شهد العالم «تحت غطائها» عمليات تدخل عسكرية من أجل ضبط قواعد «اللعبة الدولية» والعلاقات بين الأمم والشعوب. هكذا يجري التحرك الدولي اليوم تحت شعار الجمع بين »الواقعية» والتوجه «الليبرالي» في سبيل تحقيق نوع من «المجتمع المدني الدولي». بالمقابل تحمل فترة ما بعد الحرب الباردة تناقضاتها ومعضلاتها على صعيد الدور الذي يمكن للأمم المتحدة أن تلعبه على صعيد العلاقات الدولية. وفي مقدمة هذه المعضلات مسألة التوفيق بين فرض الارادة الدولية والمحافظة على سيادة الدول الأعضاء في الأمم المتحدة.. هكذا برز مفهوم التدخل لأسباب انسانية، الذي تمّ استخدامه في الصومال ورواندة أو في تبرير الحلف الاطلسي لتدخله العسكري ضد يوغسلافيا أثناء حرب كوسوفو الأخيرة. الهدف المعلن دائما هو «اشاعة السلام» وايجاد نوع من «الحكومة» الدولية و«بناء عالم أكثر ازدهارا». ان هذا الكتاب يبحث في دور الأمم المتحدة منذ تأسيسها عام 1945 بشكل عام ومنذ نهاية فترة الحرب الباردة اعتبارا من مطلع عقد التسعينيات بشكل خاص. وتغطي الفصول السبعة التي يتألف منها هذا الكتاب تقديم توصيف تاريخي للمنظمة الدولية منذ تأسيسها وكذلك توصيف بناها الأساسية وآليات عملها والعناصر الأساسية الفاعلة في منظومة الأمم المتحدة بما في ذلك المنظمات غير الحكومية، ودور التحالفات والكتل داخل المنظمة الدولية وكذلك دور الدول الصغيرة والقوى المتوسطة والقوى الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأخرى الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي ودور ومهمات الأمين العام. ويبحث الكتاب أيضا في نشاطات المنظمة الدولية في ميدان الحد من انتشار الأسلحة النووية والألغام ضد الأشخاص، مما شكل على مدى عقود طويلة أحد التحديات الأساسية أمام مستقبل السلام في العالم، إلى جانب النشاطات الخاصة بالحد من انتشار الأسلحة الكيميائية والبيولوجية، وتناول مسائل التنمية في العالم وحماية البيئة والاهتمام بها في شروحات هذا الكتاب، وذلك باعتبار أن الوصول إلى «نظام اقتصادي دولي جديد» يشكل أحد التحديات التي يواجهها العالم خلال العقود، وربما السنوات، اللاحقة إلى جانب تحد آخر يتعلق بحقوق الإنسان. وفي الصفحات الأخيرة من هذا الكتاب تؤكد المؤلفتان أن مستقبل الأمم المتحدة ودورها في العالم يرتبطان إلى حد كبير باجراء اصلاحات بنيوية فيها وخاصة إيجاد حل للمشكلات المالية التي تواجهها. تجدر الاشارة أيضا إلى أن الكتاب يحتوي في أحد ملاحقه مقتطفات مهمة من ميثاق الأمم المتحدة