بيان الكتب: ما بين كتاباته المبكرة حول تاريخ مؤسسات الادارة فى مصر، والذى شمل الجيش والشرطة، وبين كتابه الأخير حول ظاهرة (البغاء)، خلال النصف الأول من القرن العشرين، تمتد أعمال استاذ التاريخ الحديث (د.عبدالوهاب بكر) الى تحقيق وترجمة العديد من المخطوطات المهمة مثل مخطوطة (الدرر المصانة في أخبار ا لكنانة) بين عامي 1668 و1756. وفي هذا الحوار يعرض د. بكر لنتائج أعماله الخاصة بأوضاع البيروقراطية المصرية وكيفية تعاملها مع المشكلات الاجتماعية المختلفة، ومنها ظاهرة البغاء، التي يتناولها فى أحدث كتبه (مجتمع القاهرة السري). ـ من الملاحظ ان أغلب أعمالك المنشورة تقع بين التأريخ لدور الجهاز الاداري والبيروقراطي للدولة فى مصر، وبين تحقيق وترجمة المخطوطات المتصلة بفترات من تاريخ هذا البلد.. فماهي الخلفيات والدوافع التي حملتك على اختيار هذا النهج في العمل البحثي؟ ـ لا شك في ان التأريخ للجهاز العسكري بشقيه (الجيش والشرطة) هو تأريخ لعمل مؤسستين من أبرز مؤسسات الدولة والمجتمع في مصر، وهو موضوع يمثل اختياره أمرا مهما فى التأريخ للحياة السياسية، باعتبار ان جهاز الإدارة ارتبط بعمل الحكومة. ومن ثم فالتغيرات التى تطرأ على الجهاز الإدارى، سواء كان في الجيش أو الشرطة.. الخ تكون انعكاسا للتطورات السياسية العامة. وهو موضوع لم تطرقه ريشة المؤرخين المصريين كثيرا، نظرا لتركيز جل اهتمامهم على الجوانب السياسية أو الاجتماعية العامة من تاريخ مصر. لكن ذلك فى رأيي، غير كاف. ولذلك حاولت من خلال أبحاثي تقصي التاريخ الاجتماعي، عبر رصد وتحليل ظاهرة الجريمة، صعودا وهبوطا. ولعل كتابي الصادر حديثا حول أحوال الأمن في مصر المعاصرة، أبرز مثال لذلك هو بحث يؤرخ الظاهرة الجريمة، خلال النصف الثانى من القرن العشرين، استنادا إلى تقارير الأمن العام، الصادرة عن وزارة الداخلية، التى قمت بمراجعتها وتحليلها ونقدها، ارتباطا بالتحولات السياسية والاجتماعية في عهود الرؤساء عبدالناصر والسادات ومبارك. وقد أظهرت نتائج البحث ان صعود الجريمة كانت نتيجة للاضطراب السياسي والخلل الاقتصادي، خلال فترات معينة، حيث تزايدت معدلات بعض الجرائم مثل جرائم السطو والسرقة بالاكراه، والتى يكون بعضها سببا فى اثارة قضايا مفتعلة مثل (الفتنة الطائفية). ولذلك أوصت دراساتي في هذا المجال بضرورة تطوير اداء الجهاز الأمني، وفقا للمتغيرات الاجتماعية والسياسية والثقافية في العالم، ليس باعتباره جهازا مسئولا عن حفظ الأمن الداخلي فحسب، بل لأن دوره يمتد إلى النواحي الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. ـ إذن، ماهي خصائص البيروقراطية المصرية، عبر رصدك وتحليلك البحثي لمكوناتها، التي تمتد إلى تاريخ عريق، مقارنة بنظيراتها في المجتمعات الأخرى؟ ـ الملاحظ ان نشأة البيروقراطية المصرية تأثرت كثيرا بروافد متعددة، منها الادارة العثمانية التي كانت مهمتها تنصب على تحصيل الضرائب ومتابعة حالة الأمن والدفاع عن البلاد ثم كان رافد الإدارة الفرنسية، التي جاءت مع حملة نابليون على مصر (1798ـ 1801)، وحاولت ان تطبق، مايسميه المفكر المصري الراحل (لويس عوض) تدريب المصريين على حكم أنفسهم. ـ لكن التجربة لم تحقق أغراضها، حتى خروج الحملة الفرنسية، فى ظل التحالف الاوروبى الذى قام ضدها آنذاك.؟ - ثم جاءت تجربة حكم محمد علي النهضوية (1805ـ 1848)، التي اعتمدت على الكثير من الخبرات الأوروبية وادخلها إلى مصر دون اعتبار لأى شيء بغية نقل حياة هذا البلد من عالم العصور الوسطى إلى عالم التحديث.. وهو ماأدى إلى تحولات فى النمط القديم للإدارة المصرية، بتأثير من المدرستين الفرنسية والايطالية، حتى أصبح لهذه الادارة انماطاً متعددة. ـ لكن المشكلة المصرية ان التحولات التي جرت في نمط الإدارة المصرية لم تتماش مع درجة التعليم والمستوى الثقافي السائد، آنذاك، في المجتمع. إذ كان جهاز الإدارة يتشكل بمعزل عن مستويات التطور الاجتماعي.؟ ـ لذا حين عاد أفراد البعثات العلمية من أوروبا لتطبيق نتائج دراساتهم لم تمكنهم الظروف السياسية من تحقيق ذلك، خصوصا مع دخول الحملة البريطانية إلى البلاد (1882)، واحتلالها لمصر لنحو 70 عاما، والتي أدخلت نظاما إداريا جديدا، يستمد جذوره من الهند، ذي الطابع البريطانى. وهو ماأدى إلى حالة غير مسبوقة. فنحن أمام جهاز إداري مصري لكنه ذو طوابع فرنسية ـ إيطالية ـ هندية!، خلال القرن العشرين، وحتى قيام ثورة 23 يوليو 1952. ـ ولكن، ماهي الاضافات التى قدمتها مدارس الإدارة الأجنبية فى هذا الشأن؟ ـ أستطيع القول ان النتيجة كانت غياب هوية إدارية مصرية . فجاء اختلاط الأنماط الإدارية المتعددة ليصنع تنافرا، ويقيم من التعقيدات، التي لا حصر لها. وهو مايتضح فى مجال تعامل البيروقراطية المصرية مع الجمهور، عند اصدار مستند أو وثيقة ما. ـ وماهي الأسباب التي أدت الى تعثر الإدارة المصرية فى صهر، ماتسميه، بالروافد الإدارية الأجنبية، كي تصنع منها صيغتها المحلية، وهو مااستطاعت الشخصية المصرية ان تفعله، في مجالات متعددة، طوال تاريخها مع الغزو الأجنبي والثقافات الوافدة؟ ـ إن ذلك يقودنا إلى الحديث فى مجال الحضارة، التي تقوم على مراحل عدة، أولها نقل الخبرات الأخرى، ثم الهضم والاستيعاب، وأخيرا الابداع، وهو ما كان غائبا لدى الجهاز الإداري. ـ وهل كان فشل هذا الجهاز فى استيعاب أو هضم روافده المتعددة راجعا إلى انفصاله عن المجتمع، وإلى التأثيرات السلبية للأحوال السياسية المضطربة في مصر، قبل ثورة يوليو؟ ـ نعم، مع تحفظى على استخدامك لوصف (استيعاب وهضم)، الذى جاء فى بداية سؤالك. لأن الادارة المصرية مجرد جهاز تنفيذى. ولذلك حينما جاء اللورد (كرومر) المندوب السامي البريطاني إلى مصر (1883 ـ 1907)، استطاع ان يوجه الادارة المصرية، دون مصاعب تذكر، على مدى أكثر من 25 عاما. إذ كان هناك نوع من الإملاء الاجنبي على الموظف المصري، طوال تلك الفترة. ـ ولكن، هناك من يرى ان البيروقراطية المصرية ذاتها، هي التي لعبت الدور الحاسم، عبر حركة الجيش، في إنهاء الوضع السياسي والاجتماعي المضطرب في البلاد، قبل يوليو 1952؟ ـ لا شك في ان مايسمى بالفترة الليبرالية، التي شهدتها مصر بين ثورتي 1919 و1952 كانت ذات أثر سلبي كبير على الإدارة المصرية فقد لجأ السياسيون المتنابذون إلى استخدام هذا الجهاز البيروقراطي المعقد فى التنكيل ببعضهم البعض، غداة اعتلائهم سلطة الحكم، سواء بالتدخل فى الانتخابات أو بإحداث تغييرات لمصلحة بعضهم، مماأوجد ضغطا على جهاز الإدارة المصري. وهو ماأدى إلى قيام حركة الجيش في 1952، وماحظت به من تأييد شعبي واضح. ـ وهل كان لثورة الجيش مردودا ايجابيا على جهاز الادارة، فيما بعد؟ ـ لقد جاء النظام الجديد متحمسا للقضاء على عيوب النظام القديم. بيد أنه جاء متأثرا بأيديولوجية عسكرية. ورغم أنها ذات دور حاسم في التنظيم، الا ان صلاحيتها تتوقف في مجالات مدنية عديدة. كما لم يكن لدى الحكام الجدد رصيدا من الفكر الإداري، يمكن به تحديث الجهاز الإداري، سوى الخبرة العسكرية. مماأدى إلى استمرار أشكال من الفساد والتعقيد في هذا الجهاز. ـ الا يثير حديثك مفارقة، بين ماتقوله وبين كونك صاحب خبرة أمنية سابقة، حيث عملت كضابط شرطة فى بداية حياتك؟ فهل كان لخبرتك السابقة الدافع في تحفيزك على تتبع أوضاع الجيش والشرطة، بجانب أحوال الجريمة؟ ـ إن تجربتي في العمل بجهاز الأمن كانت أقرب إلى تجربة رجل يعمل (بعين المتفرج) إذ كان عقلى منشغلا بالتاريخ، لذا كانت مشاهداتي عن عمل هذا الجهاز المؤثر في حياة المجتمع مفيدة للغاية عند اشتغالي بالبحث التاريخي. ـ وماهى الأسباب التي دعتك لاختيار ظاهرة (البغاء) لتكون موضع كتابك الأخير (مجتمع القاهرة السري)؟ ـ حين كنت ضيفا على جمعية المؤرخين الأمريكيين في ابريل 1994، دعيت لزيارة معهد (كينزى للبحوث فى الجنس والنوع والتناسل).. ولقد لفت ذلك انتباهي إلى اهتمام العلماء هناك بمختلف مناحي الحياة الاجتماعية، في هذا المجال، الذي كان الرائد العلمى فيه مؤسس ذلك المعهد، حيث خصص جهده كله لاصدار تقريرين حول هذه المسائل في عامي 1951 و1953، لكن التقريرين واجها معارضة شديدة من جانب الحكومة الأمريكية آنذاك، بسبب احتوائهما على بيانات واحصاءات أغضبت الحكومة، وخصوصا مايتعلق بنسبة (الشواذ جنسيا) داخل أجهزة الادارة الامريكية، والتى بلغت نحو 37 بالمائة من اجمالى العاملين. بيد ان السلطان تنبهت، بعد وفاة هذا العالم، إلى أهمية مايتضمنه تقريرية. لذا فوجئت بلافتة ضخمة تتصدر مدخل المعهد تقول (لو عرفت الحكومة الأمريكية أهمية أعمال كينزي لتجنبت انتشار مرض الإيدز). وهكذا جاءت دراستي لظاهرة (البغاء) في مصر، من وحي زيارتى لهذا المعهد. إذ ان النظر إلى (البغاء) كان حتى العام 1951 غير مجرم في مصر، وفى أحيان أخرى كان ينظر إليه باعتباره (جريمة بلا ضحية). ـ وماهي المحطات، التى اخترت ان تتوقف عندها، دون أخرى، في المسار الذي سلكته حركة (البغاء) في هذا المجتمع الشرقي المحافظ؟ ـ لقد لفت نظري ان لكل فئة، من الفئات العاملة في هذا النشاط، تنظيمها الحازم وقانونها وتقاليدها الخاصة. وهذا ليس غريبا على مهنة، لا تزال من أقدم المهن في التاريخ، لكنها لم تحظ بأي عناية من المؤرخين المحدثين، مقارنة بالمعالجات الخاصة بهذه الظاهرة، من زاوية علم الاجتماع أو القانون الجنائي. ولقد كان المبرر الذي يسوقه المشتغلين بعلم التاريخ، لتجاهلهم ظاهرة البغاء، هو وجود قضايا أخرى أكثر أهمية للانشغال بها وذلك في الوقت التى تخصص فيه العديد من الجامعات الكبرى في العالم أقساما علمية خاصة بكل مايتصل بقضايا الجنس ولذلك جاءت دراستى حول البغاء في مجتمع القاهرة اختراقا في البحث التاريخي. الجانب الآخر لأهمية دراسة هذه الظاهرة يكمن في ان الوجه المحافظ للمجتمع المصري آنذاك لم يمنع الوجه الآخر من الظهور. فلكل عملة وجهان. وكما يوجد الطيب، فهناك الشرير. ـ ولكن اختيارك لدراسة البغاء في مصر، جاء في الفترة التي تمكن فيها الاحتلال البريطاني من إحكام سيطرته على هذا البلد؟ ـ نعم، ولكن دراستي تظهر ان هذا النشاط كان سابقا ومزدهرا في السنوات الطويلة السابقة على الاحتلال البريطاني. ـ وكيف كان موقع شبكات البغاء من الهرم السياسي والاقتصادي والاجتماعي السائد آنذاك في مصر؟ ـ لم يكن للعامل السياسي صلة مباشرة بهذا النشاط، إلا حينما أقدم رئيس الوزراء (إبراهيم عبدالهادي) على اتخاذ خطوات أكبر لاغلاق بيوت البغاء عام 1949، فى اطار صراع حكومته مع جماعة (الاخوان المسلمين) وهو التجريم الذى انتهت اليه التشريعات الأوروبية، فيما بعد، فأخذ عنها المشرع المصري نفس الخطوة. ـ إذا كانت العديدات من العاملات في هذا النشاط أقرب إلى الضحايا، كما وصفتهن في كتابك، فهل كان نمو شبكة البغاء آنذاك راجعا إلى تزايد المظالم الاجتماعية والاقتصادية؟. ـ لا شك في ذلك، فالعامل الإقتصادي يأتي في المقام الأول، ثم الخلل الاجتماعي، وخاصة في جانب الأسرة. كما ان ايمان الكثيرات من العاملات في هذه المهنة بأن سقوطهن هو (حالة قدرية)، أدى إلى مواصلة نشاطهن، باسم (الوعد) القهري. ولذلك شهد المجتمع المصري صراعا بين اتجاهين، الأول يقوده رجال دين ومصلحين اجتماعيين ينادون بإلغاء البغاء، والآخر يخشى من الآثار السلبية المترتبة على الإلغاء باعتبار ان (البغاء) مشكلة اجتماعية ينبغي حلها من جذورها. لذا أدى قرار ثم قانون إلغاء أنشطة البغاء إلى مواصلتها سرا، وارتفعت أعداد العاملات فيه، فيما بعد. وإن كانت التغيرات الاجتماعية والاقتصادية، بعد ثورة 1952، قد حدت بدرجة نسبية من هذا النشاط في البلاد. القاهرة ـ فكري عبدالمطلب