بيان الكتب: بالرغم من تأكيد مؤلف، هذا الكتاب، المثير للجدل، على ان موضوع دراسته يقع ضمن دائرة (الجريمة المنظمة)، الا ان ظاهرة (البغاء)، التي تمثل جل بحثه، تظل أحد أبرز الخطايا، التي يفرزها نظام اجتماعي ـ اقتصادي ـ سياسي، لا يزال مسئولا عن افتراس البشر، من كل حدب وصوب. ذلك، لأن هذا النظام يقوم على مجموعة من التصورات والمفاهيم المتوارثة، التي تشكل، في نهاية المطاف، أيديولوجيا، مخيفة، تثبت من وجود ذلك النظام، وترسخ من بنيانه، بعد ان تمكنت تلك الأيديولوجيا من تدعيم هيمنتها، عبر الترويج الواسع لمزاعم نهائية حول الطبيعة الإنسانية، أو بحرف (الكلم الديني) عن موضعه، كي تكتسب هذه الإيديولوجيا طابعا مقدسا وأبديا، لا يستطيع الإنسان الفكاك من أسرها! وإلا كيف نفسر فحوى النتائج، التي توصل إليها المؤلف، عبر تحليله لتلك الظاهرة اللا إنسانية (البغاء)، والتي تفشت فى مصر مابين 1900 و1951، رغم ماعرف عن هذا المجتمع، من توازن أخلاقي، وسماحة فريدة، عبر رؤية مبدعة للحياة والكون، كان من بين تجلياتها، السعي إلى قيمة لم تعهدها البشرية من قبل، وهي قيمة (العدل). ولذلك وجد المؤلف ان العديد من (العاهرات)، التي يتهافت عليهن (فريق) من الناس، كي ينالوا أجسادهن، يذهبن (مذهبا قد لا يصل إليه الشرفاء، فى مجال تربية الأولاد، والانفاق على الاقارب). كما يشير إلى ان الاختبارات التى أجريت على نحو 600 (عاهرة)، من خلال الدراسة التى يقدمها كتابه، أظهرت وجود 85 منهن يقمن بإعالة أولادهن من الذكور والإناث، وأن 34 من هؤلاء يتولين إعالة أقارب آخرين، فيما لا يعرف 44 منهن حقيقة انفاق أموالهن على غيرهن! بل ان المؤلف يكشف عن ان هؤلاء البغيات أو بعضهن اضطررن لاحتراف هذه المهنة في (سبيل المحتاجات والمحتاجين من ذويهن، طعاما أو مسكنا أو تعليما رغم تحملهن مطاردات الشرطة و(الحبس والتعذيب والمهانة). ورغم ماقد تظهره هذه البيانات من مفارقات، الا ان المؤلف يرى ان السلوك الذي اتبعته محترفات البغاء في هذا الصدد كان نوعا (من رد الفعل الإنساني تجاه السلوك المفتقر للعطف والشفقة التي تتلقاه المومس من الآخرين. إذ أثبت فحص (160) من أمهات العاملات فى هذه المهنة كما يقول المؤلف ان (35) منهن من محترفات البغاء، وأن (12) منهن يدرن منازل مخصصة لهذا الغرض، فيما توصف (44) منهن بأنهن (سيئات السمعة)، بجانب أمهات مسجونات فى جرائم متنوعة. كما ان (111) من هذه الأمهات كن يجهلن القراءة والكتابة. واستنادا الى البيانات الأمنية ودراسات اجتماعية أخرى، يفجر المؤلف مفاجأة جديدة، وهي ان أزواج البغيات كانوا يتعيشون من إيراد حرفتهن! كما ان أغلب هؤلاء الأزواج كانوا من العمال. ورغم ان المؤلف لم يحدد نوعية هؤلاء العمال، من حيث فئاتهم الانتاجية (صناعة زراعة حرف يدوية.. الخ)، الا ان مايستخلص من تعليقه ان الموضع الاجتماعي لهؤلاء العمال كان متدنيا في مدينة القاهرة، خلال النصف الثانى من القرن العشرين، إلى الحد الذي دفع بهم للاقتران بمحترفات البغاء! كما يأتي اقتران الفتيات، في سن مبكرة (13 ـ 15 سنة) ليمثل عاملا آخر، يذكره المؤلف، ضمن العوامل المؤدية إلى تفشي ظاهرة البغاء، خلال تلك المرحلة. إذ ان الاقتران في تلك السن يتسبب في تزايد حالات الطلاق، كما يشير المؤلف ممايدفع هؤلاء المراهقات إما الى البحث عن زواج آخر أو إلى التشرد، (وماأيسر هذين الطريقين إلى احتراف الدعارة). على حد تعبير المؤلف. وينتهي المؤلف إلى القول بأن حرية الرجل فى تطليق زوجته كانت (الباب الأوسع لدخول المطلقات إلى حرفة البغاء، وكذلك الأمر، فيما يتعلق بتعدد الزوجات). إن النتائج العلمية، في هذا الشأن تظهر بمالا يدع مجالا للشك مدى مسئولية (نظام العائلة الأبوي) عن افراز هذا الجحيم الإنساني (البغاء)، والذي يصور وكأنه (حالة قدرية)، خارج سيطرة المجتمع! لذا جاءت محاولة المؤلف لتعرية دور السلطة الاجتماعية في تفاقم هذا الاتجار المزرى بالجسد الإنساني، ليهتك أستاراً كثيفة تتخفى خلفها الحقائق المسكوت عنها. فعلى الرغم من ان العام 1905 يسجل (البداية الحقيقية للبغاء المنظم في مصر)، حيث صدرت في نهايات ذلك العام (لائحة بيوت العاهرات)، والتي نظمت نشاط المشتغلين بالدعارة في البلاد في 28 مادة، فإن المؤلف يشير إلى ان تدخل السلطة الاجتماعية ـ السياسية في هذا النشاط يرجع إلى الربع الأخير من القرن السابع عشر. إذ كانت (البغايا يسجلن فى سجلات الشرطة وتحصى أعدادهن)، بجانب وجود ثلاث وظائف رسمية خصصت للاشراف على هذا النشاط، تحت اسم (شيوخ العرصات)، التي كانت مهمتهم (جمع الضريبة من (هؤلاء النساء والصبية). وهو مايبين ان الإتجار فى أجساد الأطفال كان ممارسة مشروعة، بجانب أجساد النساء، آنذاك. وبالرغم ما قد يقال عن دور الحملة الفرنسية، فيما بعد (1798 ـ 1801م) عن سماحها بإقامة (أبنية خاصة للبغاء) فى القاهرة، إلا ان الاتجار في هذا النشاط ظل نشطا لأكثر من ثلاثين عاما، في عهد من يزعمون أنه مؤسس الدولة الحديثة فى مصر، أى (محمد علي)! وحتى، حينما أصدر هذا الحاكم أمرا بحظر (الرقص العمومي للنساء والبغاء)، فقد اقتصر الحظر على (القاهرة)، التى هي عاصمة حكمه. بين ما تم ابعاد محترفات هذا النشاط الى صعيد مصر رغم أنها من أكثر المناطق المتشددة أخلاقيا. ويذكر المؤلف ان ذلك القانون قد دفع العديد من (المغنيات والراقصات) المحظور نشاطهن إلى الإندراج فى أنشطة البغاء. لذا قام ابن (محمد علي) وخليفته في الحكم (عباس الأول) (1848 1854) برفع الحظر عن هذه الأنشطة، ولكن مقابل زيادة (الضرائب التي كانت تحصل منهن)، وفقا لما أورده المؤلف، نقلا عن دراسة لباحثة أمريكية حول تجارة البغاء في مصر، خلال تلك الفترة. وبذلك بات الاتجار في (الرقيق الأبيض) أحد المصادر المالية للسلطة، من خلال الضرائب التي تفرضها على تلك التجارة المشينة. وبحلول الثلث الأخير من القرن التاسع عشر لم يكن للسلطة الاجتماعية ـ السياسية أدنى تدخل في أنشطة البغاء، باستثناء متابعة الوضع الصحي لهؤلاء النساء، والذي ترتب عليه أول تسجيل فعلي لـ (البغيات)، من خلال (التذاكر التى يسجلن فيها مهنهن وتواريخ الكشف الطبى عليهن)، طبقا للائحة الصادرة عام 1885م، والتى أورد المؤلف مضمونها. والملاحظ ان هذه اللائحة لم تصدر لحماية أبناء البلاد من (الأمراض الجنسية) التى قد تنتشر بين هؤلاء النسوة، بل (لوقاية جنود الاحتلال البريطاني) من تلك الأمراض، وهو الاحتلال الذي حل بمصر، قبل صدور هذه اللائحة بثلاث سنوات على حد ما أوضحه المؤلف. وعزا المؤلف قصر التدخل الحكومي في أنشطة البغاء على الجوانب الصحية، إلى ماأسماه تبنى نظريات علم الإجرام والاجتماع الدولي، آنذاك، للمفهوم القائل بان (جرائم السكر وإدمان المخدرات والبغاء والقمار هى جرائم بلا ضحية). إلا ان المؤلف لم يشر الى دور (تجارة العبيد)، سواء كانوا رجالا أو نساء أو صبية، فى تعزيز أنشطة البغاء، حتى نهايات القرن التاسع عشر، أى قبل حظره رسميا، من جانب الخديوي اسماعيل في تلك الفترة. إذ ان المد والجزر فى هذه التجارة اللا إنسانية كان لها أثرا ايجابيا دائما في ازدهار تجارة البغاء، على ما تظهره مراجع علمية أخرى. ولذلك ربما جاءت النظريات القانونية والاجتماعية، التي شاعت آنذاك في أوروبا، كى تبرر للسلطات الحاكمة في مصر مسلكها المتسامح تجاه (البغاء)، والتي ازدهرت تجارتها في أحياء مختلفة، خصوصا حول منطقة وسط (القاهرة الحديثة)، وكان فى مقدمتها حي (الأزبكية)، الذي كان المركز الأشهر لهذا النشاط. وبالرغم من ذلك، فإن المؤلف ينقل عن رئيس شرطة القاهرة، البريطانى (توماس رسل)، والمعروف بـ (رسل باشا) وصفا لحواري وأزقة حي البغاء في الأزبكية بعبارات استياء يحسد عليها. فيقول انها (حديقة حيوان، حيث مومساته المدهونات بالألوان يجلسن كالوحوش في انتظار الضحية، خلف القضبان الحديدية، لنوافذ المواخير، الواقعة فى الطوابق الأرضية من المباني!). وبرغم هذا الوصف الدرامى، الذي يستثير اللعنات على هؤلاء النسوة، فإن حنق (رسل باشا) عليهن لم يمتد ليشمل (قريناتهن الأوروبيات، واللاتي كن يمارسن بغيهن، في نفس الحي، لكنها عنصرية المحتل، التي تميز بين الطرفين، حتى لو شملهن العمل فى مهنة مشينة كتلك!) وممايثير الدهشة أيضا، ان ازدهار (بؤر الفساد) لم يمنع هذا المسئول البريطاني من التنديد بخطورتها على الأمن العام، حيث يتجمع حول هذه البؤر (أسوأ عناصر المدينة) التي تولد الاجرام! على حد ماأورده المؤلف. فهل يعنى ذلك ان تلبية الحاجات والرغبات الجسدية لجنود الاحتلال (27 ألف جندي)، كان على حساب الأمن الاجتماعى لأهل القاهرة؟ إن صفحات الكتاب لا تقدم اجابة مباشرة عن ذلك. الا ان المؤلف يذكر ان الشرعية التى حظيت بها (بيوت البغاء)، خلال تلك الفترة (1900 ـ 1951)، قد فتحت الباب، أيضا امام انتشار (البيوت السرية) والتي ذكر تقرير حكومي (لجنة فحص البغاء المرخص به) أنها تفوق ضعف (البيوت المشروعة!)، عام 1932 والمثير انه لم يمض أقل من 7 سنوات، على اعداد هذا التقرير، حتى بادرت الحكومة المصرية بإصدار أمر إداري عام 1939 (بايقاف صرف تراخيص جديدة لبيوت البغاء). وهو ماكان مشجعا على ازدهار (البيوت السرية)، في أغلب الأحيان، والتي انتعشت أكثر، مع التضييق على أنشطة البيوت المرخص لها، بسبب الأوامر العسكرية، التي صدرت بين عامي 42 و1949. وبالرغم من الصدى الايجابي لهذه القرارات على الرأي العام المصري، الا ان المؤلف يذكر ان أمر الغاء (البغاء) اقتصر فقط على الترخيص الممنوح لـ (بيوت) هذا النشاط، لكنه لم يجرم نشاط العاملات في تلك التجارة. كما ان العقاب بالحبس (3 ـ 5 سنوات) اقتصر على المريضات منهن بأحد الأمراض السرية المعدية. الا ان ماترتب على تلك الاجراءات (الحكومية) هو عمل (البيوت السرية) بحرية كاملة، تحت أي ستار! ولكن ماهي الخلفيات التي كانت وراء أقدام السلطات على اعادة النظر في قانونية أنشطة البغاء لا في الغائها. إن المعلومات التي يوردها المؤلف في هذا الصدد تثير المزيد من التساؤلات، أكثر مماتقدم من اجابات! فرغم ان (الرأي العام بدأ يتكون في مصر، منذ عام 1925، ضد البغاء) كما يقول المؤلف فإن صدور قرار مجلس الوزراء (بتشكيل لجنة لفحص مسألة الغائه كحرفة منظمة) لم يصدر الا بعد 7 سنوات. أي عام 1932 بينما جاء تقرير هذه اللجنة، بعد 3 سنوات ثم اعتمده مجلس الوزراء بعد 4 سنوات (عام 1939). أى ان التكلؤ في الاستجابة لمطالب الرأي العام في هذا الأمر استمر 14 عاما متصلة! كما ان قرار الإلغاء النهائي (عام 1949) انتظر عشرة أعوام أخرى!