بيان الكتب: «حجاب وخراب» الكمالية وأزمات الهوية في تركيا.. كتاب صدر حديثاً في بيروت لمحمد نور الدين يقدم خلاله دراسة كاملة تتناول قضية تركيا وأزمة التأرجح بين الإسلام والعلمانية والانتماء للعالم الغربي، أو الإبقاء على شرقيتها. في مدخل الكتاب يؤكد نور الدين ان تركيا تغيرت ولم تتغير وانتصرت وانهزمت وتقدمت وترددت كل في آن واحد، فقد انتصر النظام على الأكراد وعلى الحركات الاسلامية بالحظر والسجن والإبعاد والعنف وانتصر دعاة الاوربة حيث حصلت تركيا على عضوية الإتحاد الاوروبي وان كانت بمعايير وشروط. في الفصل الاول «عرب وأتراك وإسرائيليون» نفهم ان المطروح للتناول هو علاقة العرب بتركيا ثم علاقة تركيا بإسرائيل ثم تماس العلاقات الثلاث ببعضها من خلال البعد التاريخي الذي يتدخل بين الثلاث.. وهنا يشير المؤلف ان العرب وحدهم بخلاف جميع القوميات هم الذين استمروا معتصمين بالدولة العثمانية حتى انهارت تماماً مع اندلاع الحرب العالمية الأولى والتي بانتهائها انحسرت تركيا إلى الأناضول لتبدأ فلول جيوشها بقيادة مصطفى كمال باشا حرباً وطنية تحريرية انتهت بإعلان استقلال تركيا وتحويلها الى جمهورية عام 1923 في الوقت الذي كانت الدول العربية تدخل بموجب قرارات مؤتمر سان ريمو في ايطاليا 26 ابريل 1920 تحت نظام الانتداب الفرنسي والإيطالي. لذا فإن علاقة العرب بتركيا في فترة حكم أتاتورك 1923، 1938 لم تكن علاقات دبلوماسية بالمعنى المفهوم، لان تركيا كانت دولة مستقلة في حين لم تكن اي دولة عربية تنعم بالاستقلال حتى مصر والعراق كان استقلالهما نظرياً بموجب معاهدة 1930 و1936، كذلك ما كان يربط الطرفان انتهى وهو الأرض والخلافة كما ان تركيا دولة واحدة والعرب اكثر من دولة وبالتالي لا يمكن الحديث عن علاقات تركية عربية بل يمكننا الحديث عن علاقات تركية مصرية مثلاً. في عهد أتاتورك لم تعرف تركيا علاقات دبلوماسية سوى مع مصر والعراق اللتين كانتا تنعمان باستقلال منقوص لكنه تم تبادل الزيارات الرسمية بين البلاد وان كان يصحبها بعض المشاكل بالاضافة الى بعض الاتفاقيات والمعاهدات القليلة لان الطرفين انشغلا بأمورهما الداخلية والعرب يعملون على التصرف حيال الوضع الجديد وهو سيطرة القوى الاستعمارية عليهم، بالاضافة الى انه في الوقت الذي تبادل فيه رؤساء حكومات العرب زيارة تركيا رسمياً لتوطيد العلاقات، لم يحدث العكس. فلم يقم اي مسئول تركي بزيارة البلاد العربية فيما عدا زيارة وزير الخارجية التركي «اراس» الى مكة وبغداد والقاهرة، مما يوحي بأن العرب كانوا حريصين على توطيد علاقتهم بتركيا التي كانت على العكس تماماً فكمال اتاتورك لم يكن يعتبر العرب امة واحدة بل كيانات وطنية مستقلة لذا لم يتم ذكر العرب في أي بيانات حكومية طوال فترة حكمه. كما انه وسط هذه العلاقات غير المستقرة كان هناك ايضا مشكلة النزاع الحدودي على لوائي الموصل والاسكندرونة وردود الفعل السلبية لدى العرب على إلغاء الخلافة ثم اعتراف تركيا بدولة اسرائيل وهو ما حدث بعد وفاة اتاتورك ووقوفها في الأمم المتحدة ضد استقلال بعض الدول، لكن هذا لا يلغى تحسن العلاقات التركية العربية خلال السبعينيات والثمانينيات. بعد ذلك يتناول الكاتب بالتفصيل العلاقات السورية التركية في أواخر الثلاثينيات ومشكلة لواء الاسكندرونة ثم تطورات القضية، حتى اتفاق اضنة عام 1998، كما يناقش ايضا مشكلة المياه بين تركيا وسوريا والعراق ثم المشاريع المشتركة بين تركيا واسرائيل حول المياه وتقنيات الري وزيادة الرقعة الزراعية وكيف استطاعت اسرائيل ان تخترق الوجدان التركي الشعبي بمساعداتها التي لا تتجاوز العشرة ملايين دولار بعد زلزال 1999 في حين لم يشعر الاتراك بمساعدات العرب التي وصلت الى 400 مليون دولار. الفصل الثاني من الكتاب بعنوان «قبل اوجلان.. بعد اوجلان» حيث يوضح محمد نور الدين تحت عنوان الكمالية والنزعة التركية، كيف وضعت تركيا المسألة الكردية في منعطف جديد بإلقائها القبض على عبدالله اوجلان، لكن هذا اعاد الصراع الدموي بين النزعتين التركية والكردية والذي تمتد جذوره في الماضي.. ثم يتتبع تاريخ كردستان التي لم تؤلف ككيان سياسي واحد مجتمع عبر التاريخ، بل أقيمت امارات كردية متعددة وتوزعت جغرافياً وسياسياً على كيانات ودول اخرى.. فحتى الحرب العالمية الأولى كانت معظم اراضي كردستان تابعة للدولة العثمانية وجزء لايران وقسم صغير جدا في جنوب القوقاز وبعد الحرب توزعت هذه الاراضي على فرنسا وروسيا وبريطانيا وكان من الممكن ان يحصل الاكراد على استقلالهم وفق اتفاقية هدنة موندروس بعد قيام ثورة روسيا 1917 وانسحابها من الحرب وبالتالي توزيع حصتها على ارمينيا والأكراد ولكن برلمانات الدول الاوروبية لم تصدق على الاتفاقية وبعدها تصاعدت حركة المقاومة في الأناضول وانطلقت حركة مصطفى كمال اتاتورك وقطعت الطريق امام تأسيس الدولتين الارمينية والكردية على أجزاء من اراض تركيا.. كل هذا اضر بمصالح بريطانيا في شمال العراق فسعت نحو استمالة العرب بعد توتر علاقاتها معها لعدم تنفيذها وعودها لهم بالاستقلال فعينت الأمير عبدالله ملكاً على شرق الاردن والأمير فيصل على العراق ووقعوا مع الاخير اتفاقية على وحدة العراق بما فيها شماله الكردي والموصل التي تتطلع تركيا الى ضمها. في تلك الاثناء كانت تركيا «حكومة اتاتورك» توطد علاقاتها مع الدول ومنها روسيا ورسم الحدود النهائية بين الدولتين فضمنت تركيا اراض الارمن ودخل بعض الاكراد ضمن الحدود السوفييتية.. كما عمل اتاتورك على اخماد الثورات الكردية من جهة وضم ولاية الموصل وفي الوقت نفسه هزم الاكراد في ايران على يد الجيش الايراني وعادت منطقتهم للسيطرة الايرانية، بعدها وطدت ايران وتركيا علاقتهما وأمّنا حدودهما واخمدا الثورات الكردية في تركيا وايران.. وعندما تم ضم الموصل نهائيا الى العراق تم فصل مصير اكراد العراق عن اكراد تركيا وعن اكراد ايران وتوزعت كردستان بين الدول الثلاث مما ادخل المسألة الكردية في مرحلة جديدة. يدخل الكاتب بعد ذلك في رصد علاقة الأكراد بتركيا في العهد العثماني وتضامن الأكراد معها من الوجهة الاسلامية المشتركة ثم انقلابهم عليها في عصيان من شيوخ الاكراد ثم دخولهم مرحلة جديدة في عهد اتاتورك والتي تضم «خطة اصلاح الشرق» اي مناطق الأكراد حيث منعوا اللغة الكردية ثم سنوا قانوناً للتوطين الاجباري حيث نقلوا مجموعات سكانية كردية من الشرق ووزعوهم على المحافظات الغربية لدمج الاكراد في الجماعة التركية، لكن سياسة تذويب الاكراد في المجتمع التركي تراجعت مع إقرار التعددية الحزبية عام 1945 خاصة بعد سقوط حزب أتاتورك «الشعب الجمهوري» وفوز الحزب الديمقراطي ووصوله الى السلطة حيث انفتح على التيارات الاسلامية مما فعل نشاط الاكراد الذين يتمتعون بميول ديني قومي، لكن انقلاب مايو 1960 الذي جاء كرد فعل لتنامي التيارات الدينية والكردية حد من ذلك وأعدم مندريس زعيم الحزب الديمقراطي واعتقل 54 نائبا كرديا ينتمون للحزب ثم نفيهم الى غرب تركيا وقاموا بتتريك الأسماء الكردية للقرى وقاموا بإكمال سياسة الصهر التي مورست في عهد اتاتورك، لكن الحريات والحقوق العامة والشخصية التي أقروها شجعت الاكراد على المشاركة في الحركة السياسية من خلال حزب تركيا الجديد ودخل ستة وزراء اكراد في الحكومة الائتلافية مع حزب الشعب الجمهوري وتدريجياً اعيدت بعض العائلات الكردية من منفاها الى مواطنها الاصلية في الشرق.. وبدأت حركات الوعي القومي الكردي تظهر خصوصاً بعد وصول زعيم حزب العدالة ووريث الحزب الديمقراطي سليمان ديميريل الى السلطة في منتصف الستينيات. وفي السبعينيات رفع الاكراد شعارات النزعة الشرقية والهوية الشرقية نسبة الى مناطقة شرق البلاد حيث الأغلبية الكردية.. ووصل عدد المنظمات الكردية ذات الميول الانفصالية والاتجاهات الماركسية اللينينية الى 12 منظمة كان أكثرها تأثيراً حزب العمال الكردستاني فمن 1978 وحتى 1999 عرفت المسألة الكردية ذروة تبلورها بزعامة عبدالله اوجلان الملقب «بآبو» ومعناها «العم» والذي كان هدفه استقلال كردستان عن تركيا.. وقد ترك آبو تركيا اثر مضايقات السلطة وأدار حزبه متنقلاً بين دول الشرق الاوسط بينها سوريا ولبنان والعراق.. ويمر الكاتب بعد ذلك على انقلاب سبتمبر 1980 وتوقف نشاط الحزب وقرار ما تبقى من قادته الى الخارج وممارسة التتريك على الاكراد من جديد واستمر الصراع مفتوحاً بين النزعتين التركية والكردية على الصعد السياسية والعسكرية والدولية الى أن تم اعتقال اوجلان بالتعاون مع الاستخبارات الامريكية والاسرائيلية وتواطؤ اليونان ونتيجة تلكؤ اوروبا عن احتضانه. ويوضح محمد نور الدين ان اوجلان لم يكن اول زعيم كردي يرفع لواء العصيان ولن يكون الاخير وذلك بالمرور على حركات التمرد الكردية ومحاولات الاستقلال والمحافظة على هويتهم . الفصل السادس من الكتاب يحمل اسم «حجاب وخراب» حيث يناقش في البداية قضية الحجاب في التشريع التركي ويبدأها من حادثة دخول النائبة مروى قاواقجي الى قاعة الهيئة العامة للبرلمان التركي بالحجاب حيث أثارت تلك الواقعة حفيظة المتمسكين بعلمانية الدولة.. فالحجاب لم يعد غطاء للرأس بل تحول اداة مواجهة بين من يرون فيه رمزاً سياسياً ومن يرونه احد متطلبات الايمان فمنذ عام 1980 لم يسقط الحجاب كمادة في السجالات اليومية وترافق مع اتجاه انقلابي سبتمبر 1980 الى الانفتاح على التيارات الاسلامية وإظهار «التوليف القومي ـ الاسلامي» لمجابهة الاتجاهات اليسارية في المجتمع حيث تنامت النزعة الاسلامية في الثمانينيات وحتى الان.. ويمر نور الدين على وقائع منع المحجبات من دخول الجامعات والدواوين الحكومية وعلاقة ذلك بدستور الدولة العلمانية التي حددت زي الرجال بأن يتحول الى الزي الاوروبي بعد ان كان الطربوش والجبة! اما قضية مروى قاواقجي تم حلها بعيدا عن القانون التركي الذي لم يتعرض لمسألة غطاء الرأس فجاء امريكياً ايضا حيث نبشت في ملفها الاستخبارات الامريكية وكشف عن امتلاكها للجنسية الامريكية. ولم تكن حادثة قاواقجي هي الوحيدة ففي عام 1998 اتخذ المجلس الاعلى للتعليم في تركيا قرارا يقضي بمنع كل طالبة ترتدي غطاء للرأس متابعة دراستها في الجامعات التركية ومع كل عام جامعي جديد تتكرر مأساة الطالبات المحجبات وحرمانهن من الدراسة او اجبارهن على نزع غطاء الرأس ويعد هذا القرار حلقة في سلسلة الاجراءات الهادفة لإضعاف الحركة الاسلامية في تركيا.. لكن ازمة الحجاب هذه خلقت ازمة هوية وتآلف بين وجدان الشعب التركي وقوانينه العلمانية التي تحكمه. تحت عنوان الاسلام السياسي في تركيا يدخل محمد نور الدين الى منطقة «الخطر الاصولي» على الدولة التي تقدم على الخطر الانفصالي الكردي بعد التجاذب الجاد الذي شهدته البلاد بين حزب الرفاة الاسلامي بزعامة نجم الدين اربكان حين كان في السلطة والمؤسسة العسكرية.. لقد كان تحديدالنظام القومي العلماني لهذين الخطرين لا يعود كما هو واضح قبل عامين فقط ولكن منذ ان ظهرت جمهورية تركيا العلمانية على حساب الأعراف غير التركية والإتجاهات الدينية الاسلامية تحديداً. وفي سياق ذلك يذكر المؤلف اهم شخصيتين في الحركة الاسلامية التركية وهما اربكان الاكثر شهرة وفتح الله جولين خوجا افندي وان كان منهج كل واحد مختلف عن الآخر الا ان طريقهما واحد، ثم «حزب الله التركي» الذي تصدر اهتمامات الاعلام والرأي العام مع مطلع العام 2000 وما كان يقوم به من اغتيالات سياسية دون ان يدركها احد حتى اكتشفوها عقب مقتل ابرز قادته حين ولي اوغلو. في الفصل الرابع والذي يحمل عنوان «نظام وأدوار» يبدأ بمناقشة الديمقراطية ونظام الانتخابات التركية من نيابية وبلدية وكيف يتعارض المجتمع المدني مع نمو الدولة بتركيا في ظل النظام الكمالي، كما يطرح قضية النمو السكاني في تركيا والتي تعاني من مشكلة الكهولة والانقراض، اما الفصل الخامس والمعنون بالذئب الاغبر في اوروبا فيعرض حال تركيا الدولة التي حكمت وتزعمت الدول الاسلامية لمدة اربعة قرون والتي تقوضت في مطلع القرن العشرين ومحاولاتها الان للدخول ضمن الاتحاد الاوروبي وما هي معرضا له من مواجهة صراع دام نتيجة لارث الدم بينها وبين دول اوروبية كثيرة كانت تستعمرها في الماضي وما عليها قبوله والتنازل عنه بخصوص علاقتها مع اليونان والنزاع حول بحر «ايجه» وذلك باستعراض قمة هلسنكي التي تعد معطفاً تاريخياً هاماً بالنسبة لتركيا. أمنية طلعت