كشفت شركة أبيوميد الامريكية الاسبوع الماضي عن قلب اصطناعي جديد تقول إنه سيحدث ثورة حقيقية في طب القلب وحين لا تزال النماذج الاولية في طور الاختبار الى الآن، فإن الاسابيع المقبلة ستشهد زراعة العضو الاصطناعي في صدور خمسة مرضى يعيشون اوضاع صحية حرجة جدا ليكونوا بذلك اول من يتلقى قلوب صناعية ذات اكتفاء ذاتي مطلق من البشر. لكن هل ستتكلل هذه التجربة الرائدة بالنجاح؟ خلال العقود القليلة الماضية احدثت التكنولوجيا ثورة في مجال العناية بصحة القلب، استفاد منها عدد لا يحصى من المرضى، يستطيع الاطباء الآن تغيير بنية قلب الطفل المختل باستخدام ادوات بالغة الصغر تمرر عبر القثاطر. والاجهزة المزروعة تستطيع مضاعفة قدرة القلب المتعب خمس مرات، او تنظيم ضرباته عندما تصبح غير طبيعية على نحو خطر. لكن الى الآن لم يتمكن احد من تصميم آلة يمكنها ان تحل بشكل دائم محل تلك العضلة المعجزة. والمحاولة الاشهر في هذا المجال تضمنت قلبا اصطناعيا يدعى «جارفيك 7» ومريضا يدعى بارني كلارك، وكانت كارثة مفاجئة ذات اصداء شعبية ادت الى اعاقة الابحاث لعقد من الزمن تقريبا. استخدم قلب «جارفيك 7» منظومة طاقة بحجم آلة غسيل الملابس، والاسلاك التي تصل القلب بنظام الطاقة اوجدت قناة مفتوحة لتسرب الجراثيم الى الجسم. وكابد كلارك، موتا بطيئا معذبا، لكن المهندسين تعلموا دروسا قيمة من تجربته وتجارب من تلاه من المتطوعين. ولا تزال نسخة معدلة من «جارفيك 7» تستخدم الى الآن بين الفينة والاخرى لكن كجسر نجاة يحافظ على حياة المرضى لفترة وجيزة بينما هم بانتظار توفر عضو بشري متبرع به لاجراء عملية الزرع. وبالمقارنة نجد ان الجهاز الجديد الذي ابتكره أبيوميد قطع اشواطا طويلة فيما يتعلق بالحجم والتقدم ،فعوضا عن نظام الطاقة الضخم الذي يزن 350 رطلا، يستخدم قلب «أبيوكور» الجديد بطارية بحجم شريط الفيديو. ومن خلال سلك خارجي موصل يوضع على الجزء الاوسط في جذع المريض، تولد البطارية الصغيرة طاقة لتشغيل نظام مزروع جراحيا يعمل على تزويد القلب الاصطناعي بالطاقة الكهربائية ومن اجل اعادة شحن البطارية ليس على المريض سوى وصلها كهربائيا. وفي التجارب على العجول اظهر قلب «ابيكور» اداء جيدا، وتشير التجارب المختبرية الى ان المكونات الدقيقة للقلب الاصطناعي يمكن ان تعمل بشكل متواصل لخمس سنوات على الاقل في اجسام المرضى. ومن المؤسف ان اول المتطوعين لتلقي القلب الجديد ليس لهم أمل في البقاء على قيد الحياة لكل هذه الفترة. فالمرضى الخمسة جميعهم يعانون من قصور قلبي شديد في مراحله المتقدمة ولا يتوقع الاطباء لهم ان يعيشوا اكثر من شهر في الظروف الراهنة. واذا استطاع «أبيوكور» ان يبقيهم على قيد الحياة لمدة شهرين دون آثار جانبية شديدة، فإن ادارة الغذاء والدواء في الولايات المتحدة ستمنح على الاغلب موافقتها للمضي بالتجارب السريرية على نطاق اوسع وعلى مرضى افضل حالا من سابقيهم. واذا اثبتت تلك الدراسات الاكبر ان المرضى الذين يتلقون قلب «أبيوكور» يعيشون لفترة اطول من نظرائهم الذين يعيشون على الادوية، عندها يفترض ان ادارة الغذاء والدواء ستوافق على البدء بتسويقه، لكن جميع التوقعات تشير الى ان ذلك سيستغرق عدة سنوات اخرى. واقع الامر ان الحاجة لقلب اصطناعي فعال حاجة ماسة. ففي كل عام يساهم مرض قصور القلب الاحتقاني في موت 300 الف شخص في الولايات المتحدة وحدها، اي حوالي ضعف عدد الوفيات الناجمة عن السكتة الدماغية وسبعة اضعاف تلك الناجمة عن سرطان الثدي. اسباب قصور القلب متنوعة وهي تتراوح من الادمان على الكحول الى تصلب الشرايين. وعندما تفقد عضلة القلب المتأذية قدرتها على ضخ الدم، يصبح قيام المريض بعمل جسماني مهما كان صغيرا يتطلب جهدا جبارا من القلب المتعب وتتشكل على جلد المريض تقرحات مؤلمة بسبب عدم وصول التروية الدموية اليه، وتتجمع السوائل الراكدة في انحاء الجسم الى ان يغرق المريض بسوائله الداخلية حتى الموت. وفي حين توفر عمليات زرع الاعضاء البشرية المتبرع بها حلا عمليا جيدا لمرضى قصور القلب الذين فقدوا الامل في التحسن فان الفين فقط من 70 الف مريض امريكي قد يستفيدون من عملية الزرع، ويحصلون على قلوب بشرية، فيما ينتظر الباقون الفرج. والى الآن فإن افضل خيار علاجي بعد عملية الزرع هو قلب «بيجيباج»، وهو جهاز صغير يزرع في جسم المريض ليزيد قدرة القلب السقيم على ضخ الدم خلال فترة انتظار المريض لعملية الزرع يعرف الجهاز تقنيا باسم اداة مساعدة البطين او «في إيه دي» وبامكانه احيانا ان ينقذ حتى المرضى ذوي الحالات الحرجة جدا. والعديد من المرضى الذين يتلقون هذا الجهاز يستطيعون ان يمارسوا نشاطات يومية مثل المشي والسفر والقيام بنشاطات اجتماعية وحتى مزاولة العمل بدوام جزئي، لكن تلك الادوات لا تزال تستخدم كبدائل مؤقتة وليس حلولاً دائمة، فأسلاك الكهرباء التي تتخلل الجلد تتسبب بإصابات جرثومية عند 20 بالمئة من المرضى. ولأن هذه الاجهزة تأخذ على عاتقها القيام فقط بجزء من عمل القلب فإن حالة بعض المرضى تستمر بالتدهور، ويصبح المريض عندها تحت رحمة «يانصيب» الاعضاء المتبرع بها. ومن الطبيعي ان توفر قلب اصطناعي محمول ولاسلكي سيمثل قفزة ثورية في هذا المجال، فخلافا للاعضاء البشرية المتبرع بها، سيكون القلب الاصطناعي متوفرا حسب الطلب ولن يستلزم تناول عقاقير كبح الجهاز المناعي مدى الحياة. وخلافا لاجهزة «في إيه دي» الحالية، سيوفر هذا القلب للمرضى حلا دائما دون التسبب بإصابات جرثومية تهدد حياتهم في اية لحظة، قلب «أبيوكور» الجديد قد لا ينجز كل هذا، لكنه يمثل قفزة كبيرة الى الامام ففي هذه التقنية جاءت نتيجة مئات التطورات المنفصلة التي تتراوح في الصمامات التي لا تصدر صوت التكتكة الى حجيرات الضخ الملساء جدا لدرجة انها لا يمكن ان تشجع نمو الجلطات. علي محمد