قبل أن ينقلوني الى هذا المكان الذي تقرأني فيه الآن كنت أكتب في استراحة البيان وكنت فخورا بوجودي الى جانب زملاء كبار. ونقلت من مكاني الى هنا دون أخذ رأيي. وشكوت الوحدة، بل وقدمت احتجاجا على مااعتبرته نفيا لي من موطني الأصلي. وهون علي البعض الأمر وقالوا انه نفي مؤقت. ولكن أحدهم قال لي انه تميز أن أكون وحدي وبلا عنوان. ولم أصدق هذا ولا ذاك. واستسلمت لأنني أعتقدت أن هذا من قبيل العقاب على اخطائي وهي كثيرة تبدأ من خط شديد الرداءة، إلى عدم الانتظام الذي لا تقبله الصحف. وأذكر ذات مرة قول أحد المسئولين: هل تتوهم اننا سنترك المكان أبيض ونقول أن البك لم يكتب في هذا الأسبوع لأنه متضايق من موقف فنزويلا من العرب في الأمم المتحدة! وتذكرت المساحات البيضاء التي كان يتركها الصحفي القديم المتمرد فتحي الرملي في جريدة المعارضة وكانت هذه المساحات البيضاء تشعل خيالنا، فنتوهم أن الرقابة حذفت كذا أو كذا. وكانت جريدة المعارضة هي الجريدة الثالثة التي يصدرها الرملي على حد رواية الصديق سعد زغلول فؤاد الذي كتب في كل صحف المعارضة خلال الستين عاما الماضية. ورغم انني جلست بعيدا عن «استراحة البيان» وقد وضعت ساقا على ساق ليرى الناس انني هنا أسعد حالا، الا ان اهتمامي مازال مركزا على الاستراحة. وكثيرا ماأجد فيما يكتبونه شيئا يثير رغبتي في الحديث معهم. لكنني أفضل الصمت إما غضبا منهم لأنهم تخلوا عني، وإما خشية أن يظنوا انه قد برح بي الهم لابتعادي عنهم. ولقد ترددت كثيرا قبل أن أتحدث عن الحدود بين الدول العربية بعد أن تحدث عنها قاسم سلطان وحكى مايصلح فيلما أخر مثل فيلم الحدود الذي اثار إعجاب الجميع، وظننا انه سيفك أزمة الحدود ولو قليلا. لكن شيئا لم يتغير. وأظن على عكس مطالب قاسم سلطان ان شيئا لن يتغير. ولأنني كثير الاسفار أقول انني عندما أسافر من بلد عربي إلى آخر أحس بقلق شديد. وبانقباض نفسي، علما إذا لم تكن تعلم انني قومي وعروبي ومؤمن الى أقصى الحدود بالعروبة. ولا ينتابني هذا الاحساس وأنا مسافر الى بلد أوروبي مثلا. وهذا الاحساس لا يأتيني لأنني إنسان نكدي أحب مضايقة نفسي ولا لأنني أخاف من الهواء الطائر، بل لأسباب تجعل أي شخص يحس ماأحس. مثلا في أحد المطارات كنت أحمل كتاب علي أحمد باكثير عن عمر بن الخطاب. والكتاب اجزاء لكل جزء عنوان مثل: اليرموك.. اسلام عمر، القادسية الخ. وأظن أن اجزاءه نحو عشرين. ولما فتحوا حقيبتي ووجدوا الكتاب، أتى صاحبنا بقائمة فيها اسماء الكتب الممنوعة. وبدأ يراجع الاسماء الفرعية على القائمة. وقلت له ان الكتاب له عنوان أساسي، فإذا كان ممنوعا فهو ممنوع بكل اجزائه، وإذا كان سابقا دخوله فهو مباح بكل اجزائه. لكن الرجل وأظنه كان شرطيا استمتع بأنه لا وجود لي، وأن كلامي لم يكن كلاما وأن أحدا لم يسمعه ولا يمكن ان يسمعه أحد. وأنني أولا وأخيرا غير مرئي وغير مسموع. وكان صديقي في الانتظار خارج المطار. ونظرت في الساعة فاكتشفت أن الشرطي أو من أظنه شرطيا يستغرق في البحث عن كل عنوان خمس دقائق وعشر دقائق، واكتشفت انه لن ينتهي في أحسن الأحوال قبل ساعتين. وأن صديقي في الخارج سيحس بالقلق، وربما انصرف ظنا منه أن الطائرة فاتتنى كما حدث مرتين معه. وطلبت المسئول عن الشرطي، وشرحت له أن هذا كتاب واحد. ولكنه رفض الفكرة. واستاء من بطء مرؤوسه، وأخذ منه القائمة وأخذ يعيد التأكد من أنني لا أحمل كتابا خطيرا. وخرجت بعد ثلاث ساعات! ولا تقل لي ياأستاذ قاسم أن هذا ليس مقصودا. فإذا كان الشرطي الصغير جاهلا أو بلا خبرة، فرئيسه يعرف أن عمر بن الخطاب لا يمكن أن يكون ممنوعا في بلد عربي. ومع ذلك استضافني ثلاث ساعات كاملة ليتأكد أن عمر بن الخطاب ليس كتابا ضد الدولة أو المجتمع. ولو أنني أخذت أروي قصص الحدود التي جعلتني على وشك الذهاب الى طبيب نفساني ليعالجني من عقدة الحدود. أقول لو رويت كل ماحدث لي لضاقت المساحة هنا، ولاضطررت لاقتراض استراحة أو اثنتين، وكما تعرف ياعزيزي القارئ أنا مبعد عن الاستراحة، ولكل زميل استراحته التي يزود عنها، ولن يسمح لي أن اقترب منها. ولذلك أحكي لك هذه القصة التي لا استطيع نسيانها.. كنت وصديق ذهبنا بسيارته من عاصمة عربية لأخرى في عمل لنا. وقضينا نحو أسبوع. وقررنا أن نعود الى عاصمته لعدة أسباب منها أن حقيبتي كانت هناك، ولأن العيد كان على الأبواب. وركبنا السيارة في العاصمة الثانية لنعود الى العاصمة الأولى. وخرجنا من الحدود، ودخلنا الى الحدود. وقبلوا جواز سفر صديقي. لكنهم رفضوا اعطائي تأشيرة دخولي. لماذا؟ لا رد. هل تقرر أن الدخول بتأشيرات. لا رد. اتصلت بأحد المسئولين ممن عرفتهم في العاصمة التي نقصدها وقلت له انهم يرفضون اعطائي تأشيرة دخول، واتهمنى بالجنون، أو انني أمثل مزحة سخيفة. وأكدت أنني أكلمه من على الحدود وبصعوبة. قال لي: اعطني عشر دقائق وأطلبني. طلبته بعد عشر دقائق، وبعد ساعة، وبعد ساعتين. ولم أجده. موقف غير مفهوم كما ترى.طلبت من صديقي أن يمضي الى بلده، فأولاده في انتظاره في العيد. وعارض معارضة شديدة، لكنه مضى بعد أن أخذ معه حقيبتي الثانية من قبيل الخطأ. بحثت عن وسيلة مواصلات تعيدني من الحدود الى الحدود. ثم الى العاصمة التي قلنا انها العاصمة الثانية بدلا من ذكر اسمها. وقضيت أربعة أيام في الفندق اذ كانت اجازة العيد. وبعدها ذهبت الى السفارة اللبنانية وكان السفير على معرفة بي، وبيننا بعض الود. وحكيت له ماحدث فتعجب، وأبدى دهشته الشديدة، واتصل بسفير الدولة الأولى، وقال له أن صديقه الذي هو أنا يدين بلاده بحقيبتي ملابس، وانه لسبب ماممنوع من دخول البلاد. وأبدى الرجل دهشته لما يسمع. ولما وصلت الى مكتبه كنت متأكدا من انه سأل الأمن قبل لقائي. ولقد قابلني منكرا أن ماحدث قد حدث. قلت له: ياسعادة السفير أنا لا أحكي لك قصة شخص آخر. ماحدث حدث فعلا معي. وتأمل ملابسي. لقد فقدت حقيبتي ملابسي وكانت المحلات مغلقة. وهكذا اشتريت الجاكت من مكان والبنطلون من مكان أما هذا القميص فلقد اشتريته والله العظيم من محل حلاقه. ولم أر انسانا في مثل حيرته. وقال لي أنه لا يستطيع اعطائي تأشيرة. لأنه من حقي الدخول بدون تأشيرة. وحلا للموقف كتب رسالة سخيفة الى رجال الحدود يرجوهم أن يسهلوا مهمتي. وسافرت بالطائرة، ووصلت الى العاصمة الأولى. وتقدمت بجواز سفري الى الجوازات فاعطاني الشرطي التأشيرة في نصف دقيقة!! بالطبع لدي تفسير لهذه القصة. ولكن هل هو التفسير الصحيح؟ لقد سمعت أكثر من تفسير. وذات مرة اتيح لي لقاء مع مسئول الجوازات والهجرة في أحد البلاد العربية، فانتهزتها فرصة لأحكي له عن مشاكل الحدود، وكيفية تيسير دخول العرب بالذات. وقاطعني الرجل بابتسامة عذبة: هل تشك اننا لا نعرف هذا! وحملقت فأنا متأكد أنهم يعرفون اضعاف أضعاف ماأعرف. لم يتكلم الرجل. وتركني لأفكر في أنه ربما كانت الحكومات العربية تكره العرب. وربما كان كل ذلك من آثار الاستعمار الذي كان حريصا على أن يضع الالغام على الحدود. وأكبر لغم نعرفه هو اسرائيل التي مزقت العالم العربي، ومازالت تمزقه! ورحم الله أيام، كنت تركب سيارتك من الرباط ولا تتوقف الا في حلب. ولكن أيامها لم نكن نملك سيارات!