هناك لوحة على جدار مختبر على بعد 40 ميلا غربي شيكاغو تحمل الكتابة التالية: «تخليدا لذكرى جورج فابيان من الحكومة حافظة الجميل». هذه اللوحة في مختبر ريفربانك للسمعيات هدية جاءت قبل عدة سنوات من وكالة الامن القومي التي لم تكن موجودة عندما توفي جورج فابيان قبل 65 سنة. كما انها لا تحدد الشيء الذي تشعر الحكومة بالامتنان بشأنه ـ ولعل يمكن تفهم هذا الامر. فماذا يمكن ان تقوله لتشكر رجلا اشتهر بانه اقنع قاضيا في شيكاغو بالافتاء بان السير فرنسيس بينكن هو الذي كتب اعمال شكسبير، وببنائه آلة مقاومة لقوة الجاذبية لم تنجح في عملها؟ فابيان، تاجر الالبسة المليونير امضى سنوات وانفق ثروة لا بأس بها لاثبات مقولتيه. وقد آوى منزله المقام على ارض مساحتها 300 فدان اسماه ريفربانك احد اوائل بنوك الادمغة في العالم عمل فيه خبراء في الترميز وعلماء وراثة وسمعيات. ولم يكتشف هؤلاء اي شيء يمكن ان يدعم نظريات فابيان، غير انهم ساهموا من حيث لا يدرون بانتصار الولايات المتحدة في الحربين العالميتين. ويبدو ان فابيان لم يكترث لحقيقة ان الخبراء الذين وظفهم نادرا ما كانوا يعثرون على ما وظفهم من اجله، وبدا انه كان راضيا باي شيء انتجوه حتى بالسمعة السيئة. وقد وصلت رداءة السمعة تلك الى ذروتها في 16 ابريل 1916 عندما اصدر القاضي ريتشارد تتهيل فتوى في دعوى مقامة ضد فابيان من قبل المنتج السينمائي وليام سيليج الذي كان يستعد لتوزيع عدد من الافلام الشكسبيرية بالتزامن مع ذكرى مرور 300 سنة على وفاة شكسبير. وظاهريا اقام سيليج الدعوى لمنع فابيان من نشر كتاب يعتمد على تحليل الشيفرة لاثبات ان بيكن هو المؤلف الحقيقي لمسرحيات شكسبير. وبعد الاستماع الى خبير فك الشيفره لدى فابيان اصدر القاضي تتهيل فتواه الشهيرة: «تقنعني هذه الشيفرة ان بيكن لم يكتب الاعمال المنسوبة الى شكسبير فحسب، بل انه كتب ايضا افضل نتاج ادموند سبنسر ورواية «تشريح الاكتئاب» لروبرت برتون وكافة اعمال روبرت غريب وجورج بيل». وتعلق جايل باسنتر خبيرة الاعمال الشكسبيرية والاستاذة في جامعة جورج واشنطن ومكتبة فولجر الشكسبيرية بقولها انه يبدو ان بيكن كان رجلا مشغولا جدا. واحتلت فتوى تتهيل التي صدرت سنة 1916 صدارة الصحف في نيويورك ولندن، الا ان الصحفيين في شيكاغو قابلوها بالسخرية. فهم كانوا يعرفون ان فابيان وسيليج وتتهيل اصدقاء، ويعرفون ايضا ان تتهيل الذي تعلم بنفسه كان يتفاخر بالمعرفة امام زملائه في هيئة المحكمة، وانه كقاضي محكمة عليا ليس من مهامه الحكم في دعوى مدنية بالدرجة الاولى. وتعززت مقولة ان القضية كلها كانت مفبركة عندما طرحت صحيفة شيكاغو تريبيون اسئلة على جاك ويلر، مساعد سيليج حول غرامة الخمسة الاف دولار التي فرضت على رئيسه، فرد ويلر: «اليس ذلك شيئا محزنا»؟ المبلغ يساوي تسعة ملايين عامود دعاية، اليس كذلك؟ ومضى سيليج في توزيع افلامه فيما كانت سلطات المحكمة توجه توبيخا لتتهيل البالغ من العمر 75 سنة وتبطل الفتوى التي اصدرها. وليس معروفا بالتحديد متى بدأ اهتمام فابيان ببيكن، ولكنه في العام 1912 و 1913 خصص مكان اقامة في ريفربانك لاليزابيث ويلز جالوب، المرأة التي ادعت انها اكتشفت شيفرة في مسرحيات شكسبير تشير الى ان بيكن هو المؤلف الحقيقي لتلك المسرحيات. ادلة مشفرة ولم تكن مثل هذه المزاعم شيئا جديدا، بل انها كانت موضوع كتاب رائج واحد على الاقل في القرن التاسع عشر، الا ان جالوب قدمت زاوية جديدة بالقول انها عثرت على ادلة مشفرة الى ان بيكن هو في الحقيقة ابن الملكة اليزابيث الاولى، وبالتالي فهو الوريث الوحيد للعرش البريطاني. وكان بيكن معروفا انه ابتكر واستعمل الشيفرة الثنائية التي تقوم على استعمال نوعين من الاحرف ـ الابيض والاسود ـ في كل رسالة. وتمثل كل مجموعة من خمسة احرف في النص المطبوع حرفا واحدا في الرسالة المشفرة. وبما ان الطبعات المبكرة لاعمال شكسبير كانت تطبع بخليط مختلف انواع الاحرف، ظن فابيان انه قد يكون هناك بصيص من الحقيقة فيما ذهبت اليه جالوب، فدفع مبلغا مرموقا لجلب الطبعات الشكسبيرية المبكرة ومخطوطات بيكن من انجلترا لكي تدرسها، كما وظف عددا من الكتبة ودربهم على فك الرموز. وقرأ فابيان في احدى مخطوطات بيكن وصفا لجهاز ارتفاع وافلات من الجاذبية قبل ان يعمل بالمباديء السمعية فبنى الة مماثلة الا انها لم ترتفع عن الارض فطلب من جامعة هارفرد ارسال عدد من الخبراء السمعيين لمساعدته. ومن جانب آخر كان فابيان يفكر باجراء اختبارات مستقلة عن مشروعه، حول تربية المواشي فاستعان لذلك بعالم الوراثة الشاب في جامعة كورنيل، وليام فريدمان. واصبح فريدمان صديقا صدوقا لفابيان، ووقع في حب خبيرة الشيفرة اليزابيث سميث التي علمته اختصاصها في غضون اسابيع قليلة، وسرعان ما اثبت فريدمان مهارته بفك رموز اكثر الشيفرات الميدانية البريطانية صعوبة وبسرعة كانت حتى ذلك الوقت تعتبر مستحيلة. ولكن فيما كان فريدمان يحسن قدرته على فك الشيفرات، فشلت سميث في تحقيق انجازها الكبير المتوقع حول هوية مؤلف مسرحيات شكسبير. فالتحليل الرمزي لم يعثر على اي شيء مفيد وبدأ فريدمان يشك في ان تكون الشيفرة موجودة اصلا. ولعل مشروع الشيفرة هذا كان سيتبدد لولا دخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الاولى في شهر ابريل سنة 1917 وآنذاك لم يكن لدى الحكومة الفيدرالية اي خبراء في فك الرموز فيما كان لدى فابيان العديد منهم، وعليه اصبحت مزرعة فابيان بمثابة «وكالة الامن الوطني»، لتلك المرحلة، وسرعان ما بدأ العروسان وليام واليزابيث فريدمان يفكان الشيفرة الالمانية والمكسيكية لحساب المؤسسة العسكرية الامريكية ويساعد البوليس البريطاني على فضح العملاء المناهضين لبريطانيا في امريكا الشمالية. وعندما افتتح الجيش الامريكي مكتب الشيفرة الخاص به قام فابيان والزوجان فريدمان بتدريب ضباطه الاوائل وعددهم 88 ضابطا في ريفربانك. وعندما انتهيا من مهمة التدريب استلم وليم فريدمان مشروعا لنفسه وذهب الى فرنسا.