من أعلى صف واحد من ا لكتل الطينية المستطيلة التي ترتفع 20 قدما فوق الارض، وقف اثنان من عمال البناء كل منهما حافي القدمين يكسوان جدار احد المنازل القديمة بالوان جديدة ومن الطابق الثاني، يظهر رئيسهما ممسكا بكتلة طينية يبلغ وزنها سبعة ارطال ليرفعها من بين اكوام من تلك الكتل بنوع من الثقة اللامبالية. يقذف بتلك الكتلة الى الاقرب اليه من العاملين ليمسكها بدوره ولما نزل في الهواء وينحني قليلا ليضعها في مكانها المناسب على ذلك الجدار. وبتوقيت دقيق لا يحتمل الخطأ يقذف رئيس البنائين بكتلة اخرى من وراء ظهر العامل الاول فيمسك بها العامل الثاني بكل هدوء وارتياح. وهكذا دواليك تستمر العملية ويستمر معها الايقاع المنتظم لعمال البناء تحت لهيب شمس حامية، ومن بين ايديهم واقدامهم لن تستطيع ولو كتلة طينية واحدة «الهرب» لتهوي الى الشارع الضيق القذر تحتهم، ولن تضيع منهم دقيقة واحدة فيختل توازن رئيس البنائين. ربما يرى الزائر الغريب لمدينة جنة في مالي في هذا الاداء «استعراض مهارات» بينما يطلق عليه عمال بناء مدينة «جنة» اسم الاصل اذ يقول بيريه يونو ـ احد رؤساء عمال البناء في المدينة .. لا احد في العالم يستطيع البناء في الطين كما نفعل نحن، ان ما نعرفه نحن هو الارض باسرها. يقوم البناؤون الذي تمتد جذورهم الاسرية الى قرابة 500 سنة في القدم بمزج التربة المستخرجة من السهول المحيطة بالمياه الآتية من «باني» وهو احد روافد نهر النيجر. وبعد هذا وبالاعتماد على الخبرة المتوارثة من الاب الى الابن، يشرعون في ابداع نوع من الهندسة المعمارية قادر على الاتيان بزوار من اماكن تصل الى اليابان لمشاهدتها ويقدم الجامع الكبير بجدرانه ذات الشرفات اسطع مثال على رقي هذا الفن المعماري الذي ترتسم ملامحه حتى على اكثر البنيات تواضعا بما يتوفر لها من دعائم واعمدة تصور في مجملها قطعا فنية رائعة من الهندسة المعمارية السودانية. فمع بداية القرن الرابع عشر، انتشر نمط البناء هذا من جنة عبر ساحل غرب افريقيا ليصبح اسما مرادفا لعمال البناء في المدينة. غير ان الجمال الذي تزدان به مدينة جبنة هو جمال فان اذ ينبغي اعادة اكساء البنايات بالجص بشكل دوري والا ذاب بريقها بتأثير الامطار الموسمية، وخلال عقدي السبعينيات والثمانينيات عندما تعرضت البلاد الى موجات جفاف، هجرت اغلب بيوت جنة واهمل ما تبقى منها، وقد اعقب ذلك هطول الامطار الموسمية، لكن الاهالي لم يقوموا هذه المرة باعمال اعادة الكساء ففقدت جنة جمالها وبدأ سحرها يضعف. اعادة الاعمار وقد قدمت هولندا منحة بلغت 500 الف دولار لاعادة اعمار المدينة، وهو مبلغ كاف لترميم 168 منزلا من منازل المدينة او ما يعادل 80% من مجموعة منازلها. من جهتهم لن يقدم سكان جنة شيئا مقابل هذه المنحة، وكل ما عليهم هو الموافقة بالحفاظ على الطراز التقليدي لمنازلهم والمتمثل بنوافذ صغيرة وغرف متوسطة الحجم واستخدام الطين في البناء ليتزامن هذا الشرط مع محاولة العديد من سكان جنة تدمير منازلهم واعادة بنائها لتتوافق مع الحاجة الى ايصال خطوط الكهرباء وانابيب المياه وبناء غرف بمساحات اكبر لتتسع لخزاناتهم الجديدة. والآن تتم اعمال الترميم التي من المقرر الانتهاء منها خلال السنة المقبلة وفقا للتقليد السائد هناك حيث يتقاسم البناؤون العمل حسب المرجعية التاريخية، او بمعنى آخر ان يقوم هذا البناء بعملية الترميم اذا كان اجداده هم الذين بنوا البيت في الاصل ومن خلال عملية او بمعنى «الاصل الأصل» سيتمكن البناؤون من حماية منازلهم وعائلاتهم وانفسهم. تمتد جذور مثل هذه الممارسات الى العام 250 قبل الميلاد تقريبا ومنها كانت بدايات «جنة ـ جينو» وهو موقع قديم جدا يبعد حوالي الميلين عن «جنة» الحالية. من هنا يعتقد علماء الاثار ان الشخصية الاساسية لثقافة جنة ـ جينو باقية الآن في جنة. لقد كتب رودريك ماكنتوش الذي قام وشريكته سوزان ماكنتوش باعمال التنقيب في جنة ـ جينو «الاصالة هي الكلمة السر في هذا الامر» اذ ان يعرف عن سكان جنة انهم قد قاوموا ونجوا على مر القرون من موجات الجفاف والغزو بفضل تمسكهم بصلابة بما توارثوه من تقاليد. اما وقد ظهروا اليوم من جديد بعد ان قهروا آخر موجات الجفاف فانهم يواجهون الآن منافع التقدم ذات الحدين. اذ يمكن لانابيب المياه الجديدة ان تجلب لهم المياه النقية الى منازلهم، لكن انابيب تصريف المياه القديمة المصنوعة من الفخار كانت تسمح للمياه ان تتسرب الى الجدران الطينية. في منزل بيريه يونو، حيث يعيش في ساحة جنة الرئيسية المغبرة، كانت اسلاك الكهرباء التي اضيفت مؤخرا تتدلى فوق رؤوس المارة بعد ان اوصلت حكومة مالي الطاقة الكهربائية ومدت انابيب المياه الى جنة خلال التسعينيات، لكن اغلب الناس غير قادرين على دفع تكاليف اي من الكهرباء أؤ الماء وايصالهما الى منازلهم. ومسجد بيريه بناه جده. كان جد بسيط من الخارج ومن الداخل تبدو مسحة عمال بناء جنة دعامات وضعت بشكل مائل في زوايا السقف لتتحمل الوزن من دون الحاجة الى وجود جسور او ركائز. وقد ادركت ايضا ان عائلة بيريه يونو هم «بناؤون» ابا عن جد، فقد بدأ عام 1950 كمتدرب مع والده ريثما اصبح عام 1978 رئيس بنائين، وهو الآن آخر شخص مازال على قيد الحياة من الذين تعلموا فن «جنفير» اي فن البناء بالكتل الطينية الاسطوانية التي استخدمتها المدينة قبل عام 1900 عندما ادخل الفرنسيون الكتل المستطيلة الشكل، وهو يقول ان المهم في هذا الامر ليس الشكل بل الاهتمام الذي تتطلبه عملية الصنع ووضع الكتلة في مكانها. وهناك اشياء اخرى تندرج تحت قائمة تقاليد جنة غير حب المهمة واحترام الكبار، يقول يونو لكي تكون بناء عظيما عليك بالدراسة وان تعرف شيئا عن القرآن، الذي هو رحمة تنزل على كل منزل، ويضيف: ان اجادته لفن البناء تعتمد على مدى اجادته لتعاليم القرآن الكريم، وهي معرفة تمنحه القوة ايضا.