يكاد اسم الفنان الجزائري محمد عجايمي يرتبط بالمسلسلات التاريخية حيث قدم ما لا يقل عن عشرين شخصية من التاريخ الإسلامي والجزائري، وهو يملك مقدرة كبيرة في هذا النوع من الأدوار التي تحتاج الى مقومات فسيولوجية وصوت جهوري وتحكم في اللغة وهي مواصفات توفرت لدى عجايمي. لكن هذا النجاح في مجال الأعمال التاريخية لم يبعده في السنوات الأخيرة عن تجسيد الأدوار الاجتماعية بنجاح من خلال مسلسلين عرضا في الجزائر وحققا نجاحا كبيرا وهما «كيد الزمن» و«الوصية» وكلاهما من إخراج جمال فزاز أحد أشهر المخرجين الجزائريين . .وسجل الفنان عجايمي حافل بالأعمال الناجحة حيث جسد ما لا يقل عن خمسين دورا في أعمال تلفزيونية وسينمائية فضلا عن أدوار كثيرة في تمثيليات إذاعية وتوجت أعماله بجوائز في عدة مناسبات، كما كانت له تجارب خارج الوطن وعرضت بعض أعماله بدول عربية كالأردن والعراق، وله حضور مميز في مجال الأوبرا .فعن مشواره الفني وواقع التمثيل في الجزائر فتح عجايمي قلبه للبيان في هذا الحوار الحميمي . ـ أديت دورا ناجحا جدا في المسلسل الاجتماعي «الوصية» أنسى الجمهور تألقك العام الماضي في مسلسل «كيد الزمن». فهل كنت تنتظر مثل هذا النجاح ؟ ـ أفضل أن أتحدث عن نجاح المسلسل ككل، فقد كنت أتوقع نجاحه، لكن ليس بهذه الدرجة الكبيرة، وثقتي هذه جاءت بعد نجاح مسلسل «كيد الزمن» .فالجمهور الجزائري متعطش لأعمال جزائرية جيدة تعبر بالدرجة الأولى عن واقعه وحياته. فالمسلسلات المصرية التي اعتاد التلفزيون الجزائري بثها على غرار كثير من التلفزيونات العربية أعمال جيدة ولها جمهور واسع في الجزائر لكن الجمهور قد يستحسن أعمالا تتحدث عن واقعه المباشر وتقع في مدن يعرفها ويمر بشوارعها يوميا، هذه هي الخصوصية التي يجدها المتفرج في المسلسل الجزائري . وقد تلقيت تهاني المعجبين ورسائلهم حتى من خارج الجزائر ولا سيما الجالية العربية المقيمة في فرنسا، وكانوا قد شاهدوا المسلسل عبر الفضائية الجزائرية، كما وصلتني هدايا كثيرة من أناس لا أعرفهم، شاهدوني فقط من خلال التلفزيون وهذا أسعدني كثيرا . قبلت دور شخصية شريرة لأني مغرم بالمغامرات ـ على عكس طيبتك في الأعمال الفنية السابقة كان دورك في المسلسل سلبيا من الناحية الاجتماعية أي الأب الشرير الذي يتزوج من جديد ويترك زوجته الأولى وأولاده للضياع. ألم تكن خائفا من رد فعل جمهورك الذي عرفك في أدوار إيجابية ؟ ـ هذا الدور، دور الشرير اجتماعيا كنت قد أديته أيضا في « كيد الزمن» لما جسدت شخصية بوعلام، وكان رد فعل الجمهور عنيفا وقويا، وقد سبب لي مشاكل كثيرة وأرغمني على الانزواء في البيت شهرين كاملين، لأن الناس كانوا يشيرون إلي بسخط وبعضهم أوقفني في الطريق ولامني بعنف وكأنني ارتكبت تلك الأفعال الشريرة في الواقع. أما دور عز الدين في «الوصية » فقد عرضه علي المخرج فزاز واطلعت على العمل واعجبني من الناحية الفنية رغم ان قبوله مغامرة كبيرة مع الجمهور ولا سيما وأنني عانيت من دور بوعلام سابقا. لكني ممثل مغرم بالمغامرة أحب دائما الأمور الصعبة ولا أخاف من الأدوار مهما شعرت أنها ستسبب لي متاعب . ومثل هذه المتاعب مع الجمهور تأتي حتى في الأدوار التاريخية حيث مثلت قبل سنوات دور أبي سفيان ثم دور أبي جهل في فيلم «الهجرة»، وبقي الناس في الحي والشوارع ينادوني بأبي جهل وأبي سفيان وكأنني أمضيت عقدا مع هذه الشخصيات وتمنيت حينها أن ينسوا تلك الشخصيات، كل هذا جعلني حذرا ومترددا في اختيار الأدوار فيما بعد، لكن إعجابي بدور بوعلام ودور عز الدين جعلني أركب المغامرة وأجسد الدور مهما كانت العواقب، وكان الجمهور عنيفا معي أيضا ولا سيما الشباب، فيما تفهم البعض أن ذلك مجرد دور في مسلسل، والدليل رسائل الشكر والتهاني الكثيرة التي وصلتني .وفي اعتقادي أن الممثل الجيد هو الذي يمثل الدور بكيفية جيدة سواء أكانت الشخصية التي يجسدها سلبية أم إيجابية اجتماعيا . جوهر الخلاف ـ حدث سوء تفاهم كبير عقب بث «كيد الزمن» بين المخرج جمال فزاز والكاتبة والممثلة جميلة عراس رغم نجاح المسلسل نجاحا لم يسبق في تاريخ التمثيل بالجزائر .فما هو جوهر الخلاف ؟و ماذا كان موقفك من ذلك ؟ ـ أنا لم أدخل الصراع بين فزاز وعراس كطرف .فكلاهما يملك موا هب كبيرة وقدما أشياء جميلة للفن الجزائري، وهما صديقان حميمان لي، و أما ما حدث من سوء تفاهم بينهما بعد المسلسل الأمر الذي حال دون إنجاز الجزء الثاني منه فأعتبره مجرد سحابة صيف، ومن جهتي فقد سعيت الى التقريب بينهما، وأتمنى أن تصفو القلوب والأجواء وأن يعودا للعمل معا وفي ذلك خير كبير للفن الجزائري. ـ لقد وصفت الصحافة الجزائرية المسلسلين «كيد الزمن» و «الوصية» بنسخ جزائرية طبق الأصل للمسلسلات المصرية . فما رأيك ؟ ـ وأين المشكلة ؟، فالمصريون لهم تجربة طويلة في المسلسلات، وعندهم مدرسة قوية في التمثيل، وهذا التقارب سواء بالصدفة أو بغيرها لا عيب فيه، فهل يراد لنا ان نقلد الأعمال الأمريكية أو الفرنسية ؟ .أنا أقر أن تجربتنا في المسلسلات الاجتماعية فتية ونحتاج الى إمكانيات وإلى كتاب ومخرجين لتحقيق أعمال في المستوى، والفنان الجزائري جاهز لتجسيد ذلك . ـ يبدي المختصون ملاحظة مفادها أن الأعمال الجزائرية جيدة من حيث القصة والإخراج أيضا بيد أن النقص يكمن في لغتها الدرامية . ما رأيك ؟ ـ أشاطرك الرأي وأحييك على هذه الالتفاتة، فعلا تحتاج أغلب الأعمال الجزائرية إلى لغة سينمائية أولغة درامية قوية، بغض النظر عن اللهجة .فنحن نبحث عن حوار يكون مفهوما محليا وعربيا لا وجود للفرنسية فيه كما في الحديث اليومي . وهذه مهمة الكتاب المحترفين لا مهمة المخرجين والممثلين . ـ لقد كونت اسما كبيرا من خلال الأعمال التاريخية، لكنك اتجهت في السنوات الأخيرة الى الأدوار الاجتماعية فهل هذا طي لملف البطولات التاريخية ؟ ـ أنا أحب الفروسية وأعشق ركوب الخيل، وأحلى أدواري هي التي جسدتها وأنا على صهوات الخيول،لكن على الممثل ان يكون شاملا وأن يؤدي كل الأدوار،وإن كنت قد اتجهت الى الأدوار الاجتماعية في السنوات الأخيرة فلأنها أحسن الأدوار المقترحة علي، والممثل يجسد أفضل الأدوار التي يراها مناسبة لمشواره الفني. شجرة الخلد ـ بعد التألق في مسلسل الوصية لجمال فزاز ما هو جديد الفنان عجايمي ؟ ـ انتهيت مؤخرا من تجسيد دوري في مسلسل بعنوان «شجرة الخلد» عن قصة للكاتب الجزائري الموهوب مرزاق بقطاش وإخراج أحمد سجان وهو مخرج دقيق في العمل وله إحساس فني رفيع، ومن المخرجين الذين يعملون وفق مقاييس احترافية، ويقدم الصورة والعمل بمنظور عالمي .فهو قد يبقى في تصوير لقطة لا تتعدى مدتها الدقيقة أو الدقيقتين أزيد من ساعتين، لكنه يضعك في جو خاص ولا تحس بمرور الوقت . فأنا مرة بقيت جاثيا على ركبتي أكثر من ساعة ولم أشعر بتلك المدة التي أمضيتها وأنا في وضع صعب .إنه مخرج فنان . ـ وما هو موضوع مسلسل شجرة الخلد ؟ ـ موضوع المسلسل مأخوذ عن قصة فاوست الألمانية، ويتحدث عن الصراع بين الخير والشر من خلال إسقاط تا ريخي حول سيرة العلامة العربي جابر بن حيان، ويعطي العمل حيزا كبيرا لصراع الإنسان مع الشيطان، وأجسد أنا دور إبليس أعاذني الله منه وحفظني من الجمهور بسببه . كما يشارك في العمل نخبة من الممثلين الجزائريين المعروفين ولا سيما في مجال الأعمال التاريخية كعبد النور شلوش وبهية راشدي، وهناك وجوه شابة لها موهبة كبيرة مثل أسماء الجزائرية التي جسدت دور ابنتي في مسلسل الوصية. ـ هل تلقيت عروضا للمشاركة في أعمال عربية ؟ وكيف تقيمون التعاون العربي في المجال الفني ؟ ـ لقد شاركت في مسلسلات تاريخية تونسية، مثلما شارك الممثلون التونسيون والمغاربة في أعمال جزائرية لكن مثل هذا التعاون صار محدودا في السنوات الأخيرة .أما خارج إطار المغرب العربي فلم أتلق عروضا وآمل أن يفتح مجال التعاون أمام الممثل العربي . لكن الأعمال التي شاركت فيها تجاوزت الحدود مثل أوبرات حيزية «التي عرضت بالأردن، وكذا أوبرات » قال الشهيد التي يعرفها الجمهور العراقي بعد عرضها في مهرجان بابل .وهناك مشروع مسلسل كتبه رئيس اتحاد الكتاب الجزائريين عز الدين ميهوبي حول البطل الجزائري النوميدي ماسينيسا، وتم الاتفاق أن ينتجه اخواننا السوريون على غرار الأعمال الكبرى التي أنجزوها مثل «الكواسر» و «الجوارح» و «الزير سالم» وغيرها، وسيشارك فيه عدد من الممثلين الجزائريين الى جانب الممثلين السوريين والأردنيين، وسأكون أحد أبطال هذا العمل الواعد .و أتمنى ان يفتح المجال أمام الممثل العربي، وان يكون ثمة تعاون فني جاد بين الدول العربية، إذ ينبغي النظر الى المشاهد العربي على أنه مشاهد ينتمي الى وطن واحد، وعلى الثقافة العربية أن توحد المشاعر والذوق، وألا تلقى الاتحادات والجمعيات الثقافية والفنية عراقيل لعرض إبداعاتها في كل الوطن العربي .وينبغي تحقيق التلاحم من خلال الأعمال الفنية وهذا دور الثقافة في الوطن العربي . ـ لماذا تراجعت السينما الجزائرية في السنوات الأخيرة بعد التألق الذي حققته في السبعينيات ؟ ـ أنا أفسر هذا التراجع بالظروف السياسية التي عرفتها البلاد، فلقد مرت فترة لم يكن فيها الاهتمام بالثقافة كما كان في السبعينيات وكانت أغلب التعيينات تخضع لمقاييس غير ثقافية، فلم يعد الرجل المناسب في المكان المناسب، بيد أن المجال الثقافي بالجزائر يعرف اليوم تحسنا متناميا. ـ ألا يتحمل الفنان الجزائري بدوره جزءا من المسئولية فيما آلت إليه اوضاع الثقافة بالبلاد ؟ ـ لقد أبعد الممثل الكفء، وأقصي بطريقة أو بأخرى من الميدان .لكن على الفنان أن يناضل وألا يستسلم بسهولة،وهذا هو ربما المأخذ الوحيد على بعض الفنانين الذين ساهموا في إقصاء أنفسهم . ـ يحضر الفنانون الجزائريون ـ ولأول مرة ـ لإنشاء نقابة أو اتحاد الفنانين ماذا كان موقفك من هذه المبادرة ؟ ـ هذه النقابة أو الاتحاد مبادرة طيبة أنا أحد الداعين الى إنشائها والساعين الى تحقيقها، وأتمنى ان تتم التسهيلات الإدارية لتنصيب الاتحاد في اقرب الآجال وألا تكون البيروقراطية حجر عثرة في سبيل تحقيق ذلك، لأن الاتحاد سيكون ولا شك في خدمة الثقافة والمثقف الجزائري . الجزائر ـ «البيان»: حاوره: مراد الطرابلسي