انهم يطاردونني.. يتعقبوني في كل مكان.. يقفزون امامي كالأشباح. اشباح لا تظهر الا في النور، ولا يحلو لها الرقص والصياح الا في الأماكن العامة ووسط جمهور عريض، أغمض عيني فتخترق أذني أصواتهم، أخفي وجهي في صحيفة او مجلة فيبرزون من بين السطور مخرجين لي ألسنتهم في تشف وسخرية، اهرب الى التلفزيون.. تطل علي من شاشته وجوههم المكفهرة الناظرة الى اللاشيء، لا مفر ولا مهرب.. لا ملجأ ولا مخبأ..، ليس امامي اذن الا الاستسلام والركوع..، ولكن لا.. أبداً.. أبداً.. لن أستسلم، وأبداً.. أبداً.. لن أسلم، وأبداً.. أبداً.. لن ألقي السلاح في مواجهة عبثهم المستمر واستفزازاتهم المتوالية..! إنهم مخلوقات غريبة.. كأنهم هبطوا من عالم آخر، أشكالهم وسحناتهم لا تختلف في شيء عن أشكال وسحنات البشر العاديين، ولكنهم.. ما ان يبدأوا الكلام حتى تفاجأ بهم يتكلمون لغة غريبة تماما عن لغاتنا المعروفة، فلا تفهم ما يقولون.. ولا تدري شيئا عما يقصدون، الغريب انهم يفهمون كلامنا ويدركون تمام الادراك لغتنا، ولكنهم أبداً لا يحاولون التفاهم معنا الا بلغتهم التي يعرفون بالتأكيد اننا لا ندرك منها حرفا، ربما تعصباً منهم للغتهم..، وربما عجزا منهم عن النطق بحروف وكلمات لغتنا، كل المحاولات التي بذلت لنقلهم من عالمهم الغريب المنغلق الى عالمنا الواضح الرحب فشلت، بل دفعتهم اكثر وأكثر الى التمسك بلغتهم العجيبة، وزادت من حدة ترفعهم وتعاليهم وازدرائهم لكل ما نمثله نحن.. ولكل ما تمثله لغتنا العربية من تخلف وجهل وضحالة ـ كما يعتقدون!! .. تقابل الواحد منهم صباحا وتقول له «صباح الخير»، فينظر اليك نظرة افقية مسطحة.. ويرد عليك بترفع: ـ ركام الفسيفساء..! .. وقد ترى واحداً منهم ذات مساء فتقول له محييا «مساء الخير»..، ومن خلف نظارته «التي غالبا ما تكون سوداء» يرد بقوله: ـ بصاق الزعانف المرتدة..! .. تحاول ان تخترق جدار صمت احدهم الغارق في تأملاته بجره الى الحديث قائلا: ـ الجو بديع هذا المساء.. بعد حملقة طويلة الى السماء يرد قائلاً: ـ حقا.. لقد تدحرجت الأقاحي فتساقطت اعناق السحب وسط قطرات اللاماء اللامعة.. هذا رائع..! .. تدفعه الى الكلام في السياسة بقولك: ـ ما رأيك في الوضع العربي الراهن..؟ يرد بحماس ملحوظ: ـ اولاد الافاعي تشرذموا في رحيق ثدي برتقالة نصف مجنزرة..! .. تغير مجرى الحديث لأنك بطبيعة الحال لم تفهم شيئا، وتحاول فتح حوار عن عالم الفن والادب،.. تقول متصنعا الجدية مثله: ـ هل ترى جديدا في الحركة الادبية والفنية المعاصرة؟ بعد اطراقة نصف متأنية يرد في أسى واضح: ـ انه زمن الحزن المثلج، صهيل الجرذان فيه اصطدم بتراتيل الخفافيش وقبلاتها الحجرية، ليس أمام الأديب الملتزم منا اليوم الا النكوص المباغت قبل ان تسحقه خنافس الغسق الاجرب..!! ... مرة اخرى اجد نفسي مضطراً لمواجهة تساؤلات حائرة اثارتها ضبابيات المخلوقات العجيبة المذكورة، فما ان أهدأ بعض الشيء محاولا تجنب او تجاهل عالم الطلاسم الادبية او الفنية.. حتى تقتحمني من جديد تلك الأعمال الضبابية التي تصر على اقتحام كل الصفحات المسماة بالثقافية في جرائدنا ومجلاتنا، غير مكتفية بساحتها الطبيعية في مجلاتها المتخصصة، وكأنها تجد لذة عارمة في تعذيب وتطفيش قراء هذه الصفحات مدفوعة بعوامل سادية متأججة، وكأنها تقول للقاريء بصراحة تامة «أنت حمار اذا لم تفهمني.. وانت حمار ايضا اذا ادعيت انك فهمتني»!، وفي اطار هوجة مسابقات «اربح المليون» الذي أصبح يطل علينا في كل صحيفة وبرنامج فضائي، فكرت.. حلا للاشكال.. وفضا للاشتباك ان تقدم الصفحات الثقافية هذه «الأعمال» الادبية «وخاصة الشعرية منها» تحت عنوان «إقرأ.. وافهم.. واربح»..، وأن ترصد جوائز ثمينة لكل من يستطيع فك طلاسم ما يسمى ـ زورا وبهتانا ـ بشعر الحداثة، وما يستحق ـ حقا وصدقا ـ مسمى «شعر اللوغاريتمات»، وحتى يطمئن اصحاب الصفحات الثقافية الذين قد تقلقهم عملية تمويل جوائز هذه المسابقات، الى انهم لن يضطروا يوما من الأيام لدفع درهم واحد لفائز واحد قد يستطيع فهم شعر المسابقات هذا، ولا حتى كاتبو هذا الشعر.. او ما يسمى شعرا..! ... في إطار ما تقدم.. تصورت «قيس بن الملوح» جالسا الى ليلاه العامرية، وقد ركبته فجأة موجة الحداثة فراح يناجي ليلى بقصيدة يقول فيها ودموع عينيه تنهمر على خديه: صديد حبك ليلى... فقاعة تيس بللورية.. العالم مخروم.. رقائق الهواء تجلجل.. ربما.. اللقاء المغموس بعواء الطحين.. ذبابة في عينيك.. وصهيل كبدي الخجول.. يا أنت.. يا كلما.. قيس أنت.. وليلى أنا شراع في كأس دم.. مصلوب.. كآهات تفاحة.. مزنوق.. بلا فيزة.. ولا ضربة جزاء.. يا حذاء.. واء.. واء...! وتصورت ليلى وقد أحست وهي تستمع الى خزعبلات قيس ان «الجنون» قد جاءه مبكرا وقبل ان يرفضه ابو ليلى زوجا لابنته..، وأنها لم تجد مفرا ـ في اطار حقها المشروع في الدفاع عن نفسها ـ من ان تستل سكينا من بين طيات ملابسها وتنهال بها طعنا على حبيبها الذي جن قبل الاوان..، ليصبح مسماه التاريخي بعد ذلك هو «مذبوح ليلى» وليس «مجنون ليلى»..!!