صناعة السينما مليئة بالمتناقضات، فهي عالية التقنية وقديمة الزي في الوقت ذاته. فأفلام اليوم تستخدم الصوت الرقمي والتأثيرات الحاسوبية، ومع ذلك فهي لاتزال تخزن على شريط السليوليد المستخدم في جوهره منذ أكثر من مئة عام، ولاتزال تعرض بواسطة أجهزة عرض وشاشات يبدو في مظهرها أنها تنتمي لجيل أجداد أجدادنا. الآن وقد دخلت السينما قرنها الثاني، هناك خطوات لتحديثها وفق الزيّ العصري، بإحداث ثورة ليس فقط في طريقة صنع الأفلام، بل أيضا في كيفية توزيعها وعرضها. وفي حين يلوح طيف مثل هذه الثورة التكنولوجية الكبيرة في الأفق، فإنه من الغريب أن الصناعة لم تستقر بعد على تسميتها. وقد يبدو اختيار الاسم أمرا هامشياً، لكن مصطلحيّ السينما الرقمية والسينما الالكترونية يوحيان بمفهومين ومظهرين مختلفين لهذا العمل التجاري. فالسينما الرقمية تشير إلى الآلية الفيزيائية لالتقاط الصور، في حين أن تعبير السينما الالكترونية يغطي منظومة العمل السينمائي بأكملها من الانتاج مرورا بمرحلة ما بعد الانتاج (التحرير، إضافة للمؤثرات الخاصة، وبناء الترددات الصوتية) إلى التوزيع والعرض (وقد يعني هذا عرض الأفلام على الإنترنت أيضا). إن هدف هذه الثورة لا يقتصر على إنتاج وإعداد الأفلام في الميدان الرقمي، بل يتعداه إلى امتلاك القدرة على إرسال الأفلام إلى صالات العرض عبر وسائل رقمية الكترونية.. أي عن طريق الأقمار الصناعية أو الانترنت أو على قرص مدمج خاص. بعد ذلك يتم عرض الفيلم بواسطة أجهزة عرض رقمية عالية التركيز. ويقول أنصار هذه الأفكار إن تلك الخطوات ستوفر من الانفاق في جميع مراحل صناعة السينما، لاسيما في مرحلة التوزيع. فتوزيع النسخ الأصلية للفيلم بالطريقة التقليدية الحالية باهظ التكلفة وغير عملي. ومن الطبيعي أن السينما الالكترونية ستقلص تكلفة التوزيع كما انها قد تمتلك القدرة على مقاومة القرصنة. وليس مفاجئا، أن تركيز ودقة الصورة النهائية هما العنصر الأول الأهم في الترويج للسينما الرقمية، لكن أنصار الأفلام التقليدية يشيرون إلى جودة وحميمية شريط السليوليد. ومن الانتقادات المتكررة التي توجه للفيديو، لاسيما التسجيلات الرقمية المركزة «إتش دي» إنها ربما تكون جيدة أكثر من اللازم وواقعية على نحو يفسد متعة مشاهدة السينما، وكأن المشاهد ينظر من خلال نافذة مفتوحة. ففي عام 1989 ظهر أول فيلم أمريكي عالي الوضوح بتقنية «إتش دي» بالحجم الطبيعي وكان بعنوان «صدع في المرآة». واعترف المخرج بأن بنية الفيلم كانت مشوبة بـ«واقعية شديدة غريبة». وحتى إمكانية توفير النقود في السينما الالكترونية لاتزال أمرا مشكوكا فيه. حيث يقول جون ولكنون، رئيس جمعية أصحاب دور العرض السينمائية أن العديد من دور العرض لن تكون جاهزة أو مستعدة لإعادة تجهيز نفسها بسرعة بالمعدات اللازمة لعرض الأفلام المخزنة والموزعة بالوسائط الرقمية. ويضيف: ينظر البعض للسينما الالكترونية كطريقة لتوفير المال لأن طبع النسخ من الفيلم الأصلي باهظ التكلفة. لكن التقنية الجديدة لن تعمل ما لم تتبناها دور العرض التي تعتبر المحرك الذي يسوق صناعة السينما. وهذه الرؤية دفعت بعض المقاولين المناصرين للتقنيات الرقمية لإنتهاج أسلوب مختلف قليلا للخوض في الموضوع. من بين هؤلاء إتش دي تيمز الذي يبحث في إمكانية إعادة اختراع سوق السينما الحالية، بالاتجاه نحو «المسرح الالكتروني» الذي يستخدم تقنيات العرض والفيديو الرقمي لتقديم المسرحيات والأعمال الموسيقية الاستعراضية وبعض الأحداث الرياضية للجمهور. لكن مهما كان الانتاج جيدا ومهما كانت وسائل إرسال التسجيل ذكية، فإنها ستكون بلا طائل، لو كان مظهرها سيئاً على الشاشة. وتعود أولى محاولات لعرض صور تلفزيونية على شاشات ضخمة إلى فترة السبعينيات، لكن الفكرة لم تصبح قابلة للتطبيق العملي سوى في السنوات القليلة الماضية. ومن بين جميع تقنيات العرض الحديثة التي تشتغل عليها الشركات الكبرى فإن تقنية المعالجة الضوئية الرقمية (دي بي إل) التي تطورها شركة تكساس إنسترومنتس تبدو في الطليعة. وتقدم على أساس أجهزة المرايا المجهرية الرقمية (دي إم دي) التي طورتها الشركة مؤخرا، وهي رقائق بصرية تحتوي على سلسلة من 13 مليون مرآة بالغة الصغر. وتعمل هذه المرايا كقواطع ضوئية لإنتاج صورة عالية التركيز بالألوان الكاملة. وقد منحت الشركة ترخيص تقنيتها لثلاث شركات تصنع أجهزة العرض السينمائي هي «باركو» و«ديجيتال بورجكشن» و«ديجيتال سيستمز»، وكل منها يقوم الآن بانتاج نسخته الخاصة في تقنية «دي بي إل» التي يتوقع أن تحدث ثورة في العرض السينمائي في المستقبل. من جانبها تبنت شركة كوداك أيضا العمل على خطر السينما الإلكترونية وشكلت مجموعة «سينما أوبريشن» المتخصصة في العمل على تطوير تقنيات العرض الرقمي. لكن دنيس كيلي المدير الاقليمي للمجموعة في أوروبا يقول انهم يعتزمون الجمع بين جانبي صناعة السينما. ويضيف: «الفيلم التقليدي لم يمت بعد. ونحن نستثمر في العمل على تحسين أسهمه في سوق السينما كما نعمل من أجل تحقيق ثورة رقمية حقيقية في هذه الصناعة». علي محمد