كثيرا ما نسمع عن ادباء لامعين بدأوا الكتابة في مرحلة متأخرة من العمر وعن رسامين بارزين لم يأخذوا الفن على محمل الجد الا بعد ان تقاعدوا من اعمالهم اليومية. لكن لي هوان تشانج عرف منذ البداية ان عليه ان يبرع في حرفه قص الورق. وليس من المبالغة في شيء القول : إنه منذ نعومة اظافره لايزال يستخدم مهاراته للتعبير عن افكاره ومشاعره وتجاربه باكثر الوسائل تطلبا للبراعة والعناية الفائقة. ولد تشانج لعائلة من الطبقة المثقفة في مدينة ليني بإقليم شانتونج بالصين عام 1925 وشرع في تعلم حرفته في سن مبكرة، يقول تشانج: «في تلك الايام لم يكن متاحا سوى لقلة من الاولاد الذهاب للمدرسة، ونسبة الصبية الذين يتلقون التعليم كانت اقل من 10 بالمئة ناهيك عن الفتيات. وهو فخور بأن مقاطعة ليني التي كانت تعرف في العصور القديمة باسم لانجيه انجبت عددا من المفكرين والفنانين من امثال الاستراتيجي العسكري تشوكو ليانج والخطاط البارع وانج هسي ـ تشي. وكونه واحدا من المحظوظين القلائل في المدينة الذين شجعوا على السعي وراء الحرف اليدوية، استهل تشانج نشأته في مساعدة النساء والفتيات في نسخ الحروف والرموز الصينية من اجل مشاريع قص وتفريغ الورق. كانت تلك مهارة هامة وثمينة، النسوة في تلك الايام كانت حريصات جدا على ان تصبح بناتهن ماهرات في التطريز والخياطة وقص الورق، وهي كلها اعمال تحتاجها الفتيات عندما يحين موعد جمع جهازهن قبل الزفاف. عاش الصبي طفولة صعبة، حيث كان في العاشرة من عمره عندما توفي والده. وبعد ذلك بفترة قصيرة غزت اليابان مقاطعة شانتونج مما اضطر تشانج ووالدته للفرار فقط بالملابس التي تكسي جسديهما. بدأت الام تكسب رزقها من اعمال الخياطة، وتدبر الاثنان العيش على دخلها المتواضع ورغم حالة الفقر هذه، الا ان تشانج اكمل تعليمه المدرسي. وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية عاد الاثنان الى بلدتهما، لكن بعد ذلك اندلعت الحرب الاهلية وقررت والدته ارساله الى بر الامان في الجنوب بصحبة معلميه وزملائه في المدرسة. ومع تقهقر الوطنيين الى تايوان، ركب تشانج على متن احدى السفن المتجهة الى بنجهو، وهي مجموعة جزر نائية تقع غربي جزيرة تايوان الرئيسية. تشانج لم ير امه أبدا بعد ذلك، لكنه زار بلدته الاصلية عندما رفعت حكومة تايوان الحظر عن الزيارات الخاصة في اواخر الثمانينيات من القرن الماضي. ولما وجد نفسه دون اقرباء او اصدقاء في تايوان، انضم تشانج الى صفوف الجيش القومي، لكنه تمكن من العودة لمتابعة دراسته بعد ان اكتشف زميل له في ايام المدرسة يعمل في وزارة الدفاع الوطني وثائق تسمح للطلاب المنفيين متابعة تعليمهم. وفي عام 1969، اجتاز تشانج امتحان القبول ودخل قسم اعداد المدرسين فهي كلية يانلين العليا في وسط تايوان، تخرج بعد سنة وامضى الثلاثين سنة التالية يعمل معلما في مدرسة ابتدائية في تايبه التي حصل فيها عام 1976 على دبلوم من كلية تايبه الوطنية للمدرسين. جذب فن تشانج الانظار لأول مرة في معرض مدرسي محدود، حيث اظهر مسئول في مكتب التعليم بمدينة تايبه اهتماما كبيرا في النماذج الورقية المفرغة التي انجزها تشانج لعدد من اعمال الخط الفني الشهيرة وحثه المسئول على نقل مهاراته للآخرين. وبدعم مالي من الجمعية الثقافية الوطنية بدأ تشانج في عام 1982 بتعليم حرفته لمدرسي المرحلة الابتدائية. ومع تعاظم سمعته مضى لينقل خبراته وبراعته لقطاعات اخرى من المتعلمين بما في ذلك الاطفال والطلاب الاجانب. تعود جذور حرفة قص الورق الى الفن الشعبي الصيني التقليدي وفي حين يصعب تحديد اصولها بدقة، يعتقد ان هذه الحرفة انطلقت في عهد السلالتين الحاكمتين الشمالية والجنوبية (420 ـ 589) عندما اعتادت النسوة قص اشكال ملونة ولصقها على نوافذهن لاضفاء طابع من البهجة على منازلهن البسيطة. ويقال ان نماذج الاوراق المقصوصة كانت تشبه الورود ومن هنا درج اسم «ورود النوافذ» على هذه الحرفة، وتلك الورود المقصوصة كانت تلصق ايضا على الجدران والاعمدة وفوق المداخل خلال احتفالات عيد رأس السنة القمرية، وسرعان ما تنوعت اشكال ونماذج المقصوصات، لتشمل النماذج المستخدمة في تطريز الملابس والاحذية والقبعات. وتعززت ممارسة فن قص الاوراق في النصف الاول من القرن التاسع حيث استخدمت لتزيين المنازل خلال المهرجانات، وحفلات الزفاف واعياد الميلاد. وحتى الفوانيس الورقية تحمل حروفا صينية وهي مقصوصة ببراعة. وفي عهد سلالة «سونج» (960 ـ 1279) اصبح فن قص الورق مهارة مطلوبة من جميع النساء المؤهلات. وخلال عهد سلالة مينج (1368 ـ 1644) وبفضل اعجاب الاباطرة بهذا الشكل الفني، اصبحت القصاصات الورقية المزخرفة توجد في كل مكان بما في ذلك الاسقف والمراوح والوسائد والمرايا وحتى ألبسة النساء الداخلية. اما في عهد سلالة «تشينج» الحاكمة (1644 ـ 1911) كانت المحظيات الملكيات تحترفن فن قص الورق كوسيلة للترويح عن النفس في الساعات الطويلة التي يتركن فيها فريسه للوحدة والاهمال. علي محمد
