بيان الكتب: ينطلق مؤلف الكتاب من فكرة الربط بين الماضي والحاضر والمستقبل، ويرى أن هذا الثالوث الزمني هو الذي يحكم آلية تعاملنا مع الأمور ونظرتنا إليها، فالقيم والمعايير الأخلاقية والاجتماعية التي تسود في أي مجتمع ليست إلا نتيجة صراع ، طويل بين أقانيم ذلك الثالوث الزمني (الماضي والحاضر والمستقبل). ولعل هذا ما يفسر أن بعض المظاهر أو الحالات التي ظهرت في طور الصيرورة الكونية هي في نظر بعض المحافظين أو المتمسكين بالماضي مشكلات خطيرة تهدد كيانهم ووجودهم. وهذا ما جعل المؤلف يوضّح مفهوم القضية الاجتماعية الذي يستخدمه في كتابه فيرى أن القضية الاجتماعية لا تمثّل مشكلة اجتماعية خاصة بفئة اجتماعية معينة، بل هي حالة اجتماعية جديدة برزت على سطح المجتمع المتقدم فأحدثت تغييراً سلوكياً ومعيارياً في بعض الأحيان وفكرياً في أحيان أخرى. يتألف الكتاب من ثمانية فصول، ويتحدث الفصل الأول من الكتاب عن المجتمع المعلوماتي، وينوّه بأن الظهور الأول لهذا المصطلح كان سنة ألف وتسعمئة وسبعين ولكنه لم يشع إلا بعد عقد من ذلك التاريخ، وكان (فريتز ماجلوب) و(مارك بورات) من أوائل المفكرين الغربيين الذين تحدثوا عن التحولات التي أدت إلى نشأة المجتمع المعلوماتي. وقد ساهمت عوامل عدّة في تبلور هذا المتجمع أبرزها: الأزمة السكانية والتدمير البيئي المتطرف والتقانة البيولوجية وتأزم العلاقات بين الشمال والجنوب. ويمكن القول إن فكرة المجتمع المعلوماتي لا تزال قيد الصيرورة في طبيعتها وشكلها، ثمّة معايير تحكم هذه النشأة هي: المعيار التقاني والمعيار الاجتماعي والمعيار الاقتصادي والمعيار السياسي والمعيار الثقافي. وقد يلاحظ المرء التشابه القائم بين المجتمع المعلوماتي والمجتمع الصناعي، ولكن الحقيقة أن ثمة اختلافاً في جزئيات كل معيار من المعايير السابقة التي أشير إليها سابقاً مع الإشارة أيضاً إلى ان المجتمع الصناعي أكثر نضجاً وانتشاراً من المجتمع المعلوماتي الذي ما زال في طور النشأة. ولكن هذا لا يمنع من الوقوف على بعض الانتقادات التي وجّهت إلى المجتمع المعلوماتي، وتتلخص تلك الانتقادات في اختراق خصوصيات الفرد الشخصية، والاستعمار الإلكتروني، وتعزيز نمط الحكم الشمولي وتكريس بطشه، والإخفاق في حل المشكلات الأسرية، وقتل روح الابتكار والإبداع، واختراق سيادة الدولة. وجاء الفصل الثاني من الكتاب بعنوان: «العولمة نتاج تقانية المعلومات». ويشير المؤلف فيه إلى أن فكر العولمة يتسم بالشمولية والعمومية والكونية متجاوزاً القارات والمحيطات واللغات والقوميات، وهدفه اجتياح الكرة الأرضية كلها بشعوبها ومجتمعاتها وبلدانها، وبتعبير آخر سيغدو العالم كله في مواجهة صيرورة توحيدية (معلوماتية ومادية وتكنولوجية وتجارية وثقافية). أما القواعد الأساسية لتطور آليات العولمة فهي: القاعدة المادية والقاعدة الحربية وقاعدة التصنيع العسكري. ولا يختلف اثنان في أن العولمة قد حوّلت هدف العلم من السيطرة على الطبيعة إلى السيطرة على الإنسان. ويتحدث المؤلف في الفصل الثالث من الكتاب عن ثنائيات العولمة مثل العولمة والإقليمية، والعولمة والأمركة، والعولمة والثقافة. ويخلص في نهاية هذا الفصل إلى أن أبرز التغييرات التي أحدثتها العولمة في هذا المجال هي: نقل اختصاصات الدولة وسلطتها في المجال الاقتصادي والإعلامي والسياسي والثقافي إلى مؤسسات عالمية، ونزع ملكية الدول ونقلها إلى أصحاب الأموال التي لا وطن لها، وأتمته عقول التقنوقراطيين، واختراق الثقافة المحلية، والانبهار بسرعة الاتصالات البشرية، والثقة العالمية بالأحداث المصورة، وتأثر معايير الناس الاجتماعية والمعرفية بقوة التغيير الخارجية.أما الفصل الرابع فجاء بعنوان «العولمة والبناء الاجتماعي». وفيه يشير المؤلف إلى التبدلات السلوكية الناتجة عن الاصطدام بالعولمة، فعلماء الاجتماع يراقبون اليوم ردّة فعل الكتل الاجتماعية والفكرية والدينية والثقافية على العولمة. وهل سيقتصر أثر العولمة على المركز أم سينقل إلى الاطراف؟ كما ربط بعض علماء الاجتماع بين العولمة والليبرالية الجديدة فوضعوهما في خندق واحد، ورأوا أن كلتيهما تنضويان تحت لواء الرأسمال العالمي، فقد قامت كثير من الدول النامية بتقليل مصاريفها المخصصة للتعليم والصحة والضمان الاجتماعي لكي تنضم إلى الاقتصاد العالمي، ولكن هذه التصرفات أثرت سلباً في مستوى معيشة أبناء الطبقتين الوسطى والدنيا في تلك المجتمعات. ويشير المؤلف إلى أن أبرز سمات العولمة اجتماعياً فيرى أنها تتعارض مع كل نظام منتفخ مترهل، وهي نظام يتعارض مع الحركة البطيئة، والتحكم المركزي، والتسلط الفوقي، وعدم احترام آراء الناس. وينتقل المؤلف في الفصل الخامس للحديث عن الآثار الاجتماعية للعولمة، ويبيّن أن لها آثراً على صعيد الدولة لأن العولمة لا تعطي أهمية للحدود بين الدول. فالناس سيتخلون عن الدولة بكل مفاهيمها وصلاحيتها، ولا سيما حين يطورون الأدوات التكنولوجية الخاصة بالطب والعلوم الأخرى التي تمكنهم من الاعتماد على أنفسهم بشكل أوسع. كما أن للعولمة تأثيراً على صعيد الفرد إذ سيغدو الأفراد بشراً مرتحلين كما يقول المفكر الفرنسي جاك أتالي لأنهم لن يرتبطوا بأرض معينة أو حدود معينة بل سيعيشون حياة الارتحال لأن الأشياء التي يمتلكونها تتميز بالارتحال والتنقل. ويتحدث المؤلف بعد ذلك عن التنظيمات التي ستصنعها العولمة لتحويل الفرد من مواطنته المحلية إلى القارية فيشير إلى السوق الأوروبية المشتركة وغيرها. ثم يشير إلى التطور الهائل الذي يحصل يومياً في شبكة الاتصالات بمختلف مستوياتها. ويبيّن المؤلف ان العولمة لا تتعامل مع الفساد الإداري لأن رجال الأعمال والشركات الكبرى لن تقدم على الاستثمار في بلد يسوده الفساد الإداري. ومن آثار العولمة الاجتماعية زيادة الهوة بين الأجيال بحكم الكم الهائل من المعلومات والتكنولوجيا المستخدمة فيها والتي يحصل عليها الجيل الجديد خلافاً لجيل آبائهم. ويبيّن المؤلف أن العولمة ستكون عاجزة عن الإسهام في برامج محو الأمية، ولا سيما أن عدد الأميين في العالم يصل إلى ثمانمئة وثمانين مليون شخص، وتشير الاحصائيات إلى أن هؤلاء مئة وثلاثة عشر مليون شاب لم يتلقوا تعليمهم، ومن بين هؤلاء الشباب ثلاثة ملايين فقط في الشمال فيما يتمركز الباقون في الدول النامية. وينصرف المؤلف في الفصل السادس من الكتاب للحديث عن الهندسة الوراثية بوصفها واحدة من القضايا الاجتماعية المعاصرة، ولا سيما أن الطريق إلى هندسة الإنسان محفوف بالمشاكل القانونية والأخلاقية. وقد بدأ هذا الفصل بالحدث عن الإخصاب الصناعي فأشار إلى ان فكرة التناسل الصناعي عملت على اختزال القيود البيولوجية الموضوعة على الإخصاب البشري، وهكذا حصل تغيّر في المكونات التقليدية للأبوة والأمومة إذ بدأت تظهر على الساحة مصطلحات مثل الأب المربّي والأم المربية، الأم الجينية، الأم البديلة. ومن الواضح أن للإخصاب الصناعي نتائج سلبية كبيرة على مستوى تكوين الأسرة التقليدية، فقد لجأت بعض الأسر للبحث عن أم بديلة تقوم بالحمل عندما يكون الأبوان عاجزين عن تأدية هذه المهمة، وهذا ما يسبب لاحقاً تصدعاً في وحدة الأسرة واستقرارها، كما أن مسألة الكشف عن هوية المتبرعين في بنوك الإخصاب أو عدم الكشف عنها مسألة لها أبعادها الخطيرة فالكشف عنها سيؤدي إلى الإضرار بانتماء الطفل المولود وتشتّته على حين أن إخفاءها سيؤدي إلى خلط مفهوم النسب والقرابة. وخصّص الفصل السابع من الكتاب للحديث عن الإنسان والبيئة مع التركيز على الوعي البيئي الذي ينبغي أن يتحلّى به إنسان القرن الحادي والعشرين، ويحاول المؤلف في هذا الفصل أن يحلّل العلاقة التي تربط الإنسان بالبيئة مبيناً أن الإنسان استطاع أن يحقق بعضاً من طموحاته في معرفة كوامن البيئة والطبيعة والسيطرة عليها، ولكن هذه الطموحات دفعته إلى أن يتصور نفسه سيّداً عليها بعدما كان يخاف منها ويتجنب غضبها ويجهل أسرارها، وهذا ما أدّى إلى تخريبها وتدمير قسم منها فتلوثت المياه والهواء والتربة، وقطعت الأشجار والغابات، وقضي على بعض أنواع الحيوانات، وتزلزل التوازن البيئي، وهو ما عاد على الإنسان بالأوبئة نتيجة قوة الطبيعة وعدم قدرته على الاستمرار في لعبة السيطرة عليها فبات وجوده عليها مهدداً بالخطر نتيجة نقص الموارد الطبيعية وعدم قدرة الطبيعة على سد حاجات البشر. وقد انتبه بعض أبناء المجتمع الصناعي الغربي لهذه الأخطار فشكلوا أحزاباً تهتم بالبيئة مثل حزب الخضر وأصدقاء البيئة وجمعية الناشطين في مجال البيئة، وهي جمعيات وأحزاب تتضمن أبعاداً واسعة النطاق في الحياة العامة للأفراد من أجل تحقيق آثار فعّالة في النظام الاجتماعي عبر تهذيب السلوك الإنساني تجاه البيئة.أ ما الفصل الأخير من الكتاب فجاء ليتحدث عن علم اجتماع الجسد. وقد بيّن المؤلف في بدايته أن الحديث عن الجسد في أدبيات العلوم الإنسانية يختلف عمّا يدور في أحاديث عامة الناس من حيث دلالاته وعلاقاته بالعقل والطبيعة والثقافة والروح الاجتماعية وليس من حيث شكله وغرائزه، فقد ربط الفلاسفة بين الجسد والروح كما أنهم حين يتحدثون عن العقلانية والموضوعية يسهبون في الحديث عن مقدرات الجسد البشري. وقد أصبح الجسد مركز بعض الاهتمامات التكنولوجية أو الأيديولوجية في جميع حقول الحياة الاجتماعية، ويمكن الحديث الآن عن علم اجتماع الجسد الذي ينطوي على جعل جسد الإنسان مادة للكتابة ، فهو يمثّل قضية اجتماعية في هذه المرحلة الزمنية لأنه سبّب اختلافاً بين علماء الاجتماع، فمنهم من اندفع نحوه وفسّر اهتمام المجتمع به بسبب التطور الصناعي الذي حصل وما قدّمه من رفاهية ورخاء للفرد في معيشته أدّت في النهاية إلى حدوث أمراض جسدية دفعته للاهتمام بجسده بغرض وقايته وحمايته. أما الفريق الثاني فيرى أن الجسد لا يعدو أكثر من جسم مادي لا نشعر به ولا بوجوده إلا بعد أن نتعب ونرهق أثناء حياتنا اليومية، ولهذا لا يستحق منّا كلّ هذا الاهتمام. ويمكن القول ان ثمة مؤثرات عدّة ساهمت في ميلاد علم اجتماع الجسد، فقد ظهرت سلوكيات واهتمامات اجتماعية وصناعية بلورت مصطلح علم اجتماع الجسد مثل الحمية (الريجيم) واللياقة الجسدية والأنوثة وعلم اجتماع الطفولة. وبعد فإن هذا الكتاب يضع بين يدي القاريء مفاصل مهمة في حياته الاجتماعية عبر قضايا تتطلب منه كثيراً من النقاش والحوار، فالإنسان العربي بات محاصراً بمجموعة من القضايا التي أفرزتها الحضارة الجديدة، ولابد له أن يعي موقعه وموقفه منها. ويُحمد للمؤلف أنه ذكر في نهاية كل فصل ثبتاً بالمصطلحات التي استخدمها باللغتين العربية والإنجليزية. حسان فلاح أوغلي