بيان الكتب: يمثل هذا الكتاب بديلا عن مناظرة كان قد اقترحها سيد عطاء الله مهاجراني مع الشيخ مصباح يزدي أحد أبرز منظري اليمين المحافظ في إيران، إضافة إلى مرافعة طويلة ألقاها مهاجراني في الدورة الخامسة للبرلمان، شدت إليها الرأي العام الداخلي والخارجي، وسحرت مناصري الاصلاح وأذهلت مناوئيه. يقول مهاجراني: «لأسباب غير واضحة بالنسبة إليّ، لم يتحقق اقتراحي بشأن اجراء مناظرة مع آية الله مصباح الذي كان هو الآخر أيضا قد أبدى موافقته على ذلك بنحو مكتوب. كما أنني فاتحت ذات مرة الدكتور لاريجاني المدير العام للإذاعة والتلفزيون بهذا الخصوص ولكن دون جدوى، ومازلت أعتقد جازما بأن من شأن اجراء مناظرة جادة أن تزيل الكثير من سوء الفهم خصوصا حينما يتناهى إلى السمع صوت الرصاص الذي يبعث على الأسى والتأمل الكثير. إن أبناء شعبنا ابان أحداث انتصار الثورة الاسلامية، كانوا يلقمون فوهات بنادق العسكر بالزهور، ويطلبون إليهم الكف عن اقتتال الأخوة، انهم يردون على الرصاص بالزهور، فما بال البعض اليوم يرد على الكلمة والفكرة بالرصاص؟». يتكون الكتاب من أربعة فصول، يتناول سيد عطاء الله مهاجراني في فصله الأول تحت عنوان «التساهل والتسامح والحمية الدينية» مقولات للشيخ مصباح من كتبه وخطبه، ويرد عليها بشكل واضح معتمدا على القرآن والأحاديث الشريفة، والتاريخ الإسلامي بما فيه من حوادث وروايات وآراء حول التساهل والتسامح، مفندا وجهات نظره وداعيا إلى ربط العقل مع العلم مع القلب مع الحكمة «ان ما ينبغي التأكيد عليه هنا هو أن الشريعة السمحة السهلة، هي شريعة الحياة، الحياة الطيبة، ومن يبتعد عن فطرته الالهية ويغفل عن ذكر الله تعالى، ستكون له معيشة شاقة و«ضنكة» بحسب تعبير القرآن الكريم. وبعبارة أخرى ان اهتمام نظرية التساهل والتسامح ينصرف إلى الحياة الدنيا فيما يظن أصحاب نظرية العنف بأن هذا الاهتمام ينصرف إلى الآخرة، انهم ينظرون إليها من زاوية أن الله لم يخلق الإنسان لـ«الموت» وإنما خلقه للحياة. ليس من شك في أن هناك أياما في حياة أي شعب تتطلب من الناس أن يضحوا بأرواحهم دفاعا عن حريتهم وكرامتهم وإيمانهم، لكن القاعدة ليست استهداف الإنسان التضحية بنفسه في كل الأحوال. إن روحية الاستشهاد في ظروف المواجهة حالة إيجابية يجب تعزيزها والحفاظ عليها. وبطبيعة الحال، يجب العمل كذلك على توضيح الأهداف والمنطلقات العقلية الرصينة لهذه الحالة في الوقت ذاته». الفصل الثاني يكمل فيه الجانب الآخر للتسامح والتساهل وهو نبذ العنف، معتمدا على كتاب الله ومنهج رسوله صلى الله عليه وسلم، في الحكم والتبليغ، وكيف كان يعامل المعارضين؟ هل كان ينبذ أصحاب الفكر والرأي الآخر ويزج بهم في السجون؟ بالإمكان الاستنتاج بوضوح بأن نظرية التسامح والتساهل ظاهرة وقابلة للاثبات سواء من خلال الأصول العقائدية للإسلام أو من خلال منهج الأنبياء في الدعوة والتبليغ أو في منهج وسنة النبي (صلى الله عليه وسلم) في الدعوة الإسلامية وخاصة في طريقة وأسلوب التعامل مع المعارضين وحتى الأعداء. ويؤكد مهاجراني حججه بقصص من القرآن الكريم حدثت مع النبي موسى عليه السلام حين قتل القبطي المصري، وحين تعامل مع فرعون ما آل إليه أسلوب تعامله. كما ويعيد إلى الأذهان ما حدث مع النبي يونس ووصية الله تعالى للنبي (صلى الله عليه وسلم) بالقول: «ولا تكن كصاحب الحوت». إذن يتضح أن أسلوب التعامل مع المشركين، بل وحتى مع العصاة المتمردين ينبغي ألا يقوم على الغضب والاستعجال. وبالطبع لا يعني ذلك التساهل حتى مع المشرك المحارب، إذ يؤكد القرآن على الشدة والغلظة في التعامل مع الكفار في مثل هكذا حالات. وهناك محطتان في حياة النبي (صلى الله عليه وسلم) توضحان بجلاء أن تعامله مع الناس كان قائما على أساس المودة والرحمة، الأولى تعامله مع المسلمين بعد الهزيمة في معركة أُحد، والثانية تعامله مع المشركين في فتح مكة، وإن كان يونس لم يتحمل قومه فابتعد عنهم واستقر في بطن الحوت، لكنه اعترف بأنه ظلم نفسه فدعا الله فغفر الله له. الفصل الثالث الذي تناول به المنهج النبوي في الخطاب والسلوك وأكد به أن التسامح والتساهل القاعدة في الإسلام والعقاب والجزاء هو الاستثناء وإلا لكان الرسول قد قتل أبا سفيان وهند والآخرين.. تبعه مهاجراني بالفصل الرابع تحت عنوان «الأحكام» يستعرض به ما قاله الشيخ مصباح «.. لكن التساهل غير جائز بأية حال من الأحوال..» ويستشهد بأيات من الذكر الحكيم وبأحداث مرت مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من خلالها إلى أن الإسلام دين الحياة وشريعة العيش، وهذه الشريعة ليست تعليمات وأوامر عسكرية صارمة كي يشعر الشاب لدينا بالقلق والحيرة بشأن الدين والتدين، بل إنها مرشد عملي يتصل بقلبه وفوائده في عيشة سهلة.. ولكن أيضا لا يمكن تقديم الدين والشريعة بنحو يدفع الشباب لدينا للبحث عن مهرب يلجأ إليه من دائرة الدين الذي يشعر بأنه عاجز عن الاستجابة لمتطلباته العقلية والفطرية. والتساهل لا يعني بأية حال من الأحوال انعدام الغيرة. ويضم هذا الفصل أيضا تحت عنوان «الاستجواب» ردود وزير الثقافة والارشاد الإسلامي الايراني الدكتور عطاء الله مهاجراني على مؤاخذات أعضاء البرلمان الإيراني الخامس ذي الأغلبية المحافظة أثناء استجوابه بشأن سياسة التساهل والانفتاح الثقافي في إيران.. إضافة لآراء مهاجراني بوسائل الاعلام والفنون والموسيقى، والرقص الذي يعتبره «حركات موزونة، ونوعا من الفن يطلق فكر الإنسان ويشغله».أيا كانت الحال، فإن التاريخ سيسجل لمهاجراني أنه لم يكن كغيره من الوزراء، بل انه شكّل علامة فارقة وشخصية مثيرة للجدل في الحياة السياسية للنظام الإسلامي في إيران.. وهكذا سيكون في امكان القاريء الاطلاع على حقيقة المساجلات الجارية في إيران منذ أعوام عدة. محمود أبو حامد