بيان الكتب: عملت ستيللا دونج ضمن اطار فريق «مجلة نيويورك تايمز للكتب» لفترة من الزمن، كما ساهمت في عدد من المجلات الاخرى مثل «ترافيل اند ليزر». وهي احد ممثلي المثقفين الامريكيين من ابناء الجيل الاول ذي الاصول الصينية. ترعرت في مدينة «سياتل» الأمريكية وهي تعيش الآن في مدينة نيويورك. هذا الكتاب هو سيرة حياة مدينة شنغهاي، التي وصفها سيمون ونشستر بالقول انها «المنافس الكبير لمانهاتن» في الشرق الأقصى. ولم تكن هناك اية مدينة في هذا الشرق مؤهلة للمقارنة معها عندما كانت في أوج ازدهارها. كما انها كانت في الوقت نفسه ، وكما تقدمها مؤلفة هذا الكتاب، بمثابة «المدينة الاكثر جنوناً في ميدان حياة المتع والاكثر جشعاً والاكثر فساداً والاكثر تمزقاً من حيث النزاعات التي تزخر بها والاكثر بطالة والاكثر انحلالاً في العالم». هكذا تؤكد المؤلفة منذ الصفحات الاولى في كتابها تفشي ظواهر تدل بمجملها على «انحطاط» المدينة وليست الدعارة وتعاطي المخدرات أقل هذه الظواهر خطورة وحيث «البحث عن المال» و«الجشع» يشكلان «محركاً» اساسياً في نشاطات البشر وسلوكياتهم اليومية على قاعدة استمرارية النزاعات القديمة بين أصحاب مصالح متناقضة.. أما أهم مؤشرات الانحطاط الاخلاقي في هذه المدينة فتتمثل في تنامي بؤس شرائح كبيرة من السكان دون ان يثير هذا أي تساؤل لدى من يعيشون حياة زاخرة بالبذخ، ذلك ان النزعات الفردية قد استعمرت «العقول» و«عطلت» كل المساعي «الخيرة» والنوايا الحسنة. ان «شنغهاي» سارت في طريق الانحطاط، كما تقدمها المؤلفة، لانها وعلى الرغم من اشكال النقد والاعراب عن المخاوف لدى بعض المبشرين والاصلاحيين، لانها لم تجد حتى الآن «سبباً اساسياً» كي تعمل على الاقلاع عن مختلف الممارسات المنحرفة الشائعة فيها، وهذا ما تعبر عنه المؤلفة عبر استخدام مثل صيني شائع يقول: «ان شنغهاي، مثل ابنة الامبراطورية القبيحة لم تبد ابداً أي قلق لانها لم تجد من يطلب يدها للزواج». القاعدة الذهبية السائدة في التعامل بشنغهاي هي العمل من اجل تجميع الثرة وبأقل فترة ممكنة من الزمن، سواءعامين أو ثلاثة اعوام. لكن في اغلب الاحيان «تجميع الثروة» تم مغادرة المدينة «المهددة» والتي يسيطر فيها مناخ «غير صحي» على الصعيد الانساني. المهم اذن هو الحصول على الثروة بأقصر وقت ممكن وبأقل جهد. ثم ان الوصول إلى هذه الغاية يتيح استخدام جميع الوسائل. «الغاية تبرر الوسيلة» كما جاء في احدى القواعد الأساسية التي تبناها ميكافيللي في حقل السياسة ويتبناها أهل «شنغهاي» كمبدأ اساسي يستلهمون منه سلوكهم، ولكن شريطة ألا يخالف هذا السلوك الاحكام القانونية المعمول بها. ان مؤلفة هذا الكتاب تقوم، ومن منظور تاريخي، بنوع من المقارنة بين شنغهاي وعدة مدن اخرى في العالم من بينها بغداد التي شهدت فترة من الأزدهار الكبير ثم بدأت مسيرة بالاتجاه المعاكس منذ نهايات القرن الثامن عشر حيث ظهرت بوضوح طموحات الامبراطورية العثمانية. وكان عدد من تجار بغداد قد غادروها في بدايات القرن التاسع عشر كي يقيموا خاصة في الهند حيث مارسوا التجارة واستطاعوا خلال عدة سنوات فقط ان ينافسوا كبار التجار «الفرس الذين كانوا يسيطرون إلى حد كبير على اسواق الهند. وكان من بين التجار الذين هربوا من بغداد عام 1829 دافيد ساسون وابنائه الخمسة حيث مارسوا في الهند تجارة الافيون والقطن، لكنهم سرعان ما ولجوا ميادين تجارية اخرى مثل تجارة اللآليء أو الشاي. وكانوا أول من اقاموا فروعاً لتجارتهم في شنغهاي عندما فتحت المدينة ابوابها للتجارة. كانت القاعدة الأساسية التي طبقوها في نشاطهم التجاري هي «التعقل» مع «الجدية»، وتشير المؤلفة ضمن هذا السياق الا ان «دافيد ساسون» واولاده من اليهود المتعصبين حيث كانوا وحيثما كان نشاطهم التجاري في لندن أو في هونج كونج يراعون طقوسهم واعيادهم الدينية. كما حرصوا دائماً على مصاهرة أسر من نفس ملتهم مثل اسرة روتشيلد وجينسبورج وغيرهما. وكانوا قد أسسوا في شنغهاي «امبراطورية» تجارية لهم بحيث انهم سيطروا على مفاصل النشاط الاقتصادي في المدينة كي يوسعوا نشاطاتهم باتجاه السوق الصيني الواسع. وتقوم المؤلفة في احد فصول هذا الكتاب بدراسة تاريخ تحديث مدينة شنغهاي والدور الذي لعبته مختلف الطبقات والمكونات الاجتماعية في الحياة العامة للمدينة وحيث بدا ان الشرائح البورجوازية العليا هي التي كانت وراء انشاء المؤسسات والشركات الحديثة. لكن نتائج هذا التحديث لم تكن دائماً ايجابية وهذا ما يشير اليه بوضوح «حماة الاخلاق في الصين» عند حديثهم عن «النتائج غير المشرفة» التي لعبتها اسرة «شينج» ذات الاصول البورجوازية العريقة. ومن الظواهر الاخرى التي يتم التأكيد عليها هناك «عدم الفعالية الكبيرة التي شهدتها سياسة التحديث المحدودة خلال العقود الثلاثة الأخيرة». لكن اصحاب النزعات التقليدية الذين يؤكدون على أهمية التربية الكونفوشيوسية ـ نسبة إلى حكيم الصين الكبير كونفوشيوس ـ أظهروا قناعاتهم بان الصين بحاجة إلى مصانع الغرب وإلى بلوغ درجة من «القوة الصناعية» كي تؤمن المنافسة.. او على الاقل البقاء.. ان «شنغهاي» مدينة لها خصوصياتها من حيث انها بدت أكثر المدن الصينية انفتاحاً على العالم الخارجي، هكذا حاول رجال الصناعة الصينيون الاخرون منافسة مصانع «شنغهاي»، على اعتبار انها مدعومة من مستثمرين اجانب. لكنها كانت منافسة صعبة اذ ان المصانع «الغربية» لم تكن تمتلك امكانيات مالية أكبر فحسب وانما كانت منتوجاتها تتمتع أيضاً بنفس النظام الضرائبي والتسهيلات التي شملت المنتوجات الواردة من الغرب. وتميزت خصوصيات التصنيع في شنغهاي بتوجه حفنة من الصناعيين نحو المستقبل مع محاولة التكيف مع معطيات الواقع، وهكذا تم تطوير بعض الصناعات في مقاطعات لم تكن معروفة بالنسبة للغربيين، مثل صناعة المطاحن وبعض صناعات «تحويل الاغذية»، لكن عملية التصنيع هذه لم تمر دون نتائج سلبية اذ ان تزايد اعداد المصانع التي يملكها ابناء شنغهاي، أو التي تعود ملكيتها إلى أجانب، تزامن مع زيادة نسبة التلوث في المنطقة مما كان له احياناً نتائج مباشرة على حقول الأرز التي شكلت تاريخياً أهم مصادر التغذية في عموم الصين.. كما تزامن أيضاً مع اختفاء الآلاف من اشجار الحور الباسقة لتحل مكانها عشرات الكيلومترات من الارصفة المزروعة بالآلات الميكانيكية. وتكرس مؤلفة هذا الكتاب قسماً من تحليلاتها لابراز مكانة «شنغهاي» في الاعمال الأدبية الصينية وحيث كانت سنوات العشرينات والثلاثينات من القرن العشرين قد شهدت استبدال مفهوم «الفن من اجل الفن» بمفهوم «الفن من اجل الحياة». لكن هذا المفهوم «الثوري» للأدب لم يمنع واقع بروز عدد من النزعات الفردية التي اعطت الأولوية لنفسها وليس لاحتياجات «المجتمع». ان الحياة الثقافية في شنغهاي خاصة، وفي الصين عامة شهدت نوعاً من الصراع المستمر بين اتجاهين عريضين. احدهما ثوري، طليعي والاخر فردي، تأثر إلى حد كبير بمختلف المدارس الأدبية والفكرية الغربية وحيث كانت مدينة «شنغهاي» احدى البدايات الرئيسية لمثل هذا الأدب. ومع بدايات الحقبة الشيوعية «الحمراء» شهدت شنغهاي وفود اعداد كبيرة من الفلاحين الذين قدموا من المناطق الصينية الأخرى ومعهم «زادهم» بحيث انهم بقوا عملياً ولفترة زمنية طويلة عناصر غير فاعلة في الحياة العامة للمدينة، كما شكلوا نوعاً من المناطق «المغلقة» عليهم ـ الغيتوات، وحافظوا أيضاً على «مسافة» من بقية مكونات مجتمع المدينة على اختلاف مشاربها الاتنية والثقافية. ان نظرة هؤلاء «الفلاحين» للمدينة التي احتوتهم كان مزيجاً من «الضيق» و«الاعجاب» وحيث يتجاور عالمان، عالم «المخازن التي تعج بالسلع «وعالم» جيوش من الجائعين والمشردين«...» الذين ينتظرون على الارصفة للفوز بحفنة من الأرز..». ان شنغهاي: وكما تقدمها المؤلفة هي أهم مرفأ صيني واول مركز صناعي وتجاري. وهي أيضاً مركز ثقافي وجامعي وعلمي مهم. وقد كانت في بداياتها «قرية للصيادين» بحيث انها لم تعرف فترة ازدهار الكبير الا في اواسط القرن التاسع عشر مع انفتاحها على العالم الخارجي وعلى الاستثمارات الأجنبية. انها «بوابة» الصين على القارة الاوروبية. انها المدينة التي تلتقي فيها «الصين الجديدة» و«الصين المنهكة». في الكلمات الأخيرة من هذا الكتاب، اختارت المؤلفة اهزوجة شعبية يرددها أهل شنغهاي وتمثل إلى حد كبير العقلية السائدة في اوقات الانحطاط، وكلمات هذه الاهزوجة موجهة إلى «قلب شنغهاي الصلف». وتقول: لاشيء يثير قلقي ولاشيء يثير انتباهي فأنا ساتزوج «مليارديراً» واذا مات فلن أبكي بل سأذهب للبحث عن رجل آخر «لوحة بانورامية ممتازة لطاقة خلاقة ولانسانية تسير في درب الانحطاط» هكذا كتب المعلق الادبي في صحيفة «سياتل تايم» عن هذا الكتاب